التغذية الصحيحة أفضل وقاية من المرض!

18 يوليو , 2017

 

العلاقة بين نوع وطبيعة الغذاء الذي يتناوله الإنسان وبين بعض الأمراض التي يصاب بها علاقة أكيدة ومعروفة. ومع ذلك فما يزال كثير من الناس يتجاهل هذه العلاقة، فيطلق العنان لشهوة الطعام إلى أن يصيبه المرض، ثم يروح ينشد الدواء!

فكثيرًا ما نرى أبناءنا مرهقين دون بذل أي مجهود، أو طالب مشتت التفكير، لا يستطيع التركيز أو المذاكرة، والأسباب مجهولة!

وإنسان اليوم الذي يفرط في تناول مختلف أصناف الطعام، يُفْرِط كذلك في تعاطي العقاقير المصنعة متناسيًا أن تلك العقاقير يجب أن تؤخذ بحساب ومقدار و إلا تحوّلت في الجسم إلى سُمٍّ زُعَاف!

ولأننا كنا نتمنى أن يكون هذا الموضوع واحد من المواضيع التي تدرس بالمدارس ليتعرف كل طالب على خارطة الطعام وأنواع الأنظمة الصحية، فإننا نطرح قضية الغذاء والدواء بهدف التنبيه إلى الأطعمة ذات العلاقة الوطيدة بالمرض، ولنبين أنواع الأمراض المرتبطة بالغذاء، لنخلص من ذلك كله إلى أن الإنسان يمكن أن يداوي نفسه بغير دواء، من خلال التحكم في الغذاء.

 يمكنك الاطلاع على

نوعية الغذاء وراء انحراف سلوك الأطفال!

الحاجة إلى الغذاء:

 

الغذاء ضرورة من ضرورات الحياة وحفظ الوجود. ومثل كل ضرورة في الطبيعة، فإن إشباع الحاجة إلى الغذاء يرتبط بدافع قوي هو الإحساس بالجوع. ومن مغريات الطبيعة أن إشباع ضرورات الحياة وحفظ الوجود يترتب عليه الشعور بلذة معينة لا تتأتّى إلا من ذلك الوجه. لذلك يرتبط إشباع الحاجة إلى الغذاء بلذة تذوق الطعام في الفم وبلذة الإحساس بالشبع.

[ هذا شأن في الخلق عجيب. إذْ لو ارتبط إشباع الحاجة إلى الغذاء بالألم مثلًا، لما تناول أحدٌ طعامًا، ولَذَوَتْ الأجسام وتقوّض الوجود إلى فناء. فسبحان الله العظيم ” الذي أعطى كل شيء خَلْقَه ثم هَدَى”].

على أن إشباع الحاجة إلى الغذاء، مثله مثل إشباع أي ضرورة أخرى من ضرورات الحياة، قد يكون معتدلًا وقد يكون متطرفًا. فأما الاعتدال فيقتصر على تناول حاجة الجسم من الطعام وكفى. وأما الإفراط فيذهب إلى تحويل الفم إلى ” مفرمة ” والمعدة إلى “طاحونة ” تعملان طوال ساعات اليقظة. كما أن الاعتدال في تناول الطعام. قد يأخذ صورة أخرى فيقتصر على تناول المفيد من الأطعمة. أما الإفراط فقد يدفع إلى تناول أي شيء وكل شيء.

في الحديث النبوي الشريف: ” ما ملأ ابنُ آدمَ وعاءً شرًّا من بطنه “. وهنا مكمن العـلة وموطن الداء. فعندما تتحول المعدة إلى “طاحونة ” يلقي فيها الإنسان شتى أصناف الطعام طول الوقت، يكون الإنسان قد فتح باب المرض على مصراعيه.

وجدير بالذكر أن تناول الطعام يمكن تهذيبه وتوجيهه من الإفراط إلى الاعتدال. وقد يكون في ذلك بعض المشقة، ولكنها مشقة مثمرة. إذْ هي مفتاح الوقاية من المرض من خلال التحكم في الغذاء. ولعل من المفيد والإنسان يروض نفسه على الاعتدال في تناول الطعام، أن يكتسب كذلك عادة اختيار ما يأكل، فلا يُقْبِل إلا على المفيد من الطعام، ويدع ما وراء ذلك.

 

الدهون

 

من الاعتقادات الخاطئة أن الإنسان لا يشبع إلا إذا تناول وجبة دسمة. والدسم في نظر أكثر الناس هو الطعام الذي تغطية طبقة سميكة من الدهون. والذين يفضلون الطعام الدسم، يقبلون كذلك على الحلوى الدسمة، فلا تطيب لهم إلا والدهن يقطر منها، أو يغطي سطحها طبقة كثيفة من الكريم ( أو القشدة ).

والدهون ترتبط بعدة أمراض، في مقدمتها ” تصلُّب الشرايين ” athero-sclerosis. ويؤدي تصلب الشرايين بدوره إلى ارتفاع ضغط الدم، وإلى الإصابة بالذبحة الصدرية.

وهذه الأمراض بدورها تؤدي إلى احتشاء القلب، الذي قد يكون سببًا في موت مفاجئ.

[ ” احتشاء القلب ” myocardial infarction، هو موت جزء من عضلة القلب نتيجة انقطاع ورود الدم إليه ].

والدهون الكثيرة تزيد نسبة الدهن المخزون في الجسم، وتؤدي بالتالي إلى السمنة. والسمنة تزيد بدورها احتمال الإصابة بأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم والبول السكري ( أو ما يشيع تحت اسم السكر ).

فضلًا عن ذلك، فإن الدهون، خصوصا تلك المسماة ” مشبعة “، عسرة الهضم، فتبقى في المعدة زمنًا أطول. ولأن ثلث (1/3) الدم الموجود في الجسم يذهب إلى المعدة بعد تناول الطعام، لتزويد المعدة بالطاقة اللازمة لمخض الطعام، يشعر الإنسان بالخمول بعد تناول وجبة كبيرة دسمة. وتطول فترة الخمول ( الكَسَل والهمود ) بسبب احتياج الدهون إلى وقت أطول للهضم.

هناك نوعان من الدهون:

“دهون مشبعة saturated fats”: وهي تلك التي تتحد ذرات الكربون فيها بروابط أحادية. ولذلك فإنها بطيئة التفاعل الكيميائي.

توجد الدهون المشبعة في لحوم الأبقار والأغنام (هي الطبقة البيضاء من الدهن التي تسمى أحيانًا اللحم الأبيض) وفي منتجات الألبان مثل الجبن كامل الدسم والقشدة.

كذلك توجد في بعض الزيوت النباتية مثل زيت جوز الهند وزيت النخيل. ومن أمثلة الأطعمة المحتوية على دهون مشبعة الشيكولاتة والكعك ( الكيك ) وأكثر أنواع البسكويت.

“دهون غير مشبعة unsaturated fats “: وهي التي تتحد ذرات الكربون فيها بروابط ثنائية أو ثلاثية (أي روابط غير مشبعة) ولذلك فإنها أنشط تفاعلًا من تلك المشبعة. الدهون المشبعة هي الأكثر ضررًا .

بينما توجد الدهون غير المشبعة في أغلب الزيوت النباتية مثل زيت الذرة وزيت الزيتون وزيت زهرة دوار الشمس، وفي السمك والدجاج منزوع الجلد وفي الزبد الصناعي.

 

السكر:

 

الأطعمة والمشروبات حلوة الطعم محبوبة من الصغار والكبار معًا. وبسبب محتواها العالي من السكر فإنها من أغنى مصادر الطاقة في الجسم. ولنفس السبب كذلك فإنها من الأسباب الرئيسية للسمنة. ذلك أن السكر الذي لا يستخدم لتزويد الجسم بالطاقة، يتم تحويله في الجسم إلى دهون تختزن في مناطق اختزان الدهن، وهي الأرداف وجدار البطن بصورة رئيسية.

عادة يتناول الإنسان السكر في عدة صور وبعدة طرق. فقد يستخدم في تحلية المشروبات مثل الشاي والقهوة، وقد يستخدم في عمل الحلوى على اختلاف أشكالها وألوانها. والسكر الذي يستخدم لهذه الأغراض هو السكر الشائع الاستعمال، والذي يستخلص من قصب السكر أو من البنجر.

لكنْ هناك أنواعًا أخرى من السكر تدخل في تصنيع العديد من المشروبات والحلوى الجاهزة، دون أن يظهر من اسمها أنها تَمُتُّ إلى السكر بصلة! من ذلك:

مادة “دكستروز” ( معنى الكلمة كيميائيًا: السكر السداسي ) “dextrose “.

ومادة “فركتوز ” ” fructose ” ( سكر الفاكهة ).

مادة ” جالاكتوز ” ” galactose ” ( سكر اللبن ).

“جلوكوز ” glucose ” ( سكر العنب )، وغير ذلك من المواد ذات التسمية الغامضة لجمهور الناس.

 

لا بأس بتناول مقدار يسير من حين إلى آخر من حلوى مصنوعة بقليل من السكر وقليل من الزبد الصناعي أو الزبد الطبيعي. لكن إدمان تناول الحلوى بشراهة يعرض للسمنة، وهذه بدورها تجلب عدة أمراض.

 

الملح:

 

قد لا يحظى ملح الطعام بشعبية واسعة مثل الحلوى والسكر، ومع ذلك فما يزال من التوابل شائعة الاستعمال – وبإفراط.

الاسم الكيميائي لملح الطعام هو “كلوريد الصوديوم sodium chloride “. والصوديوم والكلور ( وهما العنصران اللذان يتكون من اتحادهما ملح الطعام ) من العناصر المهمة للخلايا الحية، حيوانية كانت أم نباتية. ومعنى ذلك أن ملح الطعام، أو بالدقة عنصري الكلور والصوديوم، موجود بصورة طبيعية فيما يتناول الإنسان من أطعمة نباتية أو حيوانية. وهذه المقادير الطبيعية تفي بحاجة الجسم من هذه العناصر، إذا كان الإنسان يتناول غذاءً متوازنًا.

كما يضاف الملح إلى الخبز وغير ذلك من الأطعمة الجاهزة. الأمر الذي يعني أنه لا توجد حاجة إلى إضافة ملح الطعام بالمرة، لعدم وجود ضرورة لهذه الإضافة أصلًا! لكن تبقى مسألة المذاق، وهي مسألة ترتبط بالعادة ولا ترتبط بالحاجة. بتعبير آخر، فيمكن أن يعتاد الإنسان تناول طعام لا يضاف إليه أي مقدار من ملح الطعام، تمامًا كما يمكن أن يتعود على مذاق طعام مضاف إليه مقدار كبير من ملح الطعام.

يرتبط ملح الطعام ارتباطًا وثيقًا بـ ارتفاع ضغط الدم. وهذا بدوره يمهد للإصابة بـ أمراض القلب والأوعية الدموية وحوادث نزيف المخ.

كذلك يؤدي تناول ملح الطعام بكثرة إلى إدرار البول، أي إلى كثرة التبول. ويكون إدرار البول من مصادر الإزعاج حين يضطر الإنسان لقطع عمله عدة مرات لقضاء الحاجة، أو للنهوض من النوم أكثر من مرة في الليلة الواحدة للتبول. وبذلك يتأثر الإنتاج اليومي والراحة أثناء النوم بصورة غير مباشرة بملح الطعام!

التداوي بغير دواء:

 

من المتاعب العابرة التي يجنيها الإنسان من تناول الطعام بشراهة، ومن الإقبال على أطعمة غير صحية:

عسر الهضم، والانتفاخ وكثرة التجشؤ، والشعور يحرقان خلف عظمة الصدر ( نتيجة تراجع أحماض المعدة الممتلئة بالطعام إلى المريء ) وكثرة التبول.

وقد يضاف الإمساك إلى هذه القائمة إذا كان الطعام الذي يتناوله الإنسان عالي النقاوة – بمعنى خلوه تمامًا من الألياف الطبيعية. ومن أمثلة الأطعمة عالية النقاوة الخبز الأبيض المصنوع من الدقيق الخالي من النخالة، والأرز الأبيض المبشور ، والسكر المكرر وهو كذلك أبيض اللون.

هذه المتاعب العابرة لا يجب الاستهانة بها لمجرد أنها عابرة. إذْ يمكن أن يؤدي كل واحد منها في المدى البعيد إلى مضاعفات خطيرة.

فالتهاب المريء المزمن، الناتج عن تراجع أحماض المعدة بسبب عادة تناول وجبة كبيرة، يمكن أن يؤدي إلى تليف المريء وضيقه بحيث يتعـســر بلع الطعام. كما يمكن أن يؤدي الالتهاب المزمن إلى نشوء سرطان في المريء.

وقُـلْ مثل ذلك عن الإمساك المزمن الذي يمكن أن يؤدي إلى الإصابة بالبواسير وإلى تقرح القولون، خصوصًا عندما يكون سبب الإمساك هو تناول أطعمة عالية النقاوة.

أما قائمة الأمراض المترتبة على الشراهة وتناول الطعام بطريقة غير صحية، فهي طويلة وتشتمل على أمراض خطيرة، تكفي الإصابة بواحد منها لتقويض صحة الإنسان. ومن هذه الأمراض ما يقود إلى آخر، كما أوضحنا سلفًا . ولذلك متى وقع الإنسان في براثن المرض، دار في حلقة مفرغة من مجموعة أمراض يؤدي الواحد منها إلى الآخر.

 

ليس من الحكمة أو العقل أن يملأ الإنسان جوفه بالطعام إلى الحد الذي يحيله إلى مخلوق هامد بلا حراك! وما قيمة الاستعانة بما يسمى ” مهضمات ” في هذه الحالة؟! يقتل الإنسان نفسه ثم يتصور أن قرصًا من دواء يمكن أن يعيد إليه الحياة!

 

ثُمّ، ألا يمكن الاستمتاع بالحياة إلا من خلال وجبة طعام دسمة؟! هل يعيش الإنسان ليأكل أم يأكل ليعيش؟! وما جدوى هذه المتعة إذا كانت تقود إلى مرض عضال؟! وهل تكون للحياة متعة عندما يقضيها الإنسان مكبلًا بالمرض، مقعدًا في فراش، عالة على الآخرين؟!

المحافظة على الصحة يجب أن يكون هدفًا في الحياة يسعى إليه كل إنسان. وينبغي أن يأخذ الإنسان نفسه بالحزم، فيروضها على كافة التدابير اللازمة لتحقيق الهدف. وقد صدق الإمام البوصيري عندما قال في رائعته الشهيرة ” البردة “:

 

والنفسُ كالطفلِ إنْ تفطمه ينفطم ** وإنْ تتركه شبَّ على حُبِّ الرضاع

في سبيل الوقاية من المرض بالتحكم في نوع وطبيعة ومقدار الغذاء، فقد تكون الإرشادات التالية مفيدة:

 

  • تنظيم العادات الغذائية وتهذيبها، واكتساب عادات صحية في إعداد الطعام وتناوله، والحرص على العادات الجديدة إلى أن تحل تمامًا محل العادات الغذائية الخاطئة.

 

  • الامتناع عن تناول الشحوم الحيوانية والدهون، أو تقليلها تدريجيًا. وإذا كان لا بد من طهي الطعام بالدهن يكون استخدام الزبد الصناعي المحتوي على دهون غير مشبعة أفضل.

 

  • إحلال الزبادي محل الكريم ( القشدة ).

 

  • التقليل من مقادير الحلوى تدريجيًا، واستخدام عسل النحل للتحلية بدلًا من السكر الشائع.

 

  • تفادي تناول طعام بين الوجبات. وحيثما لزم الأمر يكون تناول الفاكهة أفضل من الشيكولاتة والبسكويت وأشباههما.

 

  • الزيوت النباتية أكبر فائدة وأقل ضررًا من الشحوم الحيوانية. كما أن الطعام المسلوق أو المشوي أيسر هضمًا من الطعام المقلي.

 

  • تناول الأطعمة ذات المحتوى العالي من الألياف، مثل الفواكه والخضراوات. ومن الأفضل عدم نزع جلد الفاكهة (مثل تقشير التفاح).

 

  • تناول الأسماك من حين إلى آخر كبديل للحوم. واللحم الأحمر ( الخالي من الدهن ) أجود، ولكن الإكثار منه يؤدي إلى الإصابة بالـنَّـقْــرِس ( داء الملوك ).

 

  • الخبز المتكامل، أي المصنوع من الدقيق والنخالة معًـا، أفضل من الخبز الأبيض. وكذا فالسكر البني والأرز البني يحتوى على ألياف تخلو منها الأنواع النقية ( البيضاء ).

 

  • الاهتمام بنظافة الطعام، ونظافة الأواني التي يطهى فيها والأيدي التي تمسك به، وعدم تركه مكشوفًا أبدًا.

 

  • وفي النهاية، العمل بالوصية النبوية الشريفة: ” بحسب ابن آدم لقيمات يُقِمْنَ صُلْبَه. فإنْ كان لا بُدَّ فاعلًا، فَثلُثٌ لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنَفَسِه “. [ المعنى : لا يحتاج الإنسان إلاّ إلى اليسير من الطعام لحفظ حياته. فإذا كان لا بد أن يأكل الإنسان أكثر مما هو ضروري لحياته، فلا يملأ معدته بالطعام وإنما يدع مكانًا في معدته للماء، ومكانًا لحركة الرئتين أثناء التنفس ].

 

المراجع

1 ) Royal College of Physicians ( 2015 ) Obesity , London : A Comprehensive Report .

 

2 ) Spiller, G.A. & Ray, R.M. ( eds ) (2015) Medical Aspects

     Of Dietary Fiber , New York : Plenum Press .

 

3 ) Exton – Smith & Caird, F . I . ( eds ) (2014 ) Metabolic

     And Nutritional Disorders in the Elderly . Bristol : John Wright .

 

4 ) Davidson, Sir Stanley & Passmore, R. (1986) Human

    Nutrition and Dietetics . Edinburgh : Churchill Livingstone.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك