أثر الإبداع في التطور المُبَكِّر للدماغ -مترجم-

26 سبتمبر , 2018

المقال الأصلي: CREATIVITY IN EARLY BRAIN DEVELOPMENT

عقول الأطفال تعتبر مصدر قوة رائع ينمو تبعًا لبيئات الإبداع التي يتعرضوا لها. والسبب في أن الأطفال يتعلمون بصورة شمولية وتجريبية (أي من خلال التجربة)؛ هو أنهم يمرون أصلًا بتجربة فريدة من نوعها، ألا وهي أن دماغهم يقوم بصنع المليارات من الروابط مع كل جزء من المعرفة التي يتلقونها، حتى يكون لتلك المعرفة معنى بالنسبة لهم. وتسمى هذه العملية بــ تشكيل نقاط الاشتباك العصبي بين الخلايا العصبية” synaptogenesis. وتحدث هذه العملية بكثافة من وقت الولادة وحتى سن الثالثة.

ما هو  التطور المُبَكِّر للدماغ؟

تطور اللغة لدى الطفل وتأثره بالدماغ -الجزء الأول-

إن دراسات تطور الدماغ ما تزال في بدايتها، ولكن باستخدام نظام تصوير الأعصاب (ماسحات “بي إي تي” PET، و”إم أر أي” MRI، و”إي جي جي” EEG، و”إن أي أر إس” NIRS الضوئية “سكانر” scanner) بدأ علماء الأعصاب باكتشاف العلاقة بين خبرات الأطفال في السنوات الأولى، واستعدادهم البيولوجي سواء من جهة نقاط القوة أو الاهتمامات، وبين تطور الدماغ. ويبين بحث حديث أن الأطفال يولدون وفي عقولهم 100 مليار من الخلايا العصبية، وقد تمت الروابط ـــ نقاط التشابك العصبي ـــ بين ربعها بالفعل.

وما يحدث هو أن نقاط التشابك العصبي التي لم يتم استغلالها جيدًا تبدأ بالتقلص، وذلك بين سن الثالثة وسن النضج الجنسي في مرحلة المراهقة. كما ينخفض نمو الدماغ نتيجة لذلك، ويكون من الصعب بمكان صنع الروابط في المناطق التي تقلصت، لكنه ليس مستحيلًا. وهذا يؤكد أن الروابط التي تُستخدم بشكل دوري تغدو أكثر قوة، والتي لا يتم استغلالها تتقلص. وبالتالي يعمل الدماغ بكفاءة وفعالية أكبر.

كما توجد مساحة “اللُّدونة” (المرونة) التي قد تظهر لاحقًا في الدماغ، وذلك في ظل ظروف تعلم إيجابية تتيح فرصة إصلاح الروابط في في نقاط التشابك العصبي. مع هذا، فإن أفضل وقت لتطوير علم معين أو مهارات أو كفاءات خاصة هي السنين الأولى من عمر الطفل. وتقول “بيرنديت دوفي”، وهي تعمل في قسم للخيال والإبداع في السن المبكرة، التابع لدار نشر جامعة “أكسفورد” Oxford University Press:

“إنه من خلال تشجيع الإبداع و ملكة الخيال فإننا ننمي قدرة الأطفال لاكتشاف وفهم عالمهم، ونزيد فرصهم لصنع روابط وإدراك مفاهيم جديدة”. 

لماذا تعد السنوات الثلاث الأولى جوهرية في عملية التعلم لدى الطفل؟

يوضح البحث الذي قام به عالما الأعصاب “شونكوف” Shonkoff و”فيليبس” Philipps أن الخبرات الثقافية والاجتماعية عالية الجودة تعتبر أكثر أهمية في السنوات الأولى من عمر الإنسان، سيما بالنسبة لتطور عقول سليمة وشخصيات ناضجة، وذلك أكثر من أي وقت آخر سواء في بقية مرحلة الطفولة أو البلوغ. وتلك التجارب الجوهرية تشمل فرصًا ثقافية وإبداعية واستخدام المخيلة، ومن شأنها مساعدة الأطفال على بناء السياقات، وإيجاد المعاني، وعمق الإدراك.

إن الفنون تعتبر مهمة للغاية في تلك الفترة، لأن ذلك النسيج من الروابط المتشابكة في الدماغ هو المفتاح لشخصياتنا. فهو ما يجعلنا متفردين من الناحية العقلية والجسدية والروحية والعاطفية، تمامًا كما يجعلنا الحمض النووي متفردين من الناحية الوراثية.

باختصار، فإن البيئة الصحية والمبدعة في السنين الثلاث الأول من حياة الإنسان، بالإضافة للأواصر القوية بين الأطفال والقائمين على رعايتهم، تؤدي إلى نمو أشخاص ناضجين. ولا أعتقد أن أحدًا سيختلف معنا في هذا.

متى تندمج الفنون مع الإبداع؟

تطور اللغة لدى الطفل وتأثره بالدماغ – الجزء الثاني-

إذا ما وضعنا في الاعتبار الأثر الذي تملكه الخبرات المبكرة على تطور الدماغ، فإنه لن يفاجأنا معرفة أن العديد من الدراسات وضحت الأثر الجوهري طويل الأمد للبيئات الإبداعية. ويبين البحث كيف أن الأنشطة البداعية التي تشجع العلاقات الإيجابية يمكنها أن تسهم في النمو السريع لنقاط الاشتباك العصبي. وبالتالي، بناء أشخاص ناضجين ذوي علاقات جيدة، وأصحاء عقليًا ومعتَدِّين بأنفسهم.

ويُظهر البحث كيف أن بعض المناهج الموسيقية يمكنها أن تُنَشِّط نفس المناطق في الدماغ التي تقوم بتنشيطها المسائل الرياضية. كما يؤكد أن التدرب المبكر على الموسيقى يساعد على بناء نفس الشبكات العصبية التي تُستخدم لاحقًا في حل العمليات الحسابية.

في الواقع، تشير الكثير من الأدلة إلى أن صناعة الموسيقى أثناء الطفولة المبكرة يطور القشرة السمعية، وقدرة إدراك الطفل لأنواع الصوتيات المختلفة، ومن هنا تتطور قدرته على تعلم لغات جديدة إلى جانب مهارة الموسيقى.

لهذا السبب، فإن الكثير من أساليب تعلم الموسيقى ــــ والتي تشمل “سوزوكي” و”كودالي” و”أورف” و””دالكروزي”ــــ  تم تصميمها لتوفر للطفل أنشطة موسيقية منظمة مستندة على المراحل المختلفة لا على السن، وذلك في مرحلة الطفولة المبكرة. كما يوضح برنامج “إني هارموني” In Harmony (وهو مبني على برنامج “نظام فنزويلا”) كيف أن الدخول لعالم صناعة الموسيقى في سن مبكرة يمكن أن يعمل على تحسين التحصيل الأكاديمي، والانخراط في العملية التعليمية. سيما بالنسبة للأطفال ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة، أو للذين لن تتاح لهم فرص تعلم الموسيقي من خلال وسائل أخرى.

كذلك، فإن الدراما واللعب التمثيلية بإمكانها تحفيز نفس نقاط الاشتباك العصبي التي تركز على اللغة المنطوقة. بينما يحفز الرسم نظام المعالجة البصرية الذي يستدعي الذاكرة أو ينشط مَلَكة الخيال. فالحركة والرسم وعمل النماذج بالطين جميعها أنشطة تسهم في تطوير مهارات القيادة بصورة رائعة. مع هذا، فعلينا أن ندرك أن الروابط المتنوعة بين التجارب المختلفة والأجزاء المختلفة من الدماغ معقدة بصورة لا يمكن تخيلها، فهي تفوق الأدلة التي جمعناها هنا. فما نعرفه عن تطور الدماغ لا يعد شيئًا مقارنة بما لا نعرفه.

ماذا يحدث للأطفال إذا فهمنا الأمر بشكل خاطئ؟

الفهم بشكل خاطئ يعد تعبيرًا حساسًا لغاية. كما يرافقه العديد من الآراء الاجتماعية والعاطفية المتعلقة بماهية الأمور التي تشكل أسلوب تربية جيد أو سيء. ومن هذا المنطلق، فإننا سنحاول تقديم أفكار جدية فيما يتعلق بتلك العبارة. استنادًا على صور الرنين المغناطيسي الوظيفي، يمكننا الاطلاع وفحص عقول الأطفال. فهناك اعتقاد جازم بأن الإهمال أو أي تجارب سلبية أخرى (أو حتى عدم وجود تجارب بالمرة) في السنوات الأولى من عمر الطفل، قد يكون له تأثير عميق على الأطفال عاطفيًا. وبالتالي هذا قد يؤثر في قدرتهم على تشكيل علاقات أو التعاطف مع الآخرين.

وخلاصة هذا البحث إذن هو أنه إذا تم حرمان الأطفال من الجودة العالية والتجارب الإبداعية ــــ لأي سبب كان (استحقاقي، أو اقتصادي، أو ثقافي، أو اجتماعي)، فإن نقاط الاشتباك العصبي المتعلقة بملكة الخيال، والمهارات السمعية واللغوية والجسدية، وكذا مهارات التفكير الإبداعي، ستتقلص بصورة تجعل مسألة إعادة ترابط نقاط الاشتباك العصبي لاحقًا تلك من الصعوبة بمكان.

هذه الصورة التي حصلنا عليها من أكاديمية علاج الصدمات للأطفال ـــ والتي يرأسها الطبيب “بروس دي بيري” الحاصل على الماجستير والدكتوراه  ــــ غالبًا ما تستخدم لإيضاح الآثار الفيزيائية على دماغ الطفل نتيجة الإهمال. فالأشعة المقطعية على الجانب الأيمن هي لطفل في الثالثة من عمره نشأ في ميتم روماني، وتم حرمانه من التجارب الحسية الطبيعية، والتي حصل عليها طفل في الثالثة من عمره (والأشعة المقطعية على اليسار تخص دماغ ذاك الطفل). وهذا مع العلم أننا لا نملك تفاصيل ظروف وحياة هذين الطفلين.

ولكن هذه الصورة على اليمين تعرض لتضاؤل حاد نتيجة التقلص الذي تم في الدماغ كنتيجة لنقص الأنشطة المحفِّزة. ومع هذا، فإنه من الممكن أن الجمجمة على اليمين ليست بنفس حجم الجمجمة على اليسار وربما يرجع هذا لسوء التغذية.

وأيًا ما كانت القصة وراء أدمغة هذين الطفلين، فإن الحقيقة التي لا يمكنها إنكارها هي أننا ندين لهؤلاء الأطفال بالحب وبتزويدهم بأفضل التجارب التعليمية الممكنة من اللحظة التي نعلم فيها بوجودهم في الرحم.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك