التَّطَوُّرُ الْأَدَائِيُّ وَالْوَظِيفِيُّ لِلطِّفْلِ مِنْ الْوِلَادَةِ حَتَّى خَمْسِ سَنَوَاتٍ

14 مايو , 2017

قبل البَدء: مفاهيم أساسية

  • يُعَد مبدأ الفروق الفردية من المبادئ العامَّة الأساسية في النمو؛ إذ إنَّ من الطبيعي جدًّا أن نجد طفلين من السنِّ نفسِه مختلفين في مستوى الأداء، ومع ذلك يقعان ضمن المستوى الطبيعي للنمو؛ لذا فإن تطوُّرَ مهارة معينة عند الطفل يحدد بفئة عمريّة يتفاوت في الأطفال امتلاك المهارة فيها ولا يحدد بسن محدد، كما سيأتي التقسيم في هذا المقال.

 

  • النمو وتطور قدرات الطفل عملية متكاملة متداخلة؛ إذ لا يمكن الحديث عن أحد جوانب النمو بِمَعزِل عن الآخر؛ فالنمو الحركي مثلًا يضمن للطفل فرصًا أكبر للتجول والتحرك والاستكشاف في البيئة المحيطة به؛ مما يعني فرصًا أفضل للنمو الإدراكي لديه؛ لذلك فجوانب النمو الواردة في هذا الجزء من البحث المتضمنة للتطور الأدائي في الأنشطة المختلفة لا يُنظر لها بمعزل عن الجزأين المكملين المتضمنين للتطور اللغوي والحركي للطفل.

 

  • من المهم أن تلاحظ الأم المهام التي أتقنها طفلها لتمنحه الاستقلالية الكاملة في القيام بها، ويكون ذلك بالتدريج من المساعدة في الجزء الأكبر من المهمة وصولًا إلى تحمُّل الطفل المسؤولية الكاملة لها، ففي ممارسة الطفل للمهام اليومية (كمهام خدمة الذات من ارتداء الملابس وتناول الطعام ..الخ) فائدة كبيرة لا تتحقق في سواها؛ لتكرارها وأثرها الإيجابي في نفس الطفل بتقليص شعور العجز الناتج من حاجته لغيره، إلى جانب كونها مركبة وفيها سلسلة من الخطوات التي تعتبر تمرينًا عقليًّا له.

 

  • يعتبر اللّعب الوظيفة الأساسية والأهم للطفل، ومن مهارات اللعب يمكن تقييم درجة التطور النمائي التي حققها الطفل ومن خلال اللعب أيضًا يمكن تنمية مهارات الطفل وتقوية الضعف في قدراته، ومع ذلك نجد الكثير من المربين والمؤسسات التعليمية يهمِّشون هذا الجانب من حياة الطفل، ولا يكترثون لضعف أدائه في اللعب مقارنةً بأقرانه، ولا يثير اهتمامهم إلا التأخر المتعلق بالأداء الأكاديمي للطفل! مع أنّ في اللعب دلالات على قدرة الطفل على حل المشكلات والتفكير المنطقي ومهارات التفاعل الاجتماعي والمهارات الحركية والذكاء الانفعالي والكثير الكثير. ولا تقتصر المشكلة على نظرتنا للعب والاستخفاف به وحسب، بل إن ما يهدد التّطور النَّمائي حقيقةً في واقعنا الحالي هو اللعب السَّلبي الذي اكتسح عوالم أطفالنا، إذ إن الشاشات بمختلف أشكالها حَرَمت الأطفال من الكثير من الخبرات التي لن يكتسبوها إلا بالتفاعل المباشر مع بيئاتهم والتحرك فيها من خلال اللعب.

 

لذا فإن هذا البحث بكل ما فيه من معلومات يُرجى منها توعية المربين على جوانب التطور لدى أطفالهم إلا أنه قد يُختصر بتوصيةٍ تحثُّ على منح الطّفل كل فرصةٍ ممكنة للاعتماد على نفسه والانطلاق في بيئته ليتفاعل معها لعبًا واستكشافًا.

يمكنك الاطلاع على

تطور اللغة لدى الطفل وتأثره بالدماغ -الجزء الأول-

نمو المخ والخلايا العصبية:

يبدأ نمو المخ بعد حوالي شهر واحد من الحمل ، إذ تنمو الخلايا العصبية بسرعة كبيرة تتراوح بين 50,000 -100,000 خلية عصبية كل ثانية في الأشهر الثلاثة التالية.

تنمو هذه الخلايا العصبية وترسل ليفاتfibers  تشبه في شكلها تفرعات الأغصان لتتناقل المعلومات بواسطة مواد كيميائية من خلال المساحة بين تشابكات فروعها وهو ما يدعى بالقرانات العصبية synapses.

وعند الولادة يكون لدى الطفل الوليد جميع الخلايا العصبية الممكنة التي يتراوح عددها بين 100-200 بليون خلية تقريبًا، ومن المهم إدراك أن عدد الخلايا العصبية لا يزداد بعد الولادة، ما يزداد هو الوصلات العصبية بين الخلايا والقرانات التي تتزايد خلال الأعوام الأولى للحياة، وربما حتى المراهقة وما بعد ذلك، وفي سن عامين أو ثلاثة يكون لدى الأطفال قرانات عصبية أكثر مما يكون لديهم في سن الرشد. والحقيقة أنهم يُزوَدون بعدد كبير من الخلايا والقرانات العصبية لتساعدهم في التكيف مع بيئاتهم، ووفق ما يتعرضون له من استثارات في بيئاتهم تتحدد كمية الخلايا العصبية التي ستبقى؛ إذ إن الخلايا العصبية التي تستخدم فقط هي التي ستبقى، والخلايا العصبية غير المستخدمة تتهذب. (علام ، 2015)
وهذا مبدأ مهم نخرج منه بتوصية ذهبية تتعلق بنمو الطفل وتطوره وهي أن يتم فتح المجال للطفل ليتفاعل مع البيئة من حوله؛ فالحرمان الشديد من المثيرات البيئية يقود لعدم التعرض للخبرات التي تنتظرها الخلايا العصبية لتنمو وتتصل في الدماغ؛ مما يجعل هذه الخلايا تتعرض للتهذيب، ومن الأمثلة الصارخة على هذا الحرمان في عصرنا الحاضر هو التلفاز والشاشات بأنواعها والتي يقابل قضاء أوقات طويلة عليها حرمانًا من خبرات كثيرة تضمن نمو الخلايا العصبية في مناطق الدماغ المسؤولة عن النمو الحركي واللُّغوي والاجتماعي والانفعالي.

ومما يوضح ذلك الدراسات التي أجريت على الفئران والتي بينت أن الفئران التي يتم تربيتها في بيئات غنية بالمثيرات (تحتوي على ألعاب ومهام تعلم، وفئران أخرى، ومعالجات يقوم بها الإنسان) أسهمت في نمو واستبقاء 25% من القرنات Synapses  أكثر منها في الفئران التي تربت في بيئة خالية من المثيرات، فالتفاعل مع الفئران والاستثارة الجسمية /الحسية تكون مهمة جدًّا في النمو و التعلم.

 

ولأن التوازن دائمًا هو المطلوب؛ فعلى النقيض أظهرت الدراسات أن اللعب والمهام المتعددة التي يقوم بها الطفل لا تسهم وحدها في زيادة نمو المخ فسن الطفل (النضج) عامل مهم أيضًا. فالمزيد من الاستثارة لا يؤدي بالضرورة إلى تحسين نمو الطفل الذي يحصل أصلًا على قدرٍ كافٍ من الاستثارة؛  لذلك فإن تكلّف تعريض الطفل الرضيع لبرامج تعليم أو اقتناء ألعاب غالية الثمن يُحتمل أن يقدم استثارة أكبر مما هو مطلوب. فالأوراق والمكعبات واللعب بالرمال والماء قد تقدم استثارة ممتازة للطفل وبخاصة إذا تلازمت مع تفاعل ورعاية من جانب الكبار.

 

وعلى الرغم من أن المخ ينمو سريعًا خلال مرحلة الطفولة المبكرة إلا أن التعلم يستمر طوال الحياة، وفي الوقت نفسه يمكن أن تدوم تأثيرات الحرمان الشديد من الاستثارة إن لم تكن هناك برامج واعية للتعويض من حالة الحرمان مستفيدين بذلك من مرونة المخ وقابليته للتعويض والتغلب على الحرمان والأذى وخاصة في السنين المبكرة.

 

و إلى جانب الحرمان من الاستثارة هناك عوامل أخرى مثل تعاطي المخدرات من قبل الأم الحامل، والسُّمِّيات في بيئة الطفل الرضيع مثل الطلاء بمواد معدنية تشتمل على مادة الرصاص، أو فقر التغذية لها تأثير مباشر وخطير على نمو المخ.

 

المرحلة العمرية ( 0 – 6  أشهر)

المجال الحس حركي

يظهر الطّفل منعكس انقباض راحة اليد Grasping Reflex  (جدول ردود الفعل المنعكسة اللاإرادية Primitive Reflexes)3 ، وعند بلوغ الطفل 3-4 أشهر يبدأ هذا المنعكس اللاإرادي بالاختفاء لتبدأ حركة القبض الإرادية في اليد بشكل غير متمكن.

 

في الشهر الثاني يبدأ الطفل بمد إحدى ذراعيه للوصول لما يريد لكنه في الشهر الرابع تقريبًا سيكون قادرًا على مد كلتا يديه؛ ليصل إلى لعبته.

 

وتظهر في الثلاثة أشهر الأولى ملامح استكشاف جسده؛ إذ يحرك الطفل يده إلى مجال رؤيته ويستمر بمراقبة حركتها.

أما فيما يخص مهارة الإمساك بالأشياء وإفلاتها فهي لا تعدُّ بالنسبة للطفل بالبساطة التي نتوقعها؛ حتى وإن رأيناه يرمي الأشياء في عمر الخمسة أشهر أو قبل ذلك فالحقيقة أن الأشياء تتـفلت من يده بالخطأ، ولا يلقي بها لأنه يقصد ذلك، ولا تتشكل هذه القدرة عند الطفل إلا في عمر خمسة إلى ستة أشهر، وعندما يبلغ الطفل الستة شهور سيكون قادرًا على نقل الأدوات من يد إلى أخرى، بالإضافة لظهور القدرة على الإمساك بالألعاب والطرق بها على سطح الطاولة. وتستمر مهارة الإمساك بالتطور بازدياد مساهمة الأصابع في تحريك الأدوات والإمساك بها وكلما تقدم العمر انتقلت مسؤولية القبضات نحو الجانب الأيمن من الأصابع في باطن اليد؛ الجزء المسؤول عن إمساك القلم للكتابة وإدخال الخيط في ثقب الإبرة مستقبلًا! أي أن القبضة تتطور لتصبح أكثر دقةً وتحكمًا.

 

يختتم الطفل هذه المرحلة العمرية بالتمكن من الجلوس بلا دعم خارجي.

 

المجال الإدراكي والانفعالي

في عمر الشهرين سيبدي الطفل القدرة على الانتباه للوجوه، وسيكون قادرًا على تتبع الأشياء والأشخاص بنظره؛ أي أنك لو أمسكت لعبة تلفت انتباهه، وحركتها من اليمين إلى اليسار في مجال رؤيته؛ سيقوم بتتبعها بعينيه، كما هو الحال مع الأصوات إذ إنه يبدي انتباهه للأصوات بتحريك رأسه باتجاه مصدر الصوت. ويبدو الطفل في هذه الفترة فضوليًّا تثيره الأشياء من حوله ويتنقل ببصره بينها؛ حتى إذا ما لفته شيء مد يده للحصول عليه.

 

وفي هذه المرحلة يستجيب الطفل لمداعبات الكبار، ويتأثر بتعبيرات وجوههم؛ فقد يبكي إذا تجهّمت في وجهه، ويبتسم لمجرد رؤية ابتسامتك، وفي نهاية هذه المرحلة تصبح ابتسامته ابتسامةً اجتماعيةً، تعبر عن شعوره بعاطفة مَن يبتسم له ويداعبه، وليست مجرد مبادلة الابتسامة بابتسامة كما يحدث قبل الستة أشهر، كما يبدأ بتمييز والديه والمقربين، وهذا يعني أنه يبدأ بالتعلق بمقدم الرعاية تحديدًا مما يعني أن على مقدِّم الرعاية (والمأمول أن يكون الأم) أن يكون حريصًا على أن يكون التعلق آمــنًا؛ لضمان نمو انفعالي ونفسي سليم لدى الطفل، وهذا يتحقق من خلال حرص الأم على تلبية احتياجات طفلها الفسيولوجية والنفسية على أتمِّ وجه، وإلا فإن التعلق غير الآمن الذي ينتج من غياب الرعاية أو عدم انتظامها قد ينبئ بمشاكل نفسية وسلوكية وانفعالية في المستقبل.

 

وبالإضافة إلى أهمية التلامس بين مقدم الرعاية والطفل في تقوية الرابطة العاطفية والتعلق، فإن هذا المدخل الحسِّي له دورٌ هامٌّ في تكوين تصورٍ لدى الطفل عن جسمه والعلاقة المكانية لأجزاء الجسم نسبة بعضها لبعض Body scheme.

 

مهارات الخدمة الذاتية

في هذه المرحلة العمريّة المبكرة يكون الطفل معتمدًا بشكل كاملٍ على مقدم الرعاية، لكن هذا لا يعني أن نغيِّب هذا العنوان (مهارات الخدمة الذاتية) عن هذه الفئة العمرية؛ لما للاستقلالية والاعتماد على الذات من قيمةٍ في تطور الطفل عاطفيًّا ونفسيًّا وجسميًّا. فالمهارة مهما كانت بسيطةً فإن إفساح المجال للطفل ليقوم بها بنفسه يعدُّ درجةً في سلّم تطوره الذي سيكون أكثر متانةً وأسرع بناءً كلما كان الطفل مساهمًا فاعلًا فيه.

 

ففي وقت الأكل أو اللعب مثلًا: بمجرد إعطاء الفرصة للطفل ليقوم بالحركات المذكورة سابقًا (تحت المجال الحركي والإدراكي) بنفسه دون وجود بالغٍ يقرِّب له كلّ ما يريد، ويفتح له كل صندوق، ويلبي حاجاته قبل أن يحاول التعبير عنها، فبمجرد القيام بهذه الأعمال البسيطة نكون قد وهبنا الطفل فرصًا ثمينة للتعلم والتطور، حتى عند النوم فعلى الأم أن تدرّب طفلها على تهدئة نفسه لينام، وتكتفي بالوجود بجانبه دون أن تقوم بهزه وحمله لينام في كلِّ مرة.

 

مع الحرص على الاتزان بين حالتين متطرفتين على خط تقديم الرعاية للطفل؛ حالة الإهمال التي تؤدي لتعلقٍ غير آمن، وحالة المبالغة في تلبية الحاجات التي تحرم الطفل من فرص التعلم الذاتي.

في نهاية هذه المرحلة يكون الطفل قادرًا على الشرب من الكأس المقدم من قبل البالغين وقادرًا على فتح فمه لتناول الطعام بواسطة الملعقة.

 

ملاحظات تستدعي تدخلَ ذوي الاختصاص:

كما ذكرنا في المقدمة أن من مبادئ النمو العامّة وجود فروقٍ فردية بين الأطفال لذلك فإن تأخر تطور بعض المهارات إلى حد معقول يعد طبيعيًّا، لكن إن كان التأخر واضحًا أو ظهر في جوانب متعددة من النمو؛ فإن ذلك يدعو للقلق، ويستوجب التدخل السريع. ومن الملاحظات المتعلقة في المرحلة الحالية:

 

–    ألا يحاول الطفل الوصول للأشياء بيده، أو أن يمسك بالأشياء لكن لا يحاول إيصالها إلى فمه.

–    ألا يبدي أي عاطفة اتجاه من يقدم له الرعاية.

–    ألا يستجيب للأصوات حوله.

–    أن تبدو عضلاته مرتخية أو مشدودة كثيرًا.

–    ألا يحمل رأسه بشكل منتصب دون تدلي.

–    ألا يتتبع بنظره الأشياء المتحركة/ لا يبدي القدرة على التنقل ببصره في جميع الاتجاهات.

–    أن يتعدى ظهور ردود الفعل المنعكسة المدة الزمنية المحددة لاختفائها (كما في جدول ردود الفعل المنعكسة اللاإرادية

 

ومن الجدير بالذكر أن كل الملامح السابقة على بساطتها في نظرنا إلا أنها تحتاج درجة من النضج في دماغ الطفل وحواسه وأعضائه حتى يقوم بها، إذ إن أبسط الحركات التي لا نلقي لها بالًا تستلزم تكاملًا في الأداء بين الجهاز العصبي والعضلي والحسي حتى تتم، وغيابها أو تأخرها بشكلٍ لافت قد يكون له دلالات تشير لوجود مشاكل تطورية تستدعي التدخل.

 

المرحلة العمرية ( 7 -12 شهرًا)

المجال الحس حركي

 

في هذه المرحلة التي يصبح الطفل فيها قادرًا على التنقل فإنه يتعرض لخبراتٍ جديدةٍ تتعلق بوضعيات جسمه في الفراغ حبوًا وجلوسًا ووقوفًا ومع تعرضه للوقوع والتعثر والنهوض مجددًا تتطور لديه وتتكامل قدرات الحس حركية مع المدخلات البصرية وجهاز التوازن. ومع استمرار تفاعل الطفل مع البيئة من حوله فإن الفرص تزداد بحدوث التكامل بين الأجهزة الحسية المختلفة التي تسهم بتطوير الوعي بالجسم وإدراك علاقته بالفراغ؛ ولهذا التطور أثر كبير في أداء  الطفل وقدرته على القيام بالكثير من المهام كالقدرة على تناول الطعام مثلًا.

 

وكما هي الحال في الستة أشهر الأولى تستمر مهارة الإمساك بالتطور؛ فيبدي الطفل في شهره الثامن القدرة على إمساك أكثر من لعبة في يدٍ واحدة، وعند بلوغ الشهر العاشر سنرى الطفل يضغط الأزرار بسبابته، وفي الشهر الحادي عشر سنراه يشير إلى الأشياء البعيدة بالسبابة أيضًا.

 

وفي الشهر الثاني عشر يكون الطفل قادرًا على الإمساك بالأدوات وتحريكها بكلتا يديه كإدخال كرة صغيرة داخل وعاء مثبت بواسطة اليد الأخرى. إنها القدرة التي سيحتاجها غدًا لإتقان مهام أكثر تعقيدًا! كتثبيت الورقة بيد والقص باليد الأخرى.

 

الأعمار التقريبية لتطور قبضة الطفل ومهارة إمساك بالأدوات

 

المجال الإدراكي والانفعالي:

على خلاف المرحلة السابقة التي لم يكن فيها الطفل على درجة من النضج الكافي ليدرك أن الجسم -وإن اختفى- فإنه ما زال موجودًا؛ فإن الطفل بعد الشهر التاسع من عمره تقريبًا يكون قادرًا على توقع مكان وجود اللعبة إن كان يتتبع عملية إخفائها، وتشكل هذه الحقيقة (حقيقة بقاء الأشياء رغم غيابها عن النظر) لغزًا مثيرًا بالنسبة للطفل؛ لذلك فإنه يستمتع في هذه المرحلة بألعاب التخفي مثل الـ peek a boo.

 

مهارات الخدمة الذاتية

في وقت الطعام سيبدأ الطفل ذي التسعة أشهر بمحاولة الإمساك بالمعلقة المقدمة له بكلتا يديه، وإذا ما وقعت الملعقة بين يديه فإنه سيبادر بتحريك الطعام في الطبق محاولًا تقليد الكبار، وحتى إن رفعتَ الطبق فإن الطَّرْق بالمعلقة على الطاولة سيكون البديل الأمثل له، كل هذه الحركات غير الفاعلة في عملية تناول الطعام تمهد لمساهمة ذات معنى في الشهور القادمة ليكون الطّفل أكثر استقلالية. وأولى مظاهر هذه الاستقلالية تظهر في نهاية العام الأول عندما يمسك الطفل الكأس بكلتا يديه ليشرب لوحده.

 

ملاحظات تستدعي تدخل ذوي الاختصاص:

كما ذكرنا في المقدمة أن من مبادئ النمو العامّة وجود فروق فردية بين الأطفال؛ لذلك فإن تأخر تطور بعض المهارات إلى حد معقول يعد طبيعيًّا، لكن إن كان التأخر واضحًا أو ظهر في جوانب متعددة من النمو فإن ذلك يدعو للقلق ويستوجب التدخل السريع. ومن الملاحظات المتعلقة في المرحلة الحالية:

–   ألا يتمكن من الجلوس حتى مع الدعم.

–   ألا يتمكن من تحميل وزنه على قدميه.

–    ألا يبدي أي عاطفة اتجاه من يقدم له الرعاية، أو أن  يبدو غير مميزٍ للمقربين منه.

–    ألا يلاحظ غياب أو قدوم مقدم الرعاية، أو أن لا يعبر عن شعوره حيال ذلك.

–    ألا يستجيب لمناداته باسمه.

يمكنك الاطلاع على

تطور اللغة لدى الطفل وتأثره بالدماغ – الجزء الثاني-


المرحلة العمرية (سنة – سنتين)

المجال الحس حركي

في العام الثاني ومع تطور الاتصال والتكامل بين أجهزة الإحساس المختلفة (التوازن والإحساس بالمفاصل وحركة الجسم والبصر) تزداد قدرة الطفل على التحكم في وضعية الجسم وتوازنه ومع النضج والتفاعل مع البيئة يصبح الطفل أكثر وعيًا بجسمه وعلاقة أجزائه بعضها لبعض؛ مما يساعد على تطوير القدرة على التخطيط الحركيMotor planning؛ إذ إن التخطيط للقيام بحركة جديدة غير متعلمة يستلزم وعي الطفل بجسمه وبكيفية تحريكه ابتداءً، وبذلك سيطوِّر في بداية عامه الثاني القدرة على المشي بشكل مستقل ثم الركض بشكل غير متمكن، وصعود الدرج بخطوات غير متبادلة مع الحاجة للاستعانة بما يمسك به.

 

وعلى مستوى الحركات الدقيقة ومهارات التحكم باليد سيكون الطفل قادرًا على الإمساك بلعبتين بيد واحدة وإلقاء الأدوات داخل وعاء، وتقليد بناء بسيط مكون من قطعتين يتم بناؤه أمام ناظره، أمَّا بناء برج مكون من ست قطع على الأقل؛ فإنه ممكن في نهاية العام الثاني (21-24 شهرًا) بالإضافة للقدرة على تفريغ صندوق الألعاب من محتوياته دفعةً واحدة وتقليب صفحات كتاب.

 

المجال الإدراكي والانفعالي

سيتعلم الطفل الاستعانة بالكبار لمساعدته في حل مشكلاته، وفي نهاية العام الثاني سيبدأ بحل مشكلاته بنفسه؛ إذ إنه يبدأ بإدراك فاعلية الأدوات حوله؛ فيبدأ باستخدامها. وسيطور القدرة على وضع الأشكال الأساسية في الإطارات المطابقة لها (وضع الدائرة في إطار دائري) بالإضافة للقدرة على تركيب قطع الأحجيات Puzzle البسيطة جدًّا.

 

بعد الشهر الخامس عشر سيكون الطفل قادرًا على تمييز الأصوات والوجوه والأماكن المألوفة له. وفي الشهر الثامن عشر يصبح الطفل مدركًا لملكية الأشياء، فيميز ملابس والده وألعابه هو.

 

مهارات اللعب

يمتاز اللعب في هذه المرحلة -كسابقاتها- بأنه لعب حسي/استكشافي؛ فالطفل يقوم باستكشاف وتجريب ما حوله من خلال حواسه؛ لذا فإنه يميل للألعاب التي تصدر أصواتًا أو إضاءةً أو أنها مغطاة بملمس مميز. ومن الملاحظ أن الطفل في هذه الفترة يميل لتكرار اللعبة أو الحركة مرات عديدة؛ فذلك يجعله أكثر تمكنًا من الملاحظات التي يجنيها حول بيئته. وفي نهاية هذا العام يبدأ باستخدام الأشياء في اللعب لتؤدي دورًا مخالفًا لحقيقتها (مثلًا: اللعب بالمشط وكأنه هاتف).

 

مهارات الخدمة الذاتية

بعد الشهر الخامس عشر تقريبًا سيكون الطفل قادرًا على التمييز أنه بحاجة لتغيير ملابسه الداخلية، وفي نهاية عامه الثاني ستبقى جافة لـثلاث إلى أربع ساعات خلال النهار، في بداية عامه الثاني سيساعد من يرعاه في غسل وجهه ويديه وتفريش أسنانه ومع نهاية العام سيكون قادرًا على غسل يديه بنفسه دون مساعدة. بالإضافة لخلع الملابس الواسعة أو المفتوحة كالسترة.

 

وعلى طاولة الطعام سيبدأ الطفل بتناول طعامه بواسطة الملعقة بطريقة عشوائية، ولكن مع نهاية عامه الثاني سيكون قادرًا على التحكم بشكل أفضل؛ ليتناول الطعام دون مساعدة. ومن المهم في المحاولات الأولى للطفل مع تناول الطعام بنفسه أن تتحلى الأم بالصبر وألا تحرم طفلها هذه التجربة خوف اتساخ الملابس أو المكان، ليس لأن الطفل سيتعلم من خلال التجريب وحسب ولكن لأن هذه الفترة في حياة الطفل هي الفترة الحرجة لشعور الطفل بالاستقلالية، ووفق أريكسون فإن عدم إعطاء الطفل الفرصة ليقوم بأعماله بنفسه وإبداء ردود الأفعال السلبية تجاه محاولاته غير الناضجة قد يولد لديه شعور بالشك والخجل، الذي قد يؤثر على المراحل النمائية اللاحقة؛  فالطفل الذي لم يتمتع بالاستقلالية في هذه المرحلة من غير المتوقع أن يكون قادرًا على المبادرة  في المرحلة اللاحقة.

 

ملاحظات تستدعي تدخل ذوي الاختصاص:

كما ذكرنا في المقدمة أن من مبادئ النمو العامّة وجود فروق فردية بين الأطفال لذلك، فإن تأخر تطور بعض المهارات إلى حد معقول يعد طبيعيًّا، لكن إن كان التأخر واضحًا أو ظهر في جوانب متعددة من النمو فإن ذلك يدعو للقلق ويستوجب التدخل السريع. ومن الملاحظات المتعلقة في المرحلة الحالية:

–    ألا يستطيع المشي بثبات.

–    أن يفقد مهارات كان قد اكتسبها من قبل.

–    ألا يبدو مدركًا لاستخدام أدوات مألوفة جدًّا مثل الهاتف والمعلقة.

–    ألا يظهر القدرة على تقليد الأمور البسطة التي تصدر عن الآخرين سواء كانت أصواتًا أو حركات.

 

المرحلة العمرية (سنتين إلى ثلاث سنوات)

المجال الحس حركي

في هذه المرحلة من المفترض أن يكون الطفل قادرًا على التحرك بجرأة، فلا يخشى القفز ولا التسلق ولا التأرجح لكنه في الوقت ذاته قادرٌ على تجنب المخاطر واجتناب المعيقات كقطع الأثاث التي تعترض طريقه، وإلا فإن عدم تقدير المخاطر واجتنابها والاصطدام المتكرر بالأشياء أو عدم انتظام الحركة أو الخوف من الارتفاعات المعقولة قد يكون له دلالات متعلقة بمشاكل في طريقة تعامل دماغ الطفل مع المدخلات الحسية التي يستقبلها، وهذا يستدعي مراجعة المختصين للتحقق من أن تطور الطفل يسير بالاتجاه السليم.

 

في هذا العمر سيكون الطفل قادرًا على  القفز من ارتفاع 20سم تقريبًا والوقوف على قدم واحدة مدة ثانيتين.

 

وعلى مستوى الحركات الدقيقة والتكامل بين الإدراك البصري و التناسق الحركي فإن الطفل يكون قادرًا بعد منتصف هذه المرحلة أن يقلد رسم خطٍّ عمويٍّ وأفقيٍّ ودائرة (بشكل غير متقن تمامًا) ، ويكون قادرًا على قصِّ ورقة وإدخال الخرز في خيط سميك.

المجال الإدراكي والانفعالي

في هذه المرحلة يبدو تطور أداء الذاكرة واضحًا؛ إذ يصبح الطفل قادرًا على تسمية صورتين بعد النظر إليهم لخمس ثوانٍ. وسيكون قادرًا على حل الأحجيات المكونة من أربع قطع، بالإضافة لتصنيف الأشياء حسب لونها وشكلها. وسيجني بهذا العمر ثمار اللعب المزعج في أواني المطبخ في عمرٍ أصغر؛ إذ إن تكرار وضع الأواني المختلفة في الحجم بداخل بعضها سيجعلها الآن قادرًا على ترتيب الصناديق داخل بعضها تبعًا لتدرجها في الحجم.

 

مهارات اللعب

في هذه المرحلة عندما يبدأ الطفل باللعب سنراه يعدّ الأدوات التي سيحتاجها في اللعب! إنه الدليل على تطور قدرته على التخطيط لما سيقوم به. ومع تطور لغته سيكون اللعب الرمزي واستعمال الأدوات على غير حقيقتها أكثر وضوحًا، فالحيوانات هم أصدقاؤه الذين يقاسمونه الطعام. في هذه المرحلة لن يكون الأطفال مستعدين للتشارك في اللعب لكنهم لا يمانعون من أن يلعبوا في المكان والوقت نفسه، وبالألعاب نفسها لكن دون تواصل مباشر فيما بينهم.

 

مهارات الخدمة الذاتية

سيكون الطفل قادرًا على الإمساك بالكأس بيد واحدة وتفريغ محتواها في كأس أخرى، وعند تبديل الملابس سيكون قادرًا على خلع الملابس الواسعة الخالية من الأزرار مع المساعدة.

بعد عمر العامين ونصف تقريبًا سيكون الطفل قادرًا على طلب قضاء حاجته مع التدريب على استخدام الحمّام.

 

ملاحظات تستدعي تدخل ذوي الاختصاص

كما ذكرنا في المقدمة أن من مبادئ النمو العامّة وجود فروق فردية بين الأطفال لذلك فإن تأخر تطور بعض المهارات إلى حد معقول يعد طبيعيًّا، لكن إن كان التأخر واضحًا أو ظهر في جوانب متعددة من النمو فإن ذلك يدعو للقلق ويستوجب التدخل السريع. ومن الملاحظات المتعلقة في المرحلة الحالية:

–    أن يكون كثير الوقوع أو لديه مشكلة في صعود الدرج.

–    ألا يملك مهارات اللعب البسطة التي تمّ ذكرها في وصف المرحلة.

–    ألا يظهر الخيال في لعبه؛ كأن لا يستخدم الأدوات في الرمز (كأن يستخدم الهاتف كسيارة)

–    ألا ينظر في عيون الآخرين خلال التواصل معهم.

–    أن يفقد مهارات كان قد اكتسبها من قبل.

 

المرحلة العمرية (3-4سنوات)

المجال الحس حركي

الفترة العمرية من 3-7 سنوات هي الفترة الحاسمة التي يحدث فيها التكامل بين الحواس؛ ففي هذه الفترة يكون الدماغ مهيئًا بأقصى درجة لاستقبال المدخلات الحسية المختلفة وتنظيمها. ويكون أثر هذا التكامل عامًّا يشمل كل جوانب النمو؛ فهو يشكل أساسًا لنموٍّ سليم في القدرات الذهنية والحركية والاجتماعية؛ لذا يتوجب على الأهل أن يكونوا على مستوى عالٍ من الوعي بالتطور الطبيعي الذي يجب أن يسير به أبناؤهم حتى إذا ما تعثّر نموهم سارعوا في اتخاذ الإجراء المناسب خلال هذه السنوات التي تسبق دخول المدرسة؛ وهذا لا يعني أن اكتشاف وجود مشاكل تطورية بعد سن 7 أعوام يعني فوات الأوان، فالتحسن مأمول دائمًا بالتدريب، ولكنّه لن يكون بنفس درجة التحسن كما في حال التدخل في عمرٍ مبكر.

 

ويستدل على وجود مشكلة تتعلق بالتكامل الحسي من خلال المشاكل التي يواجهها الطفل في قيامه بمهامه اليومية  التي من المتوقع منه أن يكون قادرًا على أدائها بسلاسة وفقًا لفئته العمرية، ففي الصباح وهو يستعد للذهاب إلى الروضة، قد نجده يتعثر وهو يحاول ارتداء ملابسه، وعند جلوسه على طاولة الطعام قد لا يكون قادرًا على الجلوس باتزان بالشكل المقبول ومع اللّقيمات الأولى سيجد الطعام منسكبًا على ملابسه وحول فمه، كل هذه الإخفاقات المتتابعة في صباح هذا الطفل كفيلة بخلق حالة من عدم الثقة والإحباط لديه -خصوصًا إذا ما ترافق هذا الفشل مع تأنيب الكبار الذين لا يدركون معاناة هذا الطفل ليقوم بأكثر المهام بساطةً!

 

سيغادر الطفل بيته إلى المدرسة وتتكرر الأخطاء ذاتها كاصطدامٍ غير مقصودٍ بالأولاد وأداءٍ متعثر في حصة الرياضة وعجزٍ أمام المهمة الأصعب (الكتابة عن السبورة) حتى أنه قد يوصف بتدني مستوى الذكاء لعدم قدرته على مجاراة المهام المدرسية، يخرج طفلنا بمزاجه المتعكر إلى استراحة المدرسة ولعدم امتلاكه المهارات التي يمتلكها أقرانه بالإضافة لشعوره المسبق بالإحباط فإنه يعجز عن تكوين صداقات معهم، فتتحول كل هذه الإخفاقات المتتالية إلى سلوكيات بأشكال مختلفة قد تكون نوبات غضب أو تمرد على نظام المدرسة أو غير ذلك.

 

للأسف طفلنا في هذا السيناريو (الذي هو عبارة عن أمثلة فقط لتصوير المشاكل التي قد تأتي بصور أخرى) ظلم في المرة الأولى عندما لم نتفهم أن سوء أدائه يعود لمشاكل نمائية، وغالبًا -في واقعنا- يظلم مرةً ثانية عندما ينظر لمشكلته على أنها مشكلة سلوكية! فيدخله الأهل أو المدرسة في برنامج لتعديل السلوك دون النظر إلى السّبب الذي يقف وراء هذا السلوك ابتداءً! لذا نحن نضع بين أيدي الأهل مثل هذه المنشورات التوعوية لتوجيههم في التعامل مع التحديات التي تواجه أبناءهم.

 

ومن المهارات الحركية التي يتقنها الأطفال في هذه المرحلة:

– صعود الدرج ونزوله دون الإمساك بشيء، لكن الحركة لا تزال غير تبادلية خلال النزول (وضع القدم الثانية بجانب الأولى).

– القدرة على المشي على رؤوس الأصابع عشر خطوات أو أكثر.

– القدرة على القفز للأمام بكلتا قدميه (ضم القدمين) مسافة قدمين.

– في النصف الأول من عامه الرابع (36- 42 شهرًا) سيكون قادرًا على الوقوف على القدم المفضلة (التي يبدأ بها الحركة عادة) وفي النصف الثاني من العام سيكون قادرًا على الوقوف على أي من القدمين ما يزيد على الخمس ثواني.

– في النصف الثاني من عامه الرابع (42 شهرًا) سيكون قادرًا على القفز من ارتفاع 40 سم تقريبا بكلتا قدميه.

 

في هذه المرحلة يبدأ الأطفال بتفضيل استخدام إحدى اليدين على الأخرى Dominant hand؛ وذلك يعود لكون اليد المفضلة أكثر قدرة على إتقان المهام التي تحتاج دقةً ومهارة، وإذا تأخر ظهور /تفضيل يد عن هذه المرحلة لا داع للقلق، فالفترة الزمنية لتطوير يد رئيسة يمتد من ثلاث إلى خمس سنوات تقريبًا. ويفضَّل حوالي 90% من الأطفال اليد اليمنى لمعظم الأعمال التي تحتاج مهارة ودقة ببلوغ عامهم الخامس بينما يفضل ما يقارب 10% منهم اليد اليسرى*، ويعد هذا التفضيل مستندًا إلى الوراثة؛ لذلك لا تحاول تغيير ذلك لدى طفلك.

 

وقبل ظهور تفضيل ليد على الأخرى يجب أن يكون الطفل قادرًا على استخدام كلتا يديه معًا لإنجاز المهام التي تستدعي ذلك، إذ إن التنسيق في الحركة بين كلا اليدين يسبق ظهور التفضيل في استخدام اليد.

 

ماذا لو لم أرَ في طفلي القدرة على استخدام كلتا اليدين معًا؟

فإذا لم تجد في طفلك تلك القدرة فعليك أن تساعد في تطويرها من خلال إشراكه في ألعاب تتطلب استخدام كلتا اليدين. والهدف من ذلك هو تطوير القدرة على التناسق الحركي بين شقَّيِ الجسم، التي تبدأ نشأتها منذ ظهور الحركة المتناظرة (المتماثلة) symmetrical movement بين جانبي الجسم، التي تسمح بتحريك الجانب الأيمن والأيسر بالحركة ذاتها مثل التصفيق والقفز، والتي تتطور إلى مهارة أكثر تعقيدًا عندما يبدأ الطفل بالحبو؛ فهو يقوم بحركة تبادلية متناسقة Reciprocal movements وتستمر هذه المهارة بالتطور لتشمل قدرات أكثر تعقيدًا مثل المشي والتسلق وسحب الحبل بكلتا اليدين.

 

مع النضج والخبرة يطوّر الطفل القدرة على تحريك جانبي الجسم معًا حركة غير متناظرة (غير متماثلة) Asymmetrical bilateral coordination كأن يقوم بتثبيت الورقة بيد والتلوين باليد الأخرى، أو أن يتزن على قدم ليركل الكرة بالقدم الأخرى.

بعد هذا التسلسل المتداخل في تطور المهارات يُظهر الطفل قدرةً جديدة تسمى القدرة على قطع خط الوسط Crossing the midline، وهي القدرة على تحريك كل من اليد أو القدم إلى الجهة المقابلة للقيام بالمهام بشكل تلقائي (تظهر بشكل واضح في عمر الثلاث سنوات تقريبًا) في حال عدم تطور هذه القدرة سترى طفلك يرسم الخط الأفقي بيده اليمنى حتى يصل منتصف الورقة ثم ينقل القلم إلى يده اليسرى؛ ليتابع رسم الخط حتى نهاية الورقة وكذلك الحال في جميع نشاطاته؛ ستجده يحرك الأدوات الموجودة في الجهة اليمنى بيده اليمنى والأدوات الموجودة في الجهة اليسرى بيده اليسرى.

 

لذا من السهل الآن أن ندرك أن على الطفل أن يطور مهارة قطع خط الوسط كي يطور تفضيلًا في استخدام إحدى يديه؛ وإلا فإنه سيستخدم كل يد للقيام بالمهام الواقعة على الجانب المماثل بمعنى آخر إن فرصة الاستخدام متماثلة لكلتا اليدين وعندها لن تحظى اليد المرشحة -إن صح التعبير- لتكون هي اليد الرئيسة بالفرصة الكافية لتبرز كفاءتها وتطور؛ لذا فإن التأخر في ظهور القدرة على خط الوسط قد ينبئ بتأخر اعتماد الطفل على يد مفضلة.

 

وتجدر الإشارة إلى وجود بعض الحالات من الأشخاص الذين يتمتعون بالقدرة على القيام بالمهام التي تطلب دقةً وتحكمًا بكلتا اليدين دون وجود تفضيل واضح ليد على الأخرى Ambidextrous ومع ذلك فإن الأداء في المهام التي تحتاج دقةً عاليةً وسرعة مثل الكتابة يكون الأداء أفضل في حالة تشكيل يد رئيسة.

 

ومن التطورات الهامة التي تظهر في هذه المرحلة العمرية القدرة على إمساك القلم بشكل متمكن، ويظن البعض أن الإمساك المتمكن يعني استخدام القبضة التقليدية Typical Tripod Grasp  والتي هي الأكثر شيوعًا، وقد تكون هي القبضة المثالية التي تضمن أعلى مستوى تحكم لكن هذا لا يعني أن نجبر الطفل على استخدامها، فالقبضة الأمثل للقلم تأتي كنتيجة للتطور النمائي السليم للعضلات الكبيرة والصغيرة والتكامل بين أدائها وأداء الإدراك البصري وبقية الأجهزة الحسيّة؛ لذا عند مواجهة مشكلة مع طريقة إمساك الطفل للقلم فعلينا أن نبحث عن السبب الحقيقي لنتمكن من حلِّها دون التسبب بإصابة الطفل بالإحباط والنفور من الكتابة ومتعلقاتها.

 

وفي الصورة التطور الذي يمر به معظم الأطفال في طريقة إمساك القلم لكن لا يشترط أن يمر بها الجميع:

 

مع التسلسل التطوري المذكور أعلاه ستتمكن من متابعة سير تطور مهارات استخدام اليد لدى طفلك، وستكون قادرًا على مساعدته؛ ليتقنها بشكل أسرع ضمن المدى الزمني الذي يسمح به النضج. وما لم يكن لدى طفلك مشاكل تطورية تستدعي تدخل علاجي فكل ما عليك فعله هو إتاحة الفرصة للطفل لاستخدام الطباشير وفرش الألوان وألوان الشمع ومعجون اللعب وألعاب الفك والتركيب المختلفة من أجل تكييف مهاراته النامية. (انظر في مراجع لمواقع تحتوي أنشطة تنمي مهارة استخدام اليد).

 

وعلى مستوى الحركات الدقيقة والتكامل بين الإدراك البصري والتناسق الحركي، فإن الطفل يكون قادرًا في هذه المرحلة أن يقوم بنسخ خطٍّ عمويٍّ وأفقيٍّ ودائرة، ويكون قادرًا على قصِّ ورقة مع البقاء على خط مستقيم لا يقل سمكه عن 1سم وإدخال الخرز صغير الحجم في خيط.

 

المجال الإدراكي والانفعالي

يطور الطفل في هذه المرحلة مهارات التذكر إذ إنه يصبح قادرًا على تسمية ثلاث صور أو أكثر بعد عرضها لثوانٍ أمامه، وبعد منتصف العام سيطور مهارة وصف الخصائص الشكلية للأشياء المألوفة له.

 

وسيكون الطفل قادرًا على تقليد تسلسل (نمط) لستِّ قطع بناء بلونين، ويكون قادرًا على تركيب أحجيات puzzle  مكونة من 10 قطع و إدراك وجود علاقات بين الأشياء (مثل المظلة والمطر).

 

وكون هذه المرحلة هي المرحلة التي يدخل فيها الطفل مرحلة الإعداد الأكاديمي فمن المهم أن نؤكد على أن الضعف في الأداء الأكاديمي -في حال وجد- فإنه قد يكون من غير الصواب أن نكثف الجهود في تدريس الطفل لإكسابه المهارات الأكاديمية! لأنه من الممكن أن يكون الضعف الأكاديمي مظهر من مظاهر مشكلة أكبر لدى الطفل، وليس هو المشكلة بحد ذاتها، فكما ذكرنا في البداية أننا نواجه مشكلة الاستخفاف في (أداء) الطفل خلال اللعب والأكل والتواصل ولا نتيقظ إلا عندما تبرز المشاكل الأكاديمية؛ لذا فإن الأصوب أن يتم النظر إلى جميع الجوانب النمائية للطفل عن تقييم المشكلة لاتخاذ الإجراء المناسب.

 

مهارات اللعب

بعد عمر الثلاث سنوات ينتقل الأطفال من مرحلة اللعب بجوار بعضهم بعضًا إلى اللعب مع بعضهم بعضًا؛ إذ يشترك الأطفال في نفس اللعبة، أما عن طبيعة الألعاب فكما في المراحل السابقة هناك اللعب الحركي كما في الساحات وأماكن اللعب الكبيرة playground، وألعاب البناء، وأما الجديد في هذه المرحلة فهو التفاعل الواضح بين الأطفال في اللعبة إذ انهم يشتركون في السعي للهدف ذاته من اللعب، كما أن الخيال يبدو أكثر غنى في هذه المرحلة فهو لا يقتصر على الترميز واستخدام الأدوات على غير حقيقتها وحسب وإنما يتضمن سيناريوهات وأدوار يتقمصها اللاعبون سواء كانت من وحي الخيال أو انعكاسًا للواقع.

 

مهارات الخدمة الذاتية

يكون الطفل قادرًا على غسل وجهه ويديه دون الحاجة لمساعدة، و قادرًا فك وتزرير الأزرار الكبيرة الحجم.

وفي النصف الأول من عامة الرابع (36-42 شهرًا) قد يحدث ألا يتدارك نفسه بالذهاب للحمام بعض الأحيان لكنه سيكون أكثر تمكنًا من ذلك في المنتصف الثاني.

 

ملاحظات تستدعي تدخل ذوي الاختصاص:

كما ذكرنا في المقدمة أن من مبادئ النمو العامّة وجود فروق فردية بين الأطفال لذلك، فإن تأخر تطور بعض المهارات إلى حد معقول يعد طبيعيًّا، لكن إن كان التأخر واضحًا أو ظهر في جوانب متعددة من النمو، فإن ذلك يدعو للقلق ويستوجب التدخل السريع. ومن الملاحظات المتعلقة في المرحلة الحالية:

–    ألا يستطيع القفز في مكانه.

–    ألا يشارك في الألعاب التفاعلية. أو ألا يستجيب لدعوة من هم خارج نطاق أسرته.

–    ألا يمارس النشاطات اليومية بشكل طبيعي (ارتداء الملابس/النوم/تناول الطعام) أو ان يقوم بها بقدر عالي من التوتر.

–    ألا يستخدم الضمائر أنا وأنت بشكل صحيح.

–    أن يفقد مهارات كان قد اكتسبها من قبل.

 

عمر 4-5 سنوات

ومن المهارات الحركية التي يتقنها الأطفال في هذه المرحلة:

مع نهاية عامه الخامس (48-60 شهرًا) سيكون الطفل قادرًا على صعود الدرج ونزوله بحركة تبادلية ودون الإمساك بشيء، بالإضافة لتمكنه من القفز على قدم واحدة أكثر من ثلاث مرات، وستكون مسافة القفزة وتكرارها أكبر في حال القدم المفضلة (الجهة التي يبتدئ بها الحركة عادة) وسيكون الطفل قادرًا على رمي/التقاط الكرة على بعد 7 أقدام تقريبًا والمشي على الجسر كما في الصورة.

 

وعلى مستوى الحركات الدقيقة والتكامل بين الإدراك البصري والتناسق الحركي فإن الطفل يكون قادرًا في هذه المرحلة أن يقوم بنسخ شكل + وخطوط مائلة ومربع، ويكون قادرًا على قصٍّ ورقة على شكل دائرة والرسم فوق حدود منقطة.

 

المجال الإدراكي والانفعالي

يطور الطفل بهذا العمر القدرة على وصف الأحداث التي مرّ بها، وبعد منتصف العام الخامس (48-54 شهرًا) سيكون الطفل قادرًا على استذكار ثماني صور يتم عرضها على الطفل ومن ثم خلطها مع 20 صورة، و قادرًا على تركيب الأحجيات puzzle  مكونة من أكثر من 15 قطعة، كما أن بإمكانه التعرف على الأجزاء الناقصة من اشكال مألوفة.

 

وكلما تقدم العمر به تطورت القدرات المنطقية وحل المشكلات لدى الطفل فيصبح قادرًا على الإتيان باستخدامات جديدة للأدوات المألوفة، وتخمين أسباب وراء حدث في قصة وافتراض أحداث قد تتبع الحدث والكثير من المهارات.

 

مهارات اللعب

في هذه المرحلة يصبح اللعب أكثر تنظيمًا، إذ توضع قوانين للعب ويكون هناك مهام واضحة التقسيم والهدف واضح يسعى جميع الفريق لتحقيقه.

 

مهارات الخدمة الذاتية

مع نهاية العام الخامس يكون الطفل مستقلًا تمامًا في شؤون النظافة الشخصية؛ الاستقلالية في استخدام الحمام، تفريش أسنانه وتنظيف أنفه وغسل اليدين قبل وبعد تناول الطعام. ويكون قادرًا على ارتداء ملابسه مع القليل من المساعدة. وقادرًا على الاهتمام بممتلكاته الشخصية، وترتيب سريره وحقيبته وأدواته.

ملاحظات تستدعي تدخل ذوي الاختصاص

كما ذكرنا في المقدمة أن من مبادئ النمو العامَّة وجود فروق فردية بين الأطفال؛ لذلك فإن تأخر تطور بعض المهارات إلى حد معقول يعد طبيعيًّا، لكن إن كان التأخر واضحًا أو ظهر في جوانب متعددة من النمو، فإن ذلك يدعو للقلق ويستوجب التدخل السريع. ومن الملاحظات المتعلقة في المرحلة الحالية:

–    ألا يظهر الطفل التنوع الطبيعي الواسع في المشاعر.

–    أن يصدر عنه سلوكيات أو مشاعر مبالغ فيها (كالخوف الشديد أو العنف الشديد).

–    ألا يشارك في الألعاب التفاعلية. أو ألا يستجيب لدعوة من هم خارج نطاق أسرته.

–    أن لا يستطيع التركيز في أمر واحد أو أن يبدو كثير التشتت فيما حوله فلا يستطيع الاستمرار في نشاط واحد لأكثر من خمس دقائق.

–    أن لا يمارس النشاطات اليومية بشكل طبيعي (ارتداء الملابس/النوم/تناول الطعام) أو ان يقوم بها بقدر عالي من التوتر.

–    أن يفقد مهارات كان قد اكتسبها من قبل.

رزان محمد الطراونة- أخصائية علاج وظيفي

تدقيق علمي: نداء مقبل

 

المراجع والملاحق

مواقع مفيدة تتضمن أنشطة مختلفة تسهم في إثراء خبرات الطفل وتنمية مهاراته يمكن تنفيذها في البيت:

http://www.ot-mom-learning-activities.com/

http://www.otplan.com/default.aspx

 

المراجع:

  • Occupational Therapy for children (sixth edition), Case-Smith O’Brien
  • Bransford, J.D., Brown, A.L., & Cocking,R.R. (2000). How people learn; Brain, mind, experiences, and school. Washington, DC: National Academy Press.
  • Feldman, R.S. (2004). Child development (3rd ed). Upper Saddle River, NJ: PRENTICE-Hall.*
  • OT Mom learning activities.
  • Division of Birth Defects, National Center on Birth Defects and Developmental Disabilities, Centers for Disease Control and Prevention
  • علام، ص ، م ، 2015 ، علم النفس التربوي، الأردن، دار الفكر.


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك