في قاعة الصف نبني أمة.. فلا تنسى رسالتك أيها المعلم

3 أغسطس , 2018

إن التدريس هو تجربة حياة بكل ما للكلمة من معنى؛ وكم من إنسان لولا أن معلمًا أولاه اهتمامه لكاد أن ينتهي أمره، معيدًا إليه الأمل والحياة، ومادّاً له يد المساعدة كي يصنع من نفسه إنساناً ذا قيمة؛ وبعد مسيرة تعليمية طويلة اكتشفت أن الإنسان يستطيع أن يبني أمةً ويُشيد صروح مجد لوطنه وهو في قاعة الصف.

 

إن المعلم المُتقن المخلص لعمله هو من تُوكل إليه مهمة تطور مجتمعه وأمته وبالتالي يعرف مكانته من مكانه الذي يقف فيه؛ ليبذل قصارى جهده كي يغدو قدوة ومثلاً أعلى يُحتذى به.

 

مهنة التدريس ليست وظيفة رسمية فحسب، بل هي أمانة سيحاسبه التاريخ عليها وستذكرّه بها الأجيال القادمة؛ هو القدوة والصانع لكل الوظائف الاخرى بكل ما تحمله من معارف وأخلاقيات وعناصر للشخصية الإنسانية.

 

مر بي الكثير من المدرسين الذين أثروا في شخصيتي، وأتمنى أن أكون مثلهم، ولهم في قلبي كل الاحترام والتقدير ولولاهم لما وصلت بالتأكيد لما أنا فيه الآن.

 

لا أنسى أبدًا معروف الأستاذ طالب علوان رحمة الله عليه، مدرس التاريخ ومدير مدرسة أبي العلاء للإناث في “معرة النعمان” الذي قدمه لي، وبه تغير مسار حياتي للأفضل، لذلك لن أنسى فضل هذا المدير العظيم – رحمه الله- ما حييت.

 

حين كنت في الصف الثالث الثانوي عام 1987 حصلت على الترتيب الأول في الثانوية العامة، وافتخر بي مدرسو ومدرسات المنطقة بأسرها، وأجريت معي أول مقابلة إذاعية في حياتي في ذلك الوقت، كم شعرتُ حينها بنشوة النجاح وسعادة الانتصار على العادات البالية التي تمنع الفتاة من إكمال تعليمها، لكن الصدمة شلّتني حين قال لي والدي “لهون وبس البنت أولها وآخرتها لبيت زوجها، و أنا شو رح يجيبني منك إذا علمتك.. فرحان ع الصهر يأخذك بعد كل هالتعب”.

 

تجمدت مقلتاي ورجف قلبي حينذاك وبكيت دما بدلاً من الدموع، فقد انهارت أحلامي التي رسمتها على التراب منذ أعوام مضت، جفت الدموع وكان لابد من وقفةٍ مع العقل دون العاطفة، وعقل المرأة حينما يصر على التفكير يبتكر ما لا يخطر على بال ويطرح الحلول الناجعة، وعلى قدر الألم يكون الحل.

 

ذهبتُ من قريتي إلى الثانوية في مدينة المعرة لأحضر “شهادة البكالوريا” وأخبرت الأستاذ طالب -رحمه الله- بما جرى معي وبموقف والدي المعارض لإكمالي للتعليم في الجامعة، في نفس الوقت كنت قد كسبت في صفي أبناء عمي الذين افتخروا بتفوقي وكانوا معي في المرحلة الدراسية نفسها.

 

هدّأ المدير من روعي؛ قائلاً: “لا عليكِ يا ابنتي سأحاول مساعدتك وأرجو أن أنجح في ذلك”، قرر المدير أن يعقد اجتماعًا مع أولياء الأمور وأعطاني “بطاقة دعوة” لوالدي الطيب البسيط.

عدت إلى البيت وأنا أحمل البطاقة والشهادة وآلاف بل ملايين الدعوات أن تنجح هذه الطريقة في إقناع والدي، حدثتّه قليلًا عن زميلاتي وأولياء أمورهن ومديري وتكريمي، وأخبرته أنه مدعو إلى ذلك الاجتماع الذي كان في نظري “مصير حياتي فإما أن أكون أو لا أكون” دون أن يدري، وبعد صمتٍ ساد الحجرة للحظات شعرتُ أن قلبي خلالها كاد أن يتوقف قرر والدي الذهاب إلى الاجتماع في المدرسة في المعرة، حقاً لم تتسع فرحتي لهذا الخبر وبأن الفرج قد اقترب.

 

أمضيت ليلتي في فراشي على السطح أناجي الله وأرقب السماء وأقرأ في صفحتها مستقبلًا بعيدًا قريبًا، أخطط ماذا سأفعل وكيف سأدرس في الجامعة، وكيف سأعوض والدي عن تعبه، وكيف سأقف مُدرسة قديرة أمام طلابي بعد إكمالي لرسالة الدكتواره في اللغة العربية وكيف وكيف وكيف؛ وبالفعل ذهب والدي إلى المدرسة وشكرته الهيئة التدريسية في الاجتماع وأثنت على ابنته المتفوقة على مستوى محافظة أدلب.

 

عاد والدي يحمل معه “الراحة والبسكويت” حِلوان التفوق وابتسامته -رحمة الله عليه- تملأ وجهه؛ وقال وهو يمزج ضحكته بفخره واعتزازه بي: “سأسمح لكِ بالتسجيل في الجامعة ولكن بشرط في جامعة حلب”، قلت له و أنا أقبّل رأسه: “يخليلي ياك ربي يا أبي..حاضر متل ما بدك”.

 

لقد أصبح أداء هذه الرسالة مقدسًا بالنسبة لي مهما كانت قسوة الظرف فهو عهد لا يجوز أن أنكثه، أتذكر ذات مرة أنني كنت مريضة وقد أجريت عملية جراحية صعبة في عام 2007 وحصلت على إجازة مرضية، إلا إنني أشفقت على الطلاب والطالبات كوني أدرّس المرحلة الثانوية العامة، وعندما شعرتُ بتحسن ذهبت إلى المدرسة وباشرت بإعطاء الدروس لاستكمل لهم ما تبقى من المنهاج.

 

وذات مرة حضر “الموجه التربوي” حصة وكنت أثناء الدرس اتمزق من الألم، ولم أستطع التحرك بشكل طبيعي إذ لم يمضِ شهر على العملية، فأبدى الموجه ملاحظة فحواها أنني لم أتنّقل كثيرًا بين السبورة وبين الطلاب، وذلك بعد أن أثنى كثيرًا على طريقة تحضيري المميزة للدرس، فاضطررت لإخباره أنني قطعت إجازتي وأن الجهد الذي أبذله فوق طاقتي، ثم دعوته لحضور درس آخر بعد شفائي، وحينها شكرني الموجه مبديًا إعجابه بما رآه من قيمة الإيثار.

 

إن مسيرتي العلمية والتعليمية طويلة ومهما تحدثت عنها هنا فلن اكتفي ولن أشعر أنني أوصلتُ كل أفكاري إلى الناس، كل ما أتمناه أن أكون قدوة لغيري ومثالًا للمرأة المتعلمة المثقفة التي تعمل بصمت من أجل أن ترى وطنها وأهل بلدها في المقدمة دائمًا.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك