تحقق النضوج النفسي للطالب

28 أكتوبر , 2015

الحياة، ما هي الحياة؟ هل هي إنبثاق الروح في الجسد؟ أم هي الحركة والانتقال من مكان إلى آخر؟ أم هل تقاس الحياة بالنمو والتغير؟ أم هي مجرد انعكاس لشيء أكبر وأعظم من وجودنا المادي؟ بضعة أسئلة يسألها كل شخص مشَتْ قدميه أو قدميها سطح كوكب الأرض، وربما في المستقبل كواكب أخرى، فمن الأفضل أن نقول كل شخص من جنس بني آدم، أسئلة تطرح بدافع حب المعرفة والفهم، أسئلة يحركها الفضول والرغبة برؤية عوالم وأماكن جديدة، بهدف الذهاب من مكان إلى آخر، من أجل التغير والنمو، من أجل فهم الحياة وأبعادها، أسئلة تثير العقول الصغيرة كما الكبيرة، من لحظة الوصول وحتى يوم الرحيل يركض الانسان خلف الحياة وتبعاتها.

طريق الحياة طريق وعر وليست الرحلة بالرحلة السهلة البسيطة لكنها رحلة مملوءة بالمغامرات والدهشات، وكل فصل من هذه الرحلة له أثره وأبعاده وقصصه، من الزحف والمشي إلى الركض والقفز، في هذا المقال البسيط سوف نستعرض الرحلة من مرحلة المراهقة إلى مرحلة البلوغ في موضوع معين والذي هو اختيار مسار الحياة، اختيار الطريق والوجهة، وما هي العوامل المؤثرة في هذا القرار، ومن هم الأشخاص المؤثرين في هذا القرار وما هي المعدات المستخدمه والضرورية، سوف نتحدث بشكل خاص عن الفترة التي يتراوح عمر الشخص فيها من 16-21 سنة، والتي تقع ضمن مرحلتي المراهقة المتأخرة وأوائل مرحلة البلوغ. (1)

هنالك فرق شاسع بين الأشخاص الذين في مرحلة المراهقة المبكرة والأشخاص الذين تعدوا أوائل مرحلة البلوغ، من حيث التعامل مع المواقف، تقدير الخطر، تحليل وفهم معطيات كل حادث أو مشكلة حيث يميل المراهقين إلى التصرف بناءً على العواطف، أو تجاهل التحاذير والقيام بالفعل دون التفكير وأخذ الحيطه والحذر بينما يميل من تعدى مرحلة المراهقة إلى استخدام المنطق والتفكير بدلاً من المشاعر والسبب هو ببساطة أن المراهقين غير مهيئين بيولوجيا للتعامل مع المواقف ذاتها بعقلية منطقية حيث أن الدماغ ينمو وينضج منذ الولادة إلى ما بعد أوائل مرحلة البلوغ (2) لأن العضو المسؤول عن ردود الفعل الغريزية مثل التصرف الغريزي المعروف بـ ”Fight or Flight” أي المقاتلة أو الهروب وردود الفعل اللتي من ضمنها الخوف والتصرفات العنيفة والذي هو اللوزة الدماغية أو الـ “amygdala” يتكون في المراحل المبكرة، أما الجزء المسؤول عن استخدام المنطق والذي يساعدنا بالتفكير قبل التصرف يتكون لاحقاً والتي هي قشرة الفص الجبهي المعروف بـ “Frontal Lobe Cortex” ، وهذا الجزء من الدماغ لا يتوقف عن النمو والنضج حتى بعد مرحلة أوائل البلوغ. (3) الجزئين متواجدين في دماغ الأنسان لكن الفرق هو أن في البالغين قشرة الفص الجبهي نشطة بشكل أكبر بكثير من اللوزة الدماغية، والعكس عند المراهقين، وفيما ينمو الشخص من المراهقة إلى البلوغ ينتقل النشاط والاستخدام الاكثر من اللوزة إلى القشرة. (4) 

تقول صاحبة الدكتوراه والباحثة في مجال علم النفس في مختبر يورجيلين-تود في جامعة هارفارد، ماريسا سيلفيري: “سبب اتخاذ القرار السيء ربما يكون سببه المادة البيضاء المجهرية في قشرة الفص الجبهي للدماغ”، حيث قام كل من سيلفيري، يورجيلين-تود وزملائهم بالبحث في موضوع المادة البيضاء المجهرية، وهي المسؤولة بشكل خاص عن نقل الأشارات الكهربائية بين الخلايا العصبية في الدماغ وأكتشفوا أنه في مرحلة المراهقة في الفص الجبهي للدماغ بشكل خاص أن المادة الرمادية في الدماغ (و هي أحد العناصر الأساسية في الجهاز العصبي المركزي تتكون من أجسام خلايا عصبية ولبدات عصبية) تنخفض بشكل ملحوظ بينما المادة البيضاء المكونة من محاور عصبية مغلفة بغشاء دهني يعرف باسم الميلانين تزداد. وهذه العملية تسهل وتحسن التواصل بين الخلايا العصبية، حيث أن الميلانين، المادة العازلة للمحاور العصبية، هي السبب في ذلك، وأضافت يورجيلين-تود: “نحن لا نقول أننا اكتشفنا السبب وراء اتخاذ المراهقين لأحكام سيئة، لكننا نعتقد أن هذا التغيير يساهم في لماذا لا يستطيع المراهقين تحليل المعلومات بنفس الكفاءة ودرجة الفهم التي ينبغي أن تكون.” (5)

هذا الكلام لا يعني بأن المراهقين لا يستطيعون إتخاذ قرارات صائبة أو التمييز بين الصح والخطأ، وهذا لا يعني أنه لا يمكن محاسبتهم على الأخطاء التي يرتكبوها، ولا يعني أنه لا يمكن أو لا يجب محاسبة المراهقين على قراراتهم وأفعالهم الخاطئة، لكن يعني أن المراهقين يحتاجون للتوجيه، وخصوصاً في مجال السيطرة على العواطف والانفعالات حتى يستطيعوا أن يقوموا بقرارات منطقية ناتجة عن تفكير وبحث وفهم. الدماغ هو دائماً قيد الأنشاء بالنسبة للمراهقين، ويجب على الوالدان والمرشد النفسي مساعدة المراهقين في اتخاذ القرار، وهذا ما سوف نتحدث عنه لاحقاً.

يقول بروفيسور علم الاجتماع توني كامبولو: أنا مقتنع أننا لا نعيش في زمن فيه الأطفال سيئوا الأخلاق لكننا في زمن فيه الأطفال يتعرضون للكثير من المعلومات في وقت مبكر جداً”.

ربما قد لاحضت وجود هذا النوع من الأطفال في مجتمعانتا العربية، أطفال ذو إدراك ومعرفة لكن غير ناضجين من الناحية النفسية والعاطفية، أو لا يتصرفون بطريقة تعكس النضج النفسي الذي يجب أن يكونوا يملكوه في عمر معين.

قالت لورينس ستينبيرغ، دكتورة وبروفيسورة في مجال علم النفس التنموي في جامعة تيمبل “المراهقين في الغالب يمتلكوا المقدرات العقلية التي تسمح لهم باتخاذ قرارات مدروسة بشأن إنهاء حمل، لكن لا يملكون النضج العاطفي والاجتماعي للتحكم بالإنفجارات العاطفية المفاجئة، أو مقاومة ضغط الأقران أو الفهم الكامل للمخاطر المصاحبة لقرار معين”.

دراسة قامت بها البروفيسورة ستينبيرغ في جامعة تيمبل لدراسة النضج النفسي للأطفال والمراهقين ونتيجة كانت بأنه لا فرق كبير بين المجموعات العمرية الأربع (10-11، 12-13، 14-15، 16-17) على مقياس النضج النفسي لكن كان هنالك فرق ملحوظ بالنضج بين الأعمار 16-17 والأعمار 22 فما فوق، وبين 18–21 وبين الذين أعمارهم 26 فما فوق، ولا يوجد فرق بين الذكور والأناث في كل مرحلة عمرية.

و من النتائج أنه من الصعب للمراهقين أن يقاوموا ضغط الأقران في حالات محتدة وعشوائية، وبأن أغلب الجرائم المرتكبة من قبل المراهقين ترتكب من قبل مجموعات وليس أفراد وتتم بدون سبق إصرار (6)

إحدى أسباب الانفجارات العاطفية المفاجئة أو التصرفات الغير مفهومة أو مبررة هو أن الدماغ يتغير ويعيد تشكيل نفسه حسب ما يقوله عالم الأعصاب والباحث في مختبر دايفيد سليب للأبحاث في جامعة يو سي دايفيس، ايان كامبيل، التأرجحات المزاجية والتغيرات هذه ربما يكون سببها التغيرات التي تحدث في الدماغ، حيث التغير الذي يحصل هو أن الدماغ يعيد تشكيل نفسه من دماغ مراهق إلى دماغ شخص بالغ.

إن الذي يحصل هو أن الدماغ يقوم بتقليم نفسه، يقوم بتغيرات سوف تتيح للشخص أن يعيش حياة الشخص البالغ بتمكن، “الوصلات الغير فعالة أو الضعيفة يعاد تشكيلها بنفس الأسلوب الذي يقوم به البستاني بتقليم شجرة أو شجيرة، حتى يعطي النبتة الشكل المرغوب به” تقول أليسون جوبنيك، بروفيسورة علم الأطفال التنموي في يو سي بيركلي.

إذاً ما هي علامات النضوج؟ وما هي العلامات التي نسعى إلى تحفيزها وتطويرها؟ التي من الأفضل العمل عليها من عمر 16 سنة إلى 24. (7)

1- يستطيع المحافظة على الالتزامات طويلة الأمد (حتى لو لم يكن في مزاج يسمح له بذلك).

2- لا تتأثر شخصية المراهق بالمدح أو الانتقاد بشكل كبير (شخص متأكد من هويته ومن هو.)

3- شخص متواضع (لا يحاول بشكل متكرر أن يجلب الانتباه لشخصه).

4- قراراته مبنية على المنطق وليس المشاعر.

5- يعبر عن امتنانه بشكل مستمر وواضح.

6- يضع الآخر قبل نفسه (أي يفكر بغيره ومحيطه وليس بذاته).

7- الشخص الناضج يفكر قبل أن يتصرف (يبحث عن الإجابة أو المعرفة قبل اتخاذ قرار).

بناءً على أبحاث في معاهد الطب في أمريكا، استنتجت بأن الصحة العقلية والخدمات النفسية هي محاور أساسية للعديد من الطلبة حتى يحققوا النجاح، وتنصح أيضاً بأن تكون هذه الخدمات إجبارية وليس اختيارية.

مدارس عديدة وجدت أن نشاطات الإرشاد الأولي لها تأثير إيجابي على الانجازات الأكاديمية، وأذكر هنا بعض نتائج الارشاد التربوي:

1- تقليل القلق المصاحب للأمتحانات.

2- تحفيز الطلاب على إكمال الدراسة، وعدم ترك المدرسة بعمر مبكر.

3- المشورة الوقائية تخفف من الآثار السلبية لمشاكل قد تواجه الطلاب في وقت لاحق.

4- التقليل من الشغب ومقاطعة الدرس داخل الحصة الصفية ومساعدة المعلمين على إعطاء الدروس بحيث يحصل الطلاب على إنجازات أكبر في المستقبل.

5- يحصل الطلاب على تحصيل دراسي أعلى، تعليمهم يكون أفضل وأمتن ويحضرهم للمستقبل، وجود معلومات عن الوظائف والجامعات بشكل أكبر مما يساعد على اتخاذ القرارات، الجو السائد في المدرسة جو يحفز الشعور بالانتماء والأمان، والتصرف بشكل عام أفضل بين الطلبة، (بناءً على دراسات في مدارس ثانوية في ولاية ميسوري – أميريكا.

6- التأثير في التخطيط المستقبلي للطلبة، حيث يحفز الإرشاد الطلاب على وضع أهداف أعلى وأسمى، حيث حفز المرشد الطلاب على متابعة الدراسة في الكلية والجامعة، ومتابعة التعلم مع مرور الزمن بغض النظر عن الجنسية أو العرق.

7- بناءً على دراسة في مقاطعة جويننيت، في ولاية جورجيا أثر المرشدين بالأداء الأكاديمي للطلاب، حيث زاد من السلوك الانتاجي، وقلل من السلوكات السلبية، كما أثر في التقدم في كل من اللغات والفنون. (8)

في النهاية، إن المراهق جزء من منظومة كبيرة والتي هي المجتمع، فلا يمكن أن ينفصل انفصال تام عن المجتمع، وبما أنه جزء من المجتمع فإنه يتأثر من المجتمع ويؤثر عليه، ولأنه جزء من المجتمع وهو مستقبل المجتمع يجب أن يتم الأهتمام به وإرشاده نحو ما يفيده ويبنيه ويساعده في تحقيق مآربه وآماله وهنالك وظيفة معينه لمساعدة وإرشاد الطلبة وهي وظيفة المرشد التربوي، ومن وظيفته أن يقوم بإرشاد الطالب في ثلاث مجالات وهي: الأكاديمي، النفسي الاجتماعي، والوظيفي. ويجب عليه أن يساعده في حل مشاكلة العاطفية، الاجتماعية، والأخلاقية ويساعده على تكوين وجهة واضحة للمستقبل، إن وظيفة المرشد التربوي وظيفة مهمة جداً، للمجتمع بشكل عام، ولبيئة المدرسة بشكل خاص.


المراجع:

 

[1

[2&3]

[4]

[5

[6]

[7]

[8]



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك