أنشر أو اندثر: إلى أين نتّجه؟

6 يناير , 2018

كتبت: سيما روت وسانجاي مينا

تُعد عمليات النشر المتكررة إحدى الطرق القوية القليلة المتاحة أمام الباحث كي يُظهر كفاءته الأكاديمية لزملائه. إذ يجذب النشر الناجح للبحث العلمي الانتباه للأكاديميين ومؤسساتهم. ما قد يجلب بدوره المزيد من التمويل للمؤسسة ويضمن كذلك للأفراد إحراز التقدم في مجالاتهم البحثية.

 

كثيرًا ما تستخدم المؤسسات الأكاديمية والجامعات عدد المنشورات المنسوبة إلى رصيد الباحث الفرد بوصفه مقياسًا للتنافسية.

ويلجأ الإداريون على نحوٍ متزايد لاستخدام ذلك معيارًا أثناء التوظيف. أما الأكاديميون الذين ينشرون بصورة غير متكررة أو تتركز جهودهم على أنشطة لا تُفضي إلى إنتاج منشورات مثل تدريس طلاب الجامعة، ربما يجدون أنفسهم خارج إطار المنافسة في كثيرٍ من وظائف التدريس. وبفضل تلك الأسباب، أصبح هناك ضغطًا هائلاً من أجل النشر. وأضحت عبارة “أنشر أو اندثر”، التي صاغها كوليدج بادئ الأمر عام 1932، حقيقة مؤلمة اليوم.

أدى التركيز على مسألة النشر إلى التقليل من قيمة العمل الأكاديمي الناتج، إذ يتحتم على الأكاديميين قضاء أوقاتهم يلهثون وراء نشر أي ما يستطيعون نشره، بدلاً من قضاء الوقت في تطوير أجندة بحثية أصيلة. كذلك يلتهم الضغط الناجم عن سياسة “أنشر أو اندثر” الوقت والجهد اللذان كان يُمكن للأساتذة تخصيصهما لتدريس طلاب الجامعة والدراسات العليا. ونادراً ما تُضاهي المكافآت المخصصة للتدريس الاستثنائي نظيرتها المخصصة للبحث الاستثنائي، ما يشجع أعضاء هيئة التدريس على تفضيل الأخيرة كلما وقع التضارب. وكثير من الجامعات لا تُعنى بالقدرات التدريسية لدى توظيفها أستاذ جامعي جديد وتنظر ببساطة لقائمة منشوراته. تلك النظرة الأحادية للأستاذ بوصفه باحثًا قد تتسبب في أن يُهمل أعضاء هيئة التدريس، أو يكونوا غير قادرين على، القيام ببعض المسئوليات الأخرى.

هذا الضغط المتواصل لزيادة عدد المنشورات أفضى إلى ممارسات غير أخلاقية وبدّد مشاريع بحثية بأكملها. وأدت الزيادة في أعداد المنشورات إلى ظهور الكثير من المجلات العلمية الجديدة.

 

في عام 2006 وحده، نُشرت حوالي 1.3 مليون مقالة علمية مُحكّمة، ساعد في ذلك الزيادة الكبيرة في عدد المجلات العلمية المتوافرة من 16.000 في عام 2001 إلى 23.750 في عام 2006. فقد أشعلت المقالات العلمية المتزايدة الطلب على مجلاتٍ جديدة.

هناك تكاثر سخيف للمجلات العلمية من كافة المجالات. نرى بين اليوم والآخر مجلة جديدة تطل برأسها علينا. لذا يطفو إلى السطح تساؤل، هل نسير في الاتجاه الصحيح؟ عادة ما يُقاس مدى الاستحسان والاحتفاء بالبحث المنشور من خلال مؤشر الاستشهاد. وقد تم الاستشهاد بـ45% فقط من المقالات المنشورة في 4500 مجلة علمية مرموقة في غضون السنوات الخمس الأولى من نشرها، وهي النسبة التي يبدو أنها تتراجع بصورة مطردة. ونحو 42% فقط من الأوراق العلمية حظيت بأكثر من استشهادٍ واحد، 5 إلى 25% منها كانت استشهاداتٍ ذاتية للباحثين أو المجلات نفسها. وتبقى غالبية المنشورات بلا استشهادات. وهو ما يعني أنها لم تلق استحسانًا من زملاء الباحثين كما أنها ليست ذات أهمية بالنسبة للمجال أو للمريض.

 

إن البحث العلمي أمر جوهري للمُضي بالعلم قُدُمًا. ولا يمكن إنكار أهميته في تحسين رعاية المرضى. ومع ذلك، تأتي بنفس القدر من الأهمية حقيقة أن البحث العلمي المُنجز يعود بالنفع في الواقع على المرضى والأطباء والمجتمع ككل. فأغلب الأعمال البحثية المنشورة تتم فقط من أجل تحسين السيرة الذاتية للباحث ولا تحمل في طيّاتها أي إضافة أو إنجاز، من الناحية العملية.وهو التفكير الذي يجب أن يتجنّبه الباحثون في سبيل الانحياز لجودة البحث الذي يقومون به.

 

إن سياسة “أنشر أو اندثر” أضحت اليوم نمط حياة. أضحى الأمر سباقًا لإضافة المزيد والمزيد من المنشورات إلى سجل الباحث. وهي نزعة تُجبر الباحثين على إنتاج أبحاثًا قابلة للنشر. الأمر الذي يفتح الباب لظهور أبحاثٍ زائفة. وقد يفسد البحث الزائف الأدبيات الطبية ويتسبب في إيذاء المرضى في نهاية المطاف.

 

لقد أفضى العدد المتزايد للمنشورات إلى تفشّي ممارساتٍ غير أخلاقية، وممارساتٍ بحثية مشبوهة مثل إنتاج النسخ المصغرة والسرقة الأدبية وتكرار الأبحاث والتزييف والكتاب الخفيون وغيرها. يُعرف التزييف بأنه تلفيق أو تزوير في أداء أو الإبلاغ عن النتائج البحثية.

لا يمكن لأحدٍ أن ينسى التزوير الشهير “لإنسان بلتداون”. في عملية التزوير تلك، دُمجت عظام الفك السفلي لإنسان الغاب مع جمجمة إنسان عصري وسوّقت للملأ باعتبارها اكتشافًا لحلقة الوصل المفقودة التي افتُرض أنها الوسيط في تطور القردة العليا من سلالة القرود. وُجدت الجمجمة في حفرة من الحصى في بلتداون بإنجلترا من قِبل شارلز داوسن في عام 1912. وفقط في عام 1953، أي بعد حوالي 40 عامًا، اتضح أن الأمر برمّته كان تزويرًا.

شكل آخر من الممارسات غير الأخلاقية هو إنتاج النسخ المصغرة من البحث (salami slicing). في هذه الحيلة، يتم تقسيم نفس البحث العلمي إلى أجزاءٍ عدة ونشرها. يرد بعض الباحثون على هذا الأمر بقولهم أنه أحيانًا ما يكون البحث كبيرًا جدًا لدرجة أنهم يضطرون لتجزأته، من أجل نشره في ورقة علمية واحدة. ويتمثل شكل آخر من هذه الممارسات المشبوهة في تكرار البحث. وفيه يقوم الباحثون بنشر نفس المادة البحثية في مجلة مختلفة مع استخدام كلمات مفتاحية وشروحات مختلفة إلى جانب وجود مؤلفين مشاركين مختلفين في كل حالة، وبذلك يجعلون من الصعب على برنامج كشف السرقات الأدبية أن يفضح أمرهم. وغالبًا ما يتم هذا الأمر من أجل تعزيز السير الذاتية للباحثين.

 

وقد صادفت بنفسي مؤخرًا مسودة بحثية أُرسلت من أجل المراجعة من قِبل مجلة عُمان الطبية. ولدى قراءتها، تولّد بداخلي إحساس بأنني رأيت هذا الكلام مسبقًا. وكشف بحثي على الإنترنت أن المؤلفين نشروا من قبل بالفعل تلك المسودة في مجلة أبحاث العلوم الطبية.

يقوم المراجعون بدورٍ هام للغاية لضمان الكشف عن تزويرٍ مثل هذا. وعادة ما يكون لدى هيئة التحرير العديد من المقالات العلمية في نفس اللحظة، ويعتمدون بشكلٍ كبير على مراجعيهم في تلك المهمة. وفي حال نشرها، يصبح سحب هذه المقالات المزورة لاحقًا مكلفًا للمجلة ويضع مصداقيتها على المحك. فينبغي على المجلات ضمان أن مثل هؤلاء المؤلفون يُحظرون من النشر في المجلات العلمية لأجلٍ محدد من الزمن.

 

في الغرب، عمليات سحب المقالات هذه قد تؤدي إلى فقدان الباحث لوظيفته وقد يُحرم أيضًا من تلقي تمويل فيدرالي لبحوثه. إنه الوقت المناسب كي نتبع نموذج الغرب ونُدخل تعديلاتٍ على قوانين المنشورات المزيفة. إن المبادئ الأخلاقية الأساسية بالنسبة لكل باحثٍ علمي هي أمانته الفكرية، والتي لابد وأن تظهر عند كل مراحل العمل البحثي: انطلاقًا من الفرضية، ومرورًا بالاختيار المناسب للمنهجية البحثية، وتحليل وتأويل النتائج، ووصولاً إلى نشرها.

من المعتاد أن تجد رؤساء الأقسام وكبار أساتذة الجامعة ينتجون عشرات الأبحاث المنشورة في العام. يعني ذلك أن الباحث الواحد قد حاز فكرةً، وأرسل بروتوكولاً بها، وتلقى إجازةً بها من هيئة المراجعين في المؤسسة، وأنهى بحثه، وكتب الورقة ونشرها، وكل هذه قد فعلها شهريًا. من المستحيل عمليًا على الإنسان القيام بذلك.

فأن تكون أستاذًا جامعيًا أو أخصائيًا عادة ما يتضمن تلقائيًا أن أي ورقة علمية تذهب للنشر من القسم سوف تحمل اسمك. لكن هذا الأمر غير أخلاقي ويجب التشجيع على عدم القيام به على جميع الأصعدة. وذلك مصداقًا لنص محرري اللجنة الدولية للنشر الطبي ومجلة أبحاث العلوم الطبية بأن “على كل مؤلف أن يساهم بقدرٍ كبير من أجل أن يؤهَل لأن يحمل البحث العلمي اسمه”.

قد يجدون الأمر صعبًا على التقبل، لكن أن تكون أخصائيًا أو أستاذًا جامعيًا لا يمنحك حقًا بأن تكون مؤلف البحث، إذا لم تشارك فيه فعليًا.

هناك أشكال أخرى كثيرة من الخداع، أشكال عدة يصعب تناولها في هذا المقام. إن الوتيرة التي تقع بها هذه الممارسات غير الأخلاقية والخادعة أضحت في ازدياد، وهي تشكل تهديداً لمصداقية المجتمع العلمي ككل.

ختامًا، إن مسألة نشر الأبحاث واقع حياتي وأمر حاسم لتطور العلم والتقدم الوظيفي. إلا أن الجامعات والمسئولين ينظرون بصورة متزايدة إلى رصيد النشر عند توظيف الباحثين. وقد شكّل ذلك ضغطًا هائلاً للنشر بأي تكلفة من أجل زيادة عدد الأوراق المنشورة في السيرة الذاتية للفرد. لم يؤدي ذلك لزيادة في أعداد المنشورات منخفضة الجودة فحسب، لكنه أدى كذلك لتفشّي الممارسات غير الأخلاقية، ولارتفاع حالات الخداع في النشر هي الأخرى.

 

أصبح من الضروري اتخاذ خطوات عاجلة لوقف هذه الظاهرة. فيجب أن يوجد توجُه أكثر شمولية للتعليم الطبي بدلاً من التعطش للبحث والنشر، خاصة في دول العالم الثالث. من الصحيح أن النشر حجر الأساس لمسيرة الشخص المهنية، لكنه لا يجب أن يتم على حساب التعليم الطبي للطلاب. ربما تلجأ الجامعات للنص على أن التدريس هو الجانب الأكثر أهمية والذي على أساسه تقوم عملية التوظيف، لكن في حقيقة الأمر لا يمكننا قياس ذلك.

 

لقد أصبح النشر اليوم إلزاميًا وليس فقط أمرًا اختياريًا. ونتيجة لذلك، يعاني العلماء من ضغطٍ مستمر لنشر الأعمال الجديدة دومًا ويقضون أوقاتًا معتبرة في كتابة الأبحاث. ينبغي على المسئولين والجامعات أن يطوقوا هذه الممارسات. ينبغي أن يُمنح اهتمامًا مماثلاً لتدريس الطلاب.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك