تطور اللغة لدى الطفل وتأثره بالدماغ -الجزء الأول-

10 أبريل , 2017

الفهرس

* ما علوم الأعصاب والدماغ

* موجز تاريخ علم الأعصاب والدماغ

* تشريح الجهاز العصبي والدماغ وكيفية عمله

* طرق دراسة علم الأعصاب

* ما اللغة

* النظريات التي تفسر اللغة

* تطور اللغة عند الأطفال

* علاقة اللغة بالدماغ

* دماغ المتحدثين بلغتين (ثنائي اللغة)

ما علم الدماغ والأعصاب؟

“طالما أن الدماغ ما يزال غامضًا؛ فإن العالم -الذي يُعَدُّ انعكاسًا لتركيبة دماغنا- سيبقى أيضًا غامضًا..”

سانتياجو كاجال، الذي يعد عند الكثيرين أبو علم الأعصاب الحديث.

قد نكون سمعنا كثيرًا عن علم الدماغ والأعصاب (Neuroscience) ولكن ما الذي يدرسه هذا العلم تحديدًا؟ ولماذا هذا التركيز الكبير عليه في دراسته والبحث فيه في السنوات الأخيرة؟ وماذا تساعدنا الاكتشافات فيه في تقدمنا العلمي والمعرفي والإنساني؟ الإجابة على هذه الأسئلة وأكثر منها سنخوض فيها في هذا البحث..

علم الدماغ والاعصاب هو العلم الذين يقوم بدراسة الجهاز العصبي، كيف نشأ وكيف يتطوَّر، تركيبه والوظائف المسؤول عنها في الإنسان، تحديدًا الدماغ وأثره على السلوك والعمليات الإدراكية، ولا يشمل فقط الوظائف الدماغية في الجهاز العصبي الطبيعي، بل أيضًا الاضطرابات التي تكون ذات منشإٍ عصبي، أو نفسي، أو الأمراض المتعلقة بتطوِّر الدماغ.

وعلى الرغم من أن علم الأعصاب يعتبر جزءًا من العلوم الحيوية، إنه فرع علمي يشمل الكثير من المجالات، وينبثق من فروع علمية أخرى كعلوم التشريح، والأحياء الجزيئية، والطب، وعلم وظائف الأعضاء، والفيزياء، وعلم النفس وغيرها.. بالإضافة إلى أنه يؤثر بشكل كبير على مجالات أخرى مهمة كالتعليم، وعلم الأخلاق ودراسة تصرفات الإنسان في ظروف محددة، وحتى القانون.

ولكن بشكل خاص يندرج تحت هذا العلم أكثر من فرع يختص بدراسة علوم أخرى عن طريق علم الأعصاب، ومن أهم الأمثلة التي تهمنا في هذا البحث هي علم اللسانيات العصبي، والذي يهتم بدراسة كيفية إنتاج اللغة في الدماغ، بالإضافة إلى علم الأعصاب الإدراكي السلوكي، والذي سنأتي إليه لاحقًا.

موجز تاريخ علم الأعصاب والدماغ:

إن عملية دراسة الدماغ بطريقة أو بأخرى بدأت فعليًّا منذ زمن طويل، حيث كان المصريون القدامى في أثناء عملية التحنيط يقومون بسحب الدماغ حرفيًّا من فتحة الأنف! وفي العصر الحجري، كانوا يقومون بحفر الجمجمة لعلاج الصداع أو تخفيف ضغط الجمجمة!

قد تبدو الأمثلة السابقة غريبة، لكن مسيرة اكتشاف الدماغ بعدها لم تكن بهذه القسوة، فأقدم مخطوطة مكتوبة عن الجهاز العصبي كانت في عام 1700 قبل الميلاد؛ حيث تم ذكر كلمة “الدماغ” ثماني مرات في محاولة لشرح الأعراض وتشخيص نتائج إصابة شخصين بجروح وكسور في الرأس.

وفي عام 500 قبل الميلاد طرح الفيلسوف ألكميون Alcmaeon أن مركز ذكاء الإنسان هو الدماغ، واللذان وافقاه فيه فيلسوفان في الإسكندرية عام 300 قبل الميلاد تقريبًا، بالإضافة إلى طرحه أن أعصاب البصر هي التي تنقل الضوء إلى الدماغ.

وفي القرن الرابع قبل الميلاد، قدم لنا الفيلسوف هيبوفريطس Hippocrates فكرة أن الدماغ هو المسؤول عن الإحساس، وأهم ما قدمه أيضًا أن حدوث الصرع ونوبات التشنج أصلها وسببها هو الدماغ، وهو اكتشاف كبير ومهم في حينها.

ومن القرن الميلادي الأول وبعده تم تحقيق الكثير من الاكتشافات في علم الدماغ والأعصاب، بالإضافة إلى اكتشاف أجزاء محددة وتسميتها، فالرازي مثلًا في كتابه الحاوي في الطب فصل في شرح سبعة أعصاب دماغية (قحفية) Cranial Nerves بالإضافة إلى واحد وثلاثين عصبًا يخرج من الحبل الشوكي، ومن بعده توالت الكثير من الاكتشافات خصوصًا مع الاختراعات التي صنعت قفزات علمية حقيقية في علم الدماغ والأعصاب، كاستخدام الميكروسكوب والأصباغ في نهاية القرن التاسع عشر وإسهامات عالم الأحياء الكبير كاميللو جولجي، واختراع التصوير بالرنين المغناطيسي الذي سنتحدث عنه لاحقًا، وغيرهم الكثير مما خلق تأسيس قوي في هذا العلم وبدأ يتطور بشكل متسارع وملحوظ.

لكن متى بدأ بشكل فعلي الربط بين اللغة والدماغ؟ أو بشكل أدق، كيف بدأنا الربط أن مركز اللغة ونشأتها وتطورها هو الدماغ واكتشافنا لأماكن محددة فيه؟ تبدأ قصتنا مع العالم بويو Bouillaud، حيث قدم حالة في عام 1925 كانت قد فقدت القدرة على الكلام بعد حادث تعرضت له أدى إلى إصابة في الفص الأمامي من الدماغ Frontal Lobe، وبعدها قدم لنا العالم مارك داكس طرحًا لاحظ فيه أن بعض المرضى الذين يعانون من مشاكل في الكلام، كان لديهم تلف في النصف الأيسر من دماغهم.

لكن إحدى أكبر النقاط المفصلية في تاريخ اللغة والدماغ هي الحالة “تان تان”! لم يكن اسم هذا الشخص تان تان بالطبع، لكنه فقد القدرة على التعبير حرفيًّا، ما عدا المفردة تان.. وأثارت هذه الحالة كغيرها من الحالات الشبيهة تساؤلات كبيرة عن سبب هذه الظاهرة، فهل من الممكن أن يكون السبب هو مشكلة في الدماغ؟ فعليًّا هذا ما أثبته لنا أحد أكبر أعلام علم الدماغ، بول بروكا Paul Broca، لاحقًا بعد دراسة هذه الحالة، وأن المنطقة المسؤولة عن إنتاج الكلام موجودة في النصف الأيسر في الفص الأمامي للدماغ، وسميت هذه المنطقة باسمه وتدعى منطقة بروكا Broca’s Area.

وإحدى أكبر النقاط المفصلية الأخرى هو التعامل مع حالات تستطيع إنتاج الكلام، لكنه كلام غير مفهوم ولا مترابط، فالمشكلة هنا ليس في جزء الدماغ المسؤول عن إنتاج الكلام بوصفه بنيةً كلاميةً، بقدر ما هي مشكلة في ربط الفهم المسبق في دماغ الإنسان، مع إنتاج الكلام، وهنا كان إسهام العالم ويرنيك Wernicke في تحديد المنطقة المسؤولة عن فهم الكلام والأفكار وتحليلها وربطها، وسميت هذه المنطقة باسمه نتيجة لإسهاماته منطقة ويرنيك Wernicke’s Area.

وهكذا امتدت سلسلة الاكتشافات في علم الأعصاب الدماغي بأبحاث كثيرة عامة ومتخصصة، واكتشافات الدماغ واللغة ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا، خصوصًا مع تطور أساليب دراسة الدماغ، لكن قبل أن نخوض فيها، دعونا ندخل في موجز بسيط عن تشريح الدماغ وماهيته.

تشريح الجهاز العصبي والدماغ وكيفية عمله

كان الدماغ على الدوام أشبه ما يكون بالصندوق الأسود. سواء كان سبب ذلك وجوده داخل الجمجمة وكان فتح الجمجمة مرفوضًا بالنسبة لحضارات كثيرة لأسباب دينية أو ثقافية، أو لأنه كتلة بيضاء هشة يصعب تحليلها وكشف أسرارها.

رحلة اكتشاف هذا العضو كانت طويلة ومليئة بالصعوبات، فكانت بدايتها الاستعانة بالمرض، أي أننا ننتظر عندما يفقد شخص ما قدرة ما، كالتوقف عن الكلام، أو عدم استطاعته تحريك طرف من أطرافه، أو فقدانه للبصر، فندرس بعد وفاته أي جزء من دماغه تأثر وماتت خلاياه، فنبدأ بالربط بين علاقة هذا الجزء من الدماغ بتلك الوظيفة، وهكذا.

ومن أشهر الأمثلة في التاريخ، أنه كان من الملاحظ أنه عند تلقي الشخص ضربة على مؤخرة رأسه، فقدرته على البصر تتأثر، فاستنتجنا علاقة بين مؤخرة الرأس والبصر.

الكثير من التطورات والتقنيات العالية لدراسة الدماغ استطعنا الوصول إليها، سنخوض فيها لاحقًا، لكن قبل أن نعرف كيف ندرس الدماغ، علينا أن نعرف ما هو الدماغ حقًّا؟

ينقسم دماغنا بشكل رئيسٍ إلى نصفين، النصف الأيمن Right Hemisphere، والنصف الأيسر Left Hemisphere، يرتبطان فيما بينهما بتشعبات كبيرة من المحاور العصبية الممتدة Axons، مما يؤثر عمل أحدهم على الآخر. لكن مع ذلك فهنالك تخصصية في الوظائف لكل نصف من الدماغ بشكل خاص؛ فالنصف الأيسر مسؤول عن المنطق، وتحليل الأفكار، والرياضيات، والجزء الأكبر من اللغة، أما الجزء الأيمن، فمسؤول عن العلاقات البصرية والمكانية، والإبداع، والتذوق، والموسيقا.

في بعض الحالات نستخدم عملية فصل الدماغ The Split Brain لعلاج حالات متقدمة من الصرع، وكان الغريب أن عمليات فصل الدماغ قد حلت ثلثي مشاكل الناس الذين يعانون من الصرع، لكن وظائف دماغهم لم تتأثر تقريبا (Washington University School of Medicine, 2003).

نستطيع أن نقسم كل نصف من الدماغ إلى أربعة فصوص رئيسة، الفص الأمامي Frontal Lobe، ومن وظائفه أنه مسؤول عن جزء كبير من الحركة الإرادية، وتوقع العواقب المستقبلية وغيرها.

أما الفص الجداري Parietal Lobe، وأهم وظائفه هو دمج الإحساسات التي تأتي من كافة أجزاء الجسم.

الفص الصدغي Temporal Lobe، يساهم في التواصل لتخزين الذاكرة إلى طويلة الأمد، وفي تحليل الإحساسات البصرية والسمعية، ويساهم في تحليل اللغة.

أما الفص الرابع الأخير، الفص القحفي Occipital Lobe، ويكون في مؤخرة الدماغ، وهو المسؤول بشكل رئيس عن التحليل البصري وتحليل الرؤية.

وحدة البناء التي تقوم بكل العمليات العصبية الرئيسية في الدماغ وفي جهازنا العصبي بشكل عام تدعى الخلية العصبية Neuron، وتتكون من ثلاثة أجزاء رئيسة، الجزء الأول جسم الخلية العصبية Cell Body، ومن عنده تبدأ الإشارة العصبية بالانتقال، وتنقل المعلومات من الدماغ إلى باقي جسم الإنسان، أو من الجسم إلى الدماغ، أو التواصلات داخل الجهاز العصبي نفسه.

الجزء الثاني هو محور الخلية العصبية Axon، وهو المحور الذي تنتقل فيه الإشارة لمسافات طويلة أحيانًا في جسم الإنسان.

والجزء الثالث هي النهايات العصبية Dendrites، وهنا تنتهي الإشارة العصبية في الخلية العصبية لتعطي أثرًا على خلية عصبية أخرى أو عضلة ما، ويكون هذا الأثر بسبب النواقل العصبية Neurotransmitters، والتي تتفاعل على مواقع خاصة في مستقبلها.

يمكنك الاطلاع على

التَّطَوُّرُ الْأَدَائِيُّ وَالْوَظِيفِيُّ لِلطِّفْلِ مِنْ الْوِلَادَةِ حَتَّى خَمْسِ سَنَوَاتٍ

طرق دراسة عمل الدماغ:

للتطور العلمي والتكنولوجي الكبير إسهامات كبيرة في فهمنا لعمل الدماغ؛ فنحن الآن لا ننتظر أن تحصل مشكلة في الدماغ لندرس أثر هذه المنطقة المعطلة، بل وصلت بنا التقدمات العلمية إلى دراسة أثر الدماغ والتفكير في شيء ما وهو يعمل، ومن هذه التقنيات:

  1. دراسة موجات الدماغ EEG: وهي آلة اخترعها العالم النفسي بيرغر في عام 1923م، وعملها عن طريق تسجيل كل الإشارات الكهربائية الصادرة عن الدماغ، من خال رصد هذه الإشارات البسيطة من سطح الدماغ وتضخيمها ليتم تسجيلها من قبل جهاز يدوي أو كمبيوتر على رسم بياني، لتخرج لنا بأنواع محددة من الموجات الدماغية وفق ترددات معينة لكل نوع، وتعكس هذه الترددات حالات معينة من الاستيقاظ أو النوم أو النشاط الدماغي. وتساعدنا دراسة موجات الدماغ على تشخيص بعد الأمراض الدماغية المهمة أحيانًا، كالتفريق بين أنواع نوبات الصرع.
  2. التصوير بالرنين المغناطيسي Magnetic Resonance Imaging (MRI): كان تصنيع هذا الجهاز من أكبر القفزات في دراسة علم الدماغ والأعصاب، حيث أصبح في متناول اليد في الثمانينيَّات من القرن الماضي، وأصبح في متناولنا تقنيةة تخرج لنا صورًا واضحة ومفصلة للدماغ البشري، من دون أن نعرض الناس إلى الإشعاعات الخطرة كما في تقنيات أخرى. التصوير بالرنين المغناطيسي يظهر لنا بعض العلل عند حدوثها في الدماغ، كموت منطقة ما من الدماغ، فنعرف عن أثر تلك المنطقة من دون الحاجة إلى فتح الجمجمة. لكن التصوير بالرنين المغناطيسي العادي لا يظهر لنا ما يقوم به الدماغ في تلك اللحظة، لذلك دخلت علينا تقنية مطورة من الرنين المغناطيسي تدعى التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي Functional MRI (fMRI)، وهنا نستخدم الإشارات المغناطيسية لإظهار شكل الدماغ ووظيفة عمله في تلك الحالة المحددة، أي أنك ترصد الدماغ وهو يعمل، وأي منطقة تعمل تحديدًا.
  3. التصوير الطبقي بالإشعاع البوزيتروني Positron-Emission Tomography (PET Scan): وهي تقنية حديثة تصور شكل الدماغ ووظيفته أيضًا، لكن استخدامه بشكل أقل من الـ fMRI لبعض السلبيات عنه. نستطيع من خلال هذه التقنية رسم خرائط للدماغ بالاعتماد على استهلاك مناطق معينة من الدماغ للجلوكوز، وهو الغذاء الأساس للخلايا الدماغية، واعتماد ذلك لالتقاط أي من الأجزاء الدماغية تستهلك جلوكوز بشكل أكبر فإنها تعمل بشكل أكبر، وتخرج لنا الخرائط الدماغية بشكل واضح وملونة تبعًا للتحليل الكمبيوتري لاحقًا.

ما هي اللغة؟

تخيل لو أننا في حياة نتواصل فيها فقط عن طريق الضحك، أو العيون، أو حركات اليد فقط؟ كيف سيكون تواصلنا؟ هل سنكون قادرين على أن نعبر عن أنفسنا بنفس الطريقة التي نعبر فيها الآن؟

تعددت طرق التواصل في هذه الحياة، نتواصل عن طريق الابتسامة عندما نكون سعداء، أو الصراخ لإيصال غضبنا أو البكاء عند الحزن، حتى الحيوانات تتواصل بطريقتها الخاصة، لكن مهما تعددت الطرق ستبقى اللغة هي الوسيلة الأساسية للتواصل، وذلك بفضل تعقيداتها التي تمنحنا مجالًا أكبر في إيصال المعلومات.

إذا اللغة هي نظام تواصلي مبني على تركيب الأصوات لتكوِّن كلمات، وجمع الكلمات لتكوين جمل، والتواصل عن طريق اللغة يسمى بالتواصل اللساني أو اللغوي (Linguistic Communication)، أما التواصل باستخدام الطرق الأخرى، كالضحك، أو لغة الجسد، أو لغة الإشارة أو لغة البرمجة فتعد تواصل غير لساني أو غير لغوي (non-linguistic communication). في هذا البحث، لن نتطرق إلى فلسفة اللغة، ولكن سوف نتطرق إلى اللغة وأجزائها التي يقوم بدراستها العلماء اللسانيون (Linguists).

تنقسم اللغة إلى خمسة أقسام أساسية:

  • الفونولوجيا أو الأصوات الكلامية: هو العلم الذي يدرس النظام المقطعي للغة الذي يتكون من فونيم أو المقطع، وهي أصغر وحدة صوتية تغير من المعنى في الكلمة حيث يهتم هذا الجانب في تركيب وتنظيم وتتابع الأصوات وشكل المقطع في اللغة.

مثال: كلمة “وَلَدَ” تتألف من الفونيات التالية :/ و، ل، د، ا/ . أي أنها المقاطع الصوتية التي نقوم بإنتاجها، ويوضح هذا المثال أن اللغة العربية تسمح بتتابع صوت الـ واو ويليه اللام، بينما قد لا نجد أي كلمة في اللغة لصوت الطاء يتبعه الضاد (طض!)

هذه الأصوات قد يختلف جزء منها بين اللغات، في الغة الإنجليزية ng  يعد صوتا واحدًا، وليس من الممكن أن يأتي في بداية الكلمة، أما في العربية هذا الصوت غير موجود، والعكس صحيح في صوت الـ “خ” الحلقي.

  • المورفولوجيا: الوحدات النحوية التي تبني الكلمة وتسمى أصغر وحدة صرفية قد تشكل معنى وقد لا تشكل معنى بال مورفيم، وتعتمد للحصول على معنى في ارتباطها مع مورفيم آخر لتشكل المعنى.

مثال: يَدْرُس، تقسم إلى “ي” و “درس” كلمة لَعِبْتَ تقسم إلى “لعب” و”التاء” المفتوحة.

  • السيميائية (علم المعاني) أو الأدلة اللغوية: هو عبارة عن نظام من القواعد الذي يساعدنا على تشكيل معنى من محتوى الكلمات أو تركيب الكلمات مع بعضها، حيث يساعد هذا الجانب على تصنيف الكلمات من أسماء أو أفعال والعلاقات فيما بينها وهذا يعتمد على مفهومنا أو تفكيرنا تجاه هذه الكلمات، ولكل شخص معجمه الخاص من الكلمات المصنفة في عقله وهي متأثرة بمعرفتنا وتجاربنا في العالم فمفهومك مثلًا عن الكلب وتصنيفه ضمن الحيوانات يعتمد على الصفات التي عرفتها عن الكلب (له ذيل، فرو، الأنف، حيوان..) semantic features وقمت بتعميمها على أنواع الكلاب الأخرى وإن لم تعد تراها كلما كبرت، فاللغة تعتمد على ما تعرفه أنت بوصفك فردًا، ففي البداية تربط المفهوم بكلمة واحدة ومن ثم بتوسع المعرفة والصفات تجاه هذا الشيء وتقوم تعميمه على أشباهه. لذلك الكلمات لا تعود إلى جماد أو حدث معين وإنما إلى مفهوم معين. فأنت تبدأ توسيع الكلمة على أكثر من شيء convergent  ومن ثم توسيع الكلمة على أكثر من معنى divergent.

هذه المعاني محدودة أيضًا بقواعد، ما يسمى بالمحدودية الاختيارية أو selection restriction أي  يمنع تركيب  كلمات معينة مع بعضها التي ليس لها معنى، مثال: الأم الذكر!

  • علم النحو: وهو الجزء الذي يختص ببناء الجمل ويشمل القواعد التي تعنى بترتيب الكلمات والجمل والعلاقة بين الأجزاء المكونة للجملة. والجمل تصنف حسب وظيفتها (السؤال والتعجب والإخبار..)، وتتكون الجملة من أشباه جمل فعلية واسمية. هذا الجزء من اللغة هو الذي يجعل التواصل باستخدام اللغة ذو معنى متكامل؛ لأن الكلمات في اللغة مهما تعددت فإنها ستبقى محدودة، حيث إنها تكونت من عدد محدود من الأصوات الذي يتراوح بين 10-100 صوت، ولكن ترتيب هذه الكلمات البسيطة في جمل واستخدام القواعد يساعدنا على تكوين عدد لا نهائي من المعاني المعقدة الذي يعتمد على ترتيب وتركيب هذه الكلمات.
  • البراجماتية: تعني استخدامنا للغة وتشمل القواعد الخاصة باستخدام اللغة في أثناء التواصل مع الآخرين أكثر من اهتمامها بتركيب الكلمات. علماء اللسانيات يعدون جانب البراحماتية هو المحور الأساسي لتنسيق وترتيب جميع مبادئ اللغة.

بشكل عام لا يمكننا تفضيل جانب على الآخر؛ لأن جميع هذه الجوانب تتفاعل مع بعضها لأجل إنتاج لغة صحيحة تصلح للتواصل مع الآخرين، وهذه الجوانب تتطور باستمرار في حياتنا.

النظريات التي تفسر تطور اللغة:

قبل البدء عن الحديث عن المهارات اللغوية أو المتعلقة باللغة التي تطور عند الطفل بشكل تدريجي، علينا أن ندرج النقاش الذي حدث بين العلماء عن مصدر اكتساب هذه اللغة. في هذه الحياة يوجد دائمًا عاملان أساسيان في اكتساب أي صفة، وهما: العامل البيئي والعامل الطبيعي أو الجيني، ومن الملاحظات المختلفة، ظهرت العديد من النظريات التي تفسر تطور اللغة:

  • مكتسبة أم طبيعية (Nature vs nurture)؟؟

أ. تنص النظرية الأولى على أن اللغة تكتسب من التفاعل مع البيئة ومن التجارب المحيطة بالطفل فقط، فهي متعلمة بشكل كامل ونتاج صنع المجتمع والبيئة. إذًا فإن أي كلمة أو جملة تقوم باستخدامها سوف تكون فقط مما تعلمته واكتسبته ممن حولك.

ويدعم هذه النظرية المدرسة السلوكية للعالم Skinner   حيث يعتبر سكينر اللغة سلوك مكتسب كأي سلوك آخر في حياتنا. وهذا الطرح يعتمد على معتقد أن الطفل عندما يولد لا يمتلك أي معرفة مسبقة، وعلى مدى السنين عن طريق التعزيز والعقاب والتقليد والإشراط الإجرائي، يكتسب الطفل ويبدأ في تكوين معجمه اللغوي. وتدعم هذه النظرية صحتها بأن الطفل يميل إلى استخدام الكلمات والجمل في مواقف معينة بطريقة معينة بسب تعزيز سابق حدث من قبل من حوله؛ فهو يوظفها بالطريقة المستعملة في البيئة المحيطة.

ب. النظرية الثانية والتي شكلت طرحًا قويًّا عند الكثير من العلماء وهو أن اللغة طبيعية أو فطرية، وأننا نولد بقدرة على إنتاجها غير متعلقة بأي عامل بيئي. وتقترح هذه النظرية وجود اللغة في دماغنا أو عقلنا. ويعود سبب الوصول إلى هذا الاستنتاج إلى أمرين: عالمية تطور اللغة عند الأطفال، حيث إنهم يكتسبون المهارات ذاتها في الأوقات نفسها من تطورهم، وهذا يؤدي إلى التفكير بوجود اللغة في جيناتنا! بالإضافة إلى استخدام الطفل لقواعد اللغة التي لم يقم أحد بتعليمه إياها بشكل مباشر.

وأساس هذه النظرية هو عالم اللسانيات نعوم تشومسكي، والذي يعد أبو اللسانيات الحديثة ونظريته هي الأكثر اعتمادًا من قبل اللسانيين، حيث طرح وجود  transformative-generative grammar””  القواعد التوليدية أي أنه هناك قواعد كونية تولد تركيبات تحتية، وهي التي تتحول أو تتغير عن طريق قواعد جمل محددة لكل لغة. أي كل ما يحتاجه الطفل لاكتساب اللغة هو أمر فطريي ولا يحتاج إلى قدرات عقلية مسبقة، وتختلف عن النظرية السلوكية بأنها تهتم أكثر بتركيب الكلمات وقواعدها أكثر من وظيفتها.

تشومسكي يعتقد أنه يجب أن يكون هناك قواعد كونية universal rules  ومشتركة بين جميع اللغات، مثال : وجود فعل وفاعل، كلمات ذات دلالات زمانية ومكانية، صفات.. إلخ. وبناء على ذلك، فإن جميع البشر لديهم القدرة على اكتساب اللغة، ويمتلكون عموم القواعد النحوية وهذا ما يسمى بالنحو الكوني universal language.

يرى تشومسكي أن القوة التي تقود لاكتساب اللغة هي عبارة عن جهاز فطري موجود داخل دماغ كل إنسان (بيولوجي) وهو جهاز اكتساب اللغة. language acquisition device  أي أن المبادئ الأساسية الفطرية لاكتساب اللغة الموجودة في الدماغ وتشمل جميع اللغات البشرية، وأن هذا الجهاز يحتوي على جميع القواعد النحوية الكونية.

وما يدل على ذلك هو تشابه مراحل اكتساب اللغة بين جميع الأطفال (مثلًا: مع عمر السنة جميع الأطفال يبدؤون بإنتاج كلمات مفردة ومن ثم ينتقلون تدريجًا إلى كلمتين في عمر السنتين وهكذا إلى أن يكوِّنوا جملًا) مع وجود بعض الاختلافات البسيطة بين اللغات، ليس في سن الاكتساب، وإنما في القواعد.

وفي نظره النظرية السلوكية تسوي بين السلوك الحيواني والسلوك الإنساني. وقد يثبت نظرة تشومسكي للنظرية السلوكية هو مثال الشامبانزي “واشو” المشهور، الذي قام بتدريبه العالمان ألان وبيتريس جاردنز على مدى 4 سنوات لتعليمه لغة الإشارة الأمريكية عن طريق التقليد. وقد استطاع واشو تعلم 130 إشارة ووصلت لغته التعبيرية لمستوى طفل في عمر 12-24 شهرًا، واستطاع أيضًا تركيب ما تعلمه من إشارات لإنتاج إشارات أخرى مثل water-bird for duck، ولكنه لا يستطيع تركيب جمل لكلمات لم يتعلمها! وهذا التدريب هو ما لا يحتاجه الإنسان ليكتسب اللغة.

يؤمن تشومسكي أن اللغات تتشابه جدًّا في البنية التحتية (القواعد التي تشكل اللغة). والاختلاف بين اللغات الذي نراه كبيرًا جدًّا فهو ليس إلا اختلافًا سطحيًّا، وقد أثبت نظرية تشومسكي بملاحظات فسيولوجية في الدماغ، سنقوم بذكرها في جزئية الدماغ واللغة.

في النهاية لا يوجد سبب واحد يستطيع تفسير سر هذه اللغة العظيمة التي نستمر في تطويرها بشكل مستمر؛ لذلك فإننا نكتسب لغتنا بتفاعل الطريقتن: المكتسبة والطبيعية، نتعلم بعض القواعد والكلمات بشكل مباشر وبشكل مقصود، وفي المقابل نمتلك بعض المهارات اللغوية (كالتذكير والتأنيث، تركيب الكلمات) بدون أن يوجهنا أحد إليها ونحن أطفال.

تطور اللغة لدى الطفل وتأثره بالدماغ – الجزء الثاني-



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

محمود ماهر
محمود ماهر منذ 6 شهور

مجهود رااائع .. شكرًا ^_^

أضف تعليقك