السيرة النبوية: ميدان التربية في الإسلام

19 سبتمبر , 2015

يشير الباحث العراقي “شاكر عبد مرزوك الجنابي” في دراسة، قدمها لكلية التربية (ابن رشد) بجامعة بغداد، حول أساليب تدريس السيرة النبوية، إلى أن “السيرة النبوية من خير ما يتدارسه المسلمون، إذ هي خير معلم ومهذب ومؤدب، وأصل مدرسة تخرج فيها الرعيل الأول من المسلمين الذين قل ما يوجد أمثالهم، والسيرة النبوية غنية بجمالها وروعتها وسحرها للنفوس والعقول إذ قد يختلف تقديم المعلومات تبعًا لاختلاف مستوى الطلبة”.

ويلفت الباحث إلى أن “الإنسان في سعيه للتعلم يحاول التأسي بنماذج معينة بجعلها قدوة له، وقد فطر الله تعالى الخلق على ذلك بالمحاكاة أو التقليد فيكتسب بذلك خبرات وتجارب الآخرين، ومن المستغرب أن يحاول بعضنا تقليد أشخاص معاصرين جاعلاً منهم مثله الأعلى، ويتناسى جهلًا أو عمدًا الاقتداء بالمعلم الذي وصفه ربه إذ قال (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ قال الله تعالى في حقه (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)”.

ويعتقد الباحث إلى أنه صار لزامًا أن نتحرى ما نشيعه لأبنائنا من معارف تضمن لهم حياة قويمة نافعة، ويعتقد بأن “السيرة النبوية، ميدان للتربية في الإسلام، من خلال التاريخ، لأن الإعجاب بالشيء، والموقف المحمود، والمشهد المحبوب –فطرة أصيلة متفتحة- يقود للأخذ بذلك الشيء سريعًا، ولاسيما إذا كان متمثلاً بإنسان في السن المبكر نفسه بشكل أكثر، ولا بد من الإعجاب بالسيرة خلال الاطلاع عليها، فترى من خلالها الإسلام كما انزله الله تعالى واوحى به، متمثلاً في إنسان هو صاحبها (صلى الله عليه واله وسلم)”.

قال تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ). وقال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً).

ويرى الباحث بأن دراسة السيرة النبوية “ليست كمالية، أو نافلة، بل هي أساسية، مهما كان تخصص المسلم ونوع اهتماماته، ندرسها لنقتدي بها ونهتدي، ونستظل بظلها في التطبيق العملي الذي تتجلى فيه نصوص القرآن الكريم والدعوة الإسلامية، مشاهد ووقائع حية نابضة، ومتحركة مؤثرة. وأهمية ذلك بمقدار الاهتمام والتفاعل مع مضامينها وما يقر في القلوب وبمقدار الأخذ به، وذلك كله علامة على تجدد الأمة المسلمة التي لا تموت، ما دامت ملتزمة بذلك، ولا بد أن يقي الله من يأخذ بها، ويرعاها، ويحميها، بل هي تمامًا في ولادة مستمرة على الدوام”.

ويلفت الباحث إلى أنه “كم من مطلع من غير المسلمين على السيرة، قادته أحداثها وأحوالها وآفاقها، إلى الإيمان بصاحبها (صلى الله عليه واله وسلم) نبيًا ورسولً،. فأنتقل إلى الإسلام، وأقبل عليه مؤمنًا به وقد رضي الله ربًا، وبالإسلام دينا، وبمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) نبيًا ورسولاً”.

ويعتقد الباحث بأن “سيرة الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) تعد رسمًا قوًيا، للنبوة الخاتمة، والرسالة الأخيرة الخيرة الدائمة، والدين الحق اللازم، والصورة الأخيرة للإسلام الذي اراده الله رحمة للعالمين، وحمله سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الناس آجمعين، في تطبيق معبر، أكرم تعبير، وأفضله، وأوسعه، وأشمله، مما لا يماثله إنسان، بل الجميع لا بد أن يقتدي به، ليحيى في ظل شرع الله تعالى الظليل”.

وفي هذا الإتجاه، تورد الدراسة وصف “أم المؤمنين” عائشة (رضي الله عنها) للرسول (صلى الله عليه واله وسلم) في فهمها العملي، وفقهها العميق، ورؤيتها الثاقبة، والبصر الواضح، والنظر الكاشف، والبناء القوي المكين، حيث سئلت عن خلق رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) فأجابت بأنه (كان خلقه القرآن).وتلفت إلى أن كل ذلك يقوم على وحي الله تعالى القرآن الكريم ثم السنة المطهرة، وما دامت السيرة النبوية الشريفة هي تطبيق للإسلام –قرآنًا وسنة- وأنها تتسع لكل أمور الحياة، ويجد فيها كل إنسان حاجته واستقامته وسعادته، للاقتداء بها في كل حال، لذلك المجتمع المسلم، إذًا لا بد أن يكون معها، وبها يقوم لزامًا.

ومن هنا يرى الباحث بأن “الأمة المسلمة، بأجيالها كلها وطوال عصورها وفي بقاعها كافة كانت كذلك، وكانوا لا ينفكون يلجؤون إليها، ووقت الشدائد والأزمات كل يجد فيها ضالته، كما وجد فيها استقامته ورقيه وسعادته، فهي مرآة ومحث وحاد للناس، يتخذونها، ويقتدون بها ويهتدون للسير في طريق الله المنير، الذي أراده سبحانه وتعالى لخلقه آجمعين، وما دامت الأمة الإسلامية تحيا بها وتستظل بافيائها، وتدعو إلى مثلها، فمن الطبيعي إذًا ألا تفتأ تعتني بها بكل أسلوب، بجانب هذا الأمر، ولا يحدث ذلك في دراستها وفهمها فحسب، بل والنظر والاستنباط والكتابة والتأليف فيها، يستخرجون من جواهرها وأجوادها وكرائمها لآلئ جديدة فريدة، بأصدافها الغنية بمكنوناتها الجديدة المجيدة الوحيدة، وهي كذلك تزخر بها دومًا، وتذخر وتفخر، يشدون بها الأمة إلى دينها، ويجددون امه وامرها، ويثيرون معانيها حية في نفوسهم”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك