المعلم الطفولي يجددّ الروح

26 نوفمبر , 2018

أتعامل يوميًّا مع طلاب لا تزيد أعمارهم عن الحاديةَ عشرة، وهذا يعني بطبيعة الحال الكثير من الحركة والكلام والفوضى التعليمية، لنتخيل معًا هذا المثال البسيط: عندما أسأل مَن منكم كتبت الواجب؟، بدل رفع الأصابع تبدأ الصرخات الصغيرة التي تشبه صدى الصوت اللامتناهي أنا.. أنا.. أنا وهكذا إلى أن تنتهي ثلاثون طالبة من التعبير عن رأيهن، ويتكرر هذا الحال في كل أمر حتى نهاية الحصة.

قبل الدخول إلى الصف قد أفكر في أن أستلّ سيفي وألبس وجهي العبوس وأعلم أني قادرة على إتقان تلك الكشرة الغاضبة التي ستضبط الصف في ثواني، صرخة واحدة ستجعل الكائنات كثيرة الشغب تجلس بهدوء كأن على رؤوسهن الطير، ولكنني هنا سأخسر أهم ما يريده المعلم ألا وهو أن يتعلم طلابه منه، سيرفض ذلك الطالب كل معلومة تعطيها إياه، وإن درسها ستكون للنجاح فقط، دون أن يتذكرها مجددًا؛ لأنها سترتبط بك، ناهيك عن الأخلاقيات التي مهما تحدثت عنها فلن تُسمع.

ما زلت أذكر كلام الأستاذ المتميز عماد أبو تركي معلم اللغة الإنجليزية الذي يدّرس ابني حين قال: الأطفال في هذا السن إن لم تجد ما يُشغلهم سيشتغلون بك!”.

بعد أخذ وردٍ ومشاورات طويلة تدور في عقلي، احتار في الأمر هل أستل سيفي وأعبس أم آخذ بنصيحة الأستاذ عماد، ثم قررت أن أنهج نهجًا مقاربًا، تخيلتُ طالباتي كأبنائي، وقررت أن أجذبهم إلى عالمي وأنجذب إلى عالمهم بالقدر نفسه.

في أول يومٍ التقيهم أوضح لهم صداقتي وحبي لهم وأن الاحترام بيننا متبادل، أسمع رأيهم في القواعد التي بَنيناها معًا وأتأكد من آرائهم ورضاهم عن حديثنا، دائما يضحكون عند هذا المقطع: إذا لم نلتزم بهذه الاتفاقية ستجدون مس شريرة تزوركم في الصف ثم اقطبّ حاجباي و أزمّ شفتاي فتبدأ الضحكات والأقوال المتناثرة التي لا ترغب برؤية تلك المعلمة أبدًا.

بعد أن تُبنى القواعد الصفية الأساسية، التي تبدأ بتذكيرهم بها بشكل متواصل في كل حصة إلى مدةٍ لا بأس بها، تبدأ العلاقة تتضح فيلزم كل واحد جانبه من الاتفاق، في هذه اللحظة تصبح أكثر قدرة على التقرب منهم والمزاح معهم داخل الصف وخارجه؛ فلا تمادي أو فوضى هنا ستحصل، وبمجرد أن تنتهي من هز أكتافك سيتوقف الصف كله معك عن الضحك.

لا بد من القليل من الطفولة والمرح، أحيانًا أجلس لأصحح الدفاتر والكتب، وهذا وقت يشعر المعلم فيه بالضغط والملل، فبدأت أدندن مرةً وأدق على الطاولة باستمتاع، أما الطالبات فقد دبت فيهن الحياة وأصبحن أكثر نشاطًا في الكتابة، ناهيك عن تطاير الابتسامات مع النظرات المختلسة التي كانت تسعدني كما تسعدهن، أما عندما سألتني طالبة عن كلمة كتبتها على السبورة لم تفهمها قلت لها: إنني أكتب العربية لا السنسكريتية لم لمْ تفهميها؟

  • وما هي السنسكريتية؟، لغة أي بلد هذه؟

أجابتها زميلتها : لغة دولة سنسكريتا ضحكنا جميعًا ثم أضافت طالبة: والدي دائما يمازحني مثلك يا معلمتي.

أم هل سمعتم عن الأبقار والأشجار والأحجار الناطقة؟ تلك طرفة أستخدمها عندما أتحدث عن تسخير الله الكائنات لنا، فأقول لهن: تخيلنّ معي تلك البقرة، يأتي المزارع ليأخذ الحليب في الصباح؛ فتقول له: اليوم لا أرغب في إعطائك الحليب.. عُدْ غدًا!

أو تلك الشجرة التي ترفض أن تعطيني الثمرة، وتأمرني بعصبية أن أعود من حيث أتيت، أو ذلك الحجر الذي يركض من البنّاء لا يريد أن يكون في هذا البيت، بل لديه طموح أن يكون في قصر، كل ذلك مع أصوات مفتعلة لتشابه رسوم الأطفال أو صوت الأبقار والأشجار والحجارة إن كان لها صوت!

تضحك الطالبات من قلوبهن، ويتبادلن النظرات التي تظهر الدهشة، فكيف لمعلمتنا أن تتحدث بعقولنا هكذا، وكأنها طفلة مثلنا.

في الطابور الصباحي عندما تتاح لي فرصة أن أجد إحدى طالباتي في الصف وحدها أقف بجانبها وأبدأ بعمل تمارين الصباح معهن، أجد السعادة في قلوبهن جميعًا وبصراحة هي سعادة لي أنا، شيء في روحي كل مرة يتجدد!

هناك أمر لم أكن أحبه في طفولتي مع أنني كنت أحب مادة التربية الإسلامية ألا وهي حصة التلاوة والتجويد، كنت مهما حاولت أن أفهم لا أستطيع، ولم أفهم منها شيئًا إلا عندما قررت أن أقرأها بإتقان في الصف العاشر؛ فطلبت من زميلتي ونحن نجلس في الفرصة“- وقت الاستراحة  أن تشرح لي، وبجلسة واحدة أصبحت أعرف كل شيء.

وأنا اليوم لا أرغب أن تشعر طالباتي بما شعَرتُ، فحصة التلاوة والتجويد من أنشط الحصص، تجد فيها الكثير من الألعاب التعليمية في درس القواعد والكثير من الخشوع عند التلاوة، أما لُعبتهن المفضلة فهي لعبة القصف العشوائي وتبدأ حين تقرأ طالبة الآية فأوقفها لأختار طالبة عشوائيًا لتستخرج الحكم ولا أتركها حتى تتذكر أو تتذكر، الكل يضحك على تلك الرجفة التي تحصل للطالبة التي أختارها، وهي تضحك فتقول: اووه لقد جفلت فتبدأ مسابقة عصر الأدمغة المحتم، حتى تجيب إجابة صحيحة، فلا مجال للخطأ، هنا الكل يكسب.

التكلم بلغة طالباتي أمر يعيد لي روح الطفولة في داخلي ويجددها وينعشها، أنا المنتفع الأول من هذا النهج، أما طالباتي ففي كل يوم تزداد الروابط بيننا لتتعدى المعلم والطالب إلى أكثر من الأم وابنتها أو الصديق وصديقه، ربما كلمة القدوة أجمل ما يمكن أن نصف به هذه الحالة، ستجده يركض ليضمك في ساحة المدرسة، أو يتأملك أثناء الشرح ويقول لك أنه يحبك ولا تتوانى هنا أن تقطع الدرس لتقول له: وأنا أيضًا.

إننا نعيش حياة مليئة بــ الجدية فماذا لو نعمِنا بقليل من الطفولة البريئة، فشكرًا لطالباتي اللاتي سمحن لي أن أعيشها.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك