عام دراسي جديد.. ونصائح من مديرة المدرسة!

22 سبتمبر , 2018

عادت الحياة إلى المدارس.. عاد صخب الصغار وفوضى الكبار.. عاد صوت الجرس وفاعليات الطابور الصباحي.. عادت لمسة الطباشير وأصوات شرح المعلمات ومداخلات الطالبات.. عادت براءة الصغار وجمال ابتسامتهم.. وشقاوة الكبار ومقالبهم وحركاتهم.

ودومًا بداية أي شيء يحتاج أسسًا للعمل؛ وكلما كانت هذه الأسس ثابتة قوية كان الناتج متماسكًا شامخًا، وهكذا عملُنا في المدارس. نعم، هو عمل متتابع عبر السنين وعبر الأشخاص، وهناك ثوابت معينة، لكن هناك خصوصية لكل عام ولكل مدرسة ولكل مدير؛ لكل بيئة ولكل مجتمع.

وهذه الأسس توضع في بداية كل عام دراسي بالشراكة بين الإدارة (المدير والنائب والسكرتير والمرشد) وبين المعلمين، وأحيانا بعض أعضاء من المجتمع المحلي، وحقيقة يقع العبء الأكبر في وضعها ودراستها ومتابعتها على المدير.. العمل يفوّض لكن السلطة لا تفوّض، وعند أي خلل أو خطأ في أي أمر فالمُحاسب الأول هو المدير.

نسمع بمن يقول إن الأعوام الدراسية متشابهة؛ فكل عام البرنامج نفسه تقريبا، واللجان نفسها والواجبات نفسها.. والشعور نفسه بالتعب والإرهاق وأحيانًا الملل.. الشكاوى نفسها من كثرة الأعباء على المعلم، وقلة الحوافز المشجّعة؛ ولا شك أن هذا كلام صحيح، إلا لمن ينتقل إلى مدرسة جديدة؛ فيكون هناك بعض الاختلاف في وجوه جديدة يتعرف علها من إدارة ومعلمين وطلبة.

وهنا يجب أن يكون لكل منا رؤية في بداية كل عام دراسي، تتلخص في مجموعة أسئلة يجب أن تخطر ببالنا جميعا، سواء إدارة أو معلمين:

– ما الجديد الذي أريد تحقيقه هذا العام؟

– ما النكهة الخاصة التي سأضيفها إلى عملي؟

– ما التغيير الذي سأعمل على إحداثه؟

– ما الإخفاقات التي وقعتُ فيها حتى أتجنبها أو أحسنها؟

– ما النجاحات التي حققتها حتى أزيدها وأطورها؟

إجابات هذه الأسئلة تكون أساس عمل جيد يضعه كلٌّ منا في بداية أي عام دراسي جديد، ليسير عليه بقية العام.

وكما قلت في البداية يختلف هذا حسب الشخص نفسه وسماته الشخصية والنفسية، وحسب نوعية مدرسته ومكانها والبيئة التي يتعامل معها، فما يصلح للمنطقة س قد لا ينفع للمنطقة ص، وما يكون ناجحًا في هذه البيئة قد لا يكون بالنجاح نفسه في بيئة أخرى؛ وحتى في المدرسة نفسها والبيئة ما يصلح مع طالب أو فصل دراسي ربما لا يصلح مع غيره، فتعاملنا هنا في المدارس ليس كالمِسطرة في كل الأماكن والأحوال. وكل هذه وغيرها محكومة ومنضبطة بتقوى الله ومخافته.

هذه التساؤلات أو الأسس يجب أن تكون في بال مدير المدرسة كل عام دراسي جديد ( بل أيضًا في بال كل معلم) وفي تخطيطه وأهدافه؛ فهي تساعده في إحداث التغيير المطلوب والتطوير المنشود للسير بمدرسته وطلابه ومعلميه إلى الأمام؛ وعليه أن لا يكون مركزيًا في وضعها أو تنفيذها، فعليه التفويض مع المتابعة بدون تدخل غير ضروري، وأن يكون هو القائد الفعلي والقدوة في عمله ومرونته وإنسانيته وانتظامه وسلوكه وأخلاقياته وقيمه، فكما يقول المثل الفرس من الفارس والمركب حسب قبطانها تسير.

ومن واقع خبرتي معلمةً ومديرةً، هناك بعض الأمور والأسس التي تساعد في أن يسير المركب في مدارسنا بسلاسة ورُقيٍّ وسلامة:

– لنحرص على أن يعم الجو الأسري والألفة والمودة أجواء المدرسة كلها، بين المدير ومعلميه وبين المعلمين أنفسهم.. وبين هؤلاء والطلاب والأهالي؛ فالراحة النفسية والأريحيَّة في التعامل يضفي جوا مريحا في العمل وبالتالي يرتقي الإنتاج.

– هناك قوانين علينا التعامل بها لتسيير العمل حتى لو لم تعجبنا أو رأيناها عبئًا وقيودًا، والمرونة في استخدامها أحيانًا مطلوبة، فالإنسانية تحكمنا قبل الورق والقانون لكن بدون استغلال لتلك المرونة والإنسانية حتى لا تصبح تسيبًا واستغلالًا.. فهناك فرق بين الطيبة والسذاجة، وبين الفطنة وسوء الظن، بين الحزم والقسوة، وبين اللين والضعف، وبين المراعاة والتسيّب.

إن وُجدت تقوى الله ومخافته في قلب كل واحد ونفسه منا فستذوب كثير من المنغصات والمشاكل، فمنها ينتج إتقان العمل والعدل والشفافية والتعاون والمودة والإنسانية والاحترام مهما اختلفنا في الآراء والمواقف فهناك خطوط حمراء ممنوع علينا تجاوزها في احترام بعضنا وأسلوب الحديث بيننا؛ فنحن بشر نُصيب ونخطئ، فلنحسن الظن ببعضنا ونتسامح ونتصارح، وليتنا جميعا نطبق قاعدة تكلم معي ولا تتكلم عنّي

تصفية المواقف أولًا بأول تزيل أي سوء فهم، بدل أن يتراكم ويصبح جبلًا يصعب إزالته. فنحن نقضي مع بعضنا أكثر مما نقضي مع إخوتنا وأخواتنا.

اليوم نحن معًا، وغدًا الله أعلم أين نكون.. فليترك كل منا وراءه أثرًا طيبًا، ويحمل معه عبيرًا شذيًا يدل عليه ويسبقه أينما ذهب؛ سواء في الدنيا الفانية أو عند مليك مقتدر.

رغم كل التعب والإرهاق وأسباب الإحباط العديدة في مناطقنا وواقعنا، علينا أن نعمل ولا نيأس، وأن نبقى بحول الله حاملين مشعل النور نضيء العتمة؛ ونزرع الأمل والجدّ في العمل.

فطلابنا بحاجة ماسة لنا لإنقاذهم من الأمواج الكثيرة المحيطة بهم؛ فلنكن لهم طوق النجاة وسفينة الأمان.

فيا أيها المعلم المربي، ويا أيها المدير القدوة هل سألت نفسك يومًا لم أصبحت معلمًا؟ لم اخترت هذا الطريق لحياتك؟ فمعرفة هذا بصدق وصراحة يحدد لك أسلوب تعاملك ونهجك في هذا الطريق: فإن كنت اخترت التعليم باعتباره الوظيفة الوحيدة المتاحة أمامك للتكسُّب والارتزاق، أو إن كانت أعباء التدريس المرهقة وقلة الراتب تؤثر على عطائك، أو إن كان همّك فقط إكمال المقررات بدون ربطها بالواقع والعقيدة والإيمان والأخلاق وتعميقها في طلابك وسلوكياتهم ومفاهيمهم، وبدون أن تكون مربيًا وراعيًا وحاميًا ومرشدًا فأنت فعليًا منفصلٌ تمامًا عن واقع طلابك ومجتمعك وأمتك؛ وستكون من ضمن الصور السلبية التي تزدحم بها حياتنا التعليمية والتي كان لها الأثر السيئ والعميق في مؤسَّسات المجتمع المتنوعة.

فأيّ تفوّق وإبداع وأي إخلاص يُرجى ممّن هذه هي حالهم وتطلعاتهم! بينما على الجانب الآخر إن كنت تنظر للتعليم على أنها أمانة حملتها على عاتقك برضاك، ورسالة تقارب رسالة الأنبياء بحيث تكون ممن ينطبق عليك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّ اللهَ ومَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَواتِ والأرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ في حِجْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ على مُعَلِمِي النَّاسِ الخَيْرَ)، فأنت هنا نِعْمَ المعلم المربَي الراعي القائد صانع رجال وأمهات المستقبل.

وإنني مربّيةً ومعلمةً ومديرةً وأمًّا.. أحلم بيوم يذهب فيه الطالب والمعلم والمدير إلى المدرسة بسرعة الفهد، ويخرج منها بسرعة السلحفاة.. وليس العكس كما هو حاليًا، أن يذهب راغبًا فيها لا عازفًا عنها.. فالكلُّ ينتظر ساعة المغادرة وهو في أول الدوام، وينظر أيام العطلة في الأجندة قبيل بدء الدراسة فهل تحلمون مثلي!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك