إطلاق النار في المدارس الأمريكية وعبثية محاولة منعه!

30 سبتمبر , 2018

الدراسة الأصلية: The Futility of Trying to Prevent More School Shootings in America

طالما أن هناك سهولة في الوصول إلى الأسلحة، فلا يمكن للآباء والمعلمين وغيرهم من المتخصصين إحباط أولئك الذين يتجهون للعنف من المراهقين.

يُزعم أن الشاب البالغ من العمر 17 عامًا، الذي قتل 10 أشخاص في مدرسة سانتا في الثانوية، في تكساس، استخدم بندقية والده ومسدس عيار 38 الخاص بوالده أيضًا. وقال حاكم الولاية جريج أبوت للصحفيين انه بعد تبادل إطلاق النار مع الشرطة استسلم الشاب قائلاً إنه لا يملك الشجاعة لقتل نفسه كما كان يخطط.

وبحسب أبوت، في الساعات التي أعقبت هجوم 18 مايو، صُدم بعض الطلاب من أن ديمتريوس باجورتزيس قد قتل زملاءه في الفصل إلى جانب قتله لاثنين من المدرسين البدلاء. لقد كان يلعب في خط الدفاع لفريق مدرسته لكرة القدم الأمريكية وكانت درجاته الأكاديمية مرتفعة ولم يكن له سجل جنائي. وفي اليوم السابق لارتكابه الجريمة كان يمزح مع أصدقائه في رحلة ميدانية إلى حديقة مائية. بينما وجده آخرون مزعج، فغالبًا ما كان يرتدي معطفًا، كما قال زملائه، وفي ذلك اليوم كان يرتدي قميص أسود مكتوب عليه تلك الرسالة المميتة: “وُلِدْت للقتل”.

ديمتريوس باجورتزيس

بدأت تفاصيل ذلك المسلح في الظهور لتوها، إذ اتضح الآن أنه أبقى خططه سرية كما هو موضح في مذكراته الشخصية. وقد كان هذا غير اعتياديًا. إذ أنه في العديد من حوادث إطلاق النار الأخرى التي بلغ عددها 21 (بحسب سي إن إن) التي حدثت في العام الحالي، كانت هناك بدرجات متفاوتة أدلة على ما يمكن أن يحدث. عادةً، كان لدى أحد الأشخاص – أحد الوالدين أو زميل الدراسة أو المعلم أو الجار – حدسًا بشأن ما قد يحدث. في بعض الأحيان كان يظهر على الطفل المريض العقلي. في أحيان أخرى كان يظهر عليه علانيةً صفات المرض النفسي. أحيانًا كان الطلاب الآخرون يبتعدون عن ذلك الطفل أثناء تناول الطعام لكونه مخيفًا. وكما تقول ماري إيلين أوتول، وهي عميلة مكتب التحقيقات الفيدرالي السابقة وخبيرة عمليات إطلاق النار في المدارس، “هم لا يظهرون من العدم أبدًا”.

إن كانت الدلائل موجودة فلما لم يتم إيقاف هؤلاء المراهقين؟

في مواجهة طفل خطير يمكن للعائلات والمدارس والشرطة أن يبذلوا قصارى جهدهم، وهو ما يقيهم من المآسي. لكن مثل هذه الأحداث تشير إلى حقيقة مزعجة: رغم أن العديد من الأطفال المحتمل كونهم عنيفين يمكن علاجهم وتحسّنهم، فإنه من المستحيل ضمان الوصول إلى كل طفل خطير. وفي النهاية، ليس بإمكاننا فعل الكثير لردع مَن خطط لإطلاق النار، باستثناء منعه من الحصول على بندقية في المقام الأول.

يتكون خط الدفاع الأول من كل من العائلة والوالدان والأشقاء الذين يعرفون أن ولدهم – وهو دائمًا ما يكون صبي – قد يكون مجرد قنبلة يدوية لم تُلقى بعد. عندما كنت أبحث عن قصة لـ The Atlantic عن الأطفال المضطربين بشدة، أدهشني كيف شعر هؤلاء الأهل بالرعب والعجز. أخبرتني واحدة من هؤلاء الآباء، ليزا لونج، أنها تتذكر بوضوح اللحظة التي علمت فيها بإطلاق النار في مدرسة ساندي هوك الابتدائية في نيوتاون، بولاية كونيتيكت، عندما أخذ شاب يدعى آدم لانزا أسلحة والدته نصف الآلية وقتل 20 طفلاً وستة بالغين وقتل نفسه. وقد قالت “أول ما جاء إلى ذهني، ماذا لو أصبح ابني هو ذاك الطفل يوماً ما؟”.

ظهر على ابن لونج، إريك، العديد من العلامات التي تشي بأنه قد يطلق النار في المستقبل. بدأت انفجاراته العنيفة في وقت مبكر، في رياض الأطفال. كان أبناء لونج الآخرون يعرفون أنه إذا صرخت الأم قائلة “خطة السلامة!”، فكانوا يركضون إلى السيارة ويغلقون الأبواب ويوصدونها ويتصلون بأبيهم وبأفراد الشرطة؛ طوّر مدرس إيريك في المدرسة أيضاً بروتوكولاً لإخلاء الأطفال الآخرين فور ظهور نوبة إيريك. حين بلغ الـ13 عامًا، طُرِد إريك من المدرسة وأُُرسل إلى الأحداث أربع مرات.

قبل أيام قليلة من إطلاق النيران في حادثة ساندي هوك في ديسمبر 2012، طلبت ليزا لونج مطلبًا عاديًا لكنه كان شديد الخطورة تقريبًا. طلبت من ابنها أن يعيد الكتب المتأخرة إلى المكتبة. وتتذكر لونج، التي تصف أيضًا مرض ابنها في كتابها “ثمن الصمت”، ذلك الموقف قائلة: “وحرفياً في غضون 60 ثانية، كان هناك سكين على رقبتي”. وتابعت “والشيء المحزن حقًا: أن هذا الأمر كان طبيعيًا”.

كان الإنكار هو الفجوة الأولى في خط الدفاع الأول. إذ غالباً ما يحتار الآباء والأمهات ويرتبكون من سلوك أطفالهم، ولكنهم يعتادون ذلك ويتحملونه، وينظمون حياتهم عليه ويحاولون التأقلم معه بمفردههم.

يبدو أن هذا هو النهج الذي اتبعته نانسي لانزا، حيث شاهدت ابنها ينزلق في صراع مع أزمات الصحة العقلية: الاكتئاب والقلق والسلوك القهري. ويُلقى باللوم على نانسي، التي كانت أول ضحية لآدم، لأنها رفضت الاقتراحات المتكررة من قبل المدارس والأطباء النفسيين بأن آدم يحتاج إلى العلاج والأدوية. وبدلاً من ذلك، أخرجته من المدرسة وتركته يقضي أيامه ولياليه في غرفة نومه أو في الطابق السفلي حيث عثرت الشرطة، بحسب ما ذُكر، على جدول بيانات ضخم يحتوي على 500 عملية قتل واسعة النطاق إلى جانب سِجِل بالأسلحة التي استخدمها الجناة في تلك الجرائم. (بعد ذلك، خلص تحقيق أجرته الحكومة إلى أن المرض العقلي وحده لم يؤد إلى “أعمال القتل” التي ارتكبها لانزا. بل “مشاكله الصحية العميقة والمتداعية الداخلية … إلى جانب انشغاله الغريب بالعنف … [و]سهولة وصوله إلى الأسلحة القاتلة … هي أشياء كانت جميعاً بمثابة المقادير لوصفة القتل الجماعي”).

ولكن حتى الوالدين المستعدين لإرسال أطفالهم المرضى عقليًا إلى المستشفى قد يواجهون المشاكل. إذ أنهم يتفاجئون بقلة خياراتهم فور مواجهتهم لابنهم الخطير أو ابنتهم الخطيرة. بالنسبة للأطفال الأكبر سنًا — يختلف الأمر من ولاية إلى أخرى، ولكن عادةً ما يكون الحد الأدنى للعمر هو 15 عاماً — يجب أن يكون الطفل قد قام بتهديد صريح بإيذاء نفسه أو الآخرين. قد يكون مزاجه متقلب، وقد يكون متاح له الحصول على السلاح. “ولكن إذا لم يصرح علناً قائلاً “سأقتل شخصاً غداً” أو “سأقتل نفسي”، فلن تستطيع إرساله إلى المستشفى قسراً”. وهكذا كان رأي مايكل كالدويل، عالم نفسي في جامعة ويسكونسن الذي يعمل على معالجة الشباب الخطرين في مركز لعلاج الأحداث في ماديسون.

يمكن لوالد الطفل البالغ من العمر 14 عاماً أو أقل أن يُرسله قانونيًا إلى مصحة عقلية دون أن يكون الطفل قد قام بعمل علني – ولكن بصفة عامة فإن هذا يدوم لمدة ثلاثة أيام فقط. وهنا توجد مشكلة عملية وهي ندرة العلاج. تقول ليزا لونج إنه بعد أن وضع إريك سكيناً على رقبتها تم نقله إلى غرفة الطوارئ حيث قاموا بإعطاءه دواء لتهدئته. ثم أخبرتها المستشفى أنه ليس هناك أسرة متاحة في مستشفى الأمراض العقلية. في الواقع، أخبرها الأخصائي الاجتماعي المختص بإيريك أن السبيل الوحيد للحصول على خدمات الصحة النفسية التي يحتاجها إريك هو أن توجه له التهم الجنائية. وتقول ليزا “هكذا كانت خياراتي”. “”ليست لدينا فكرة عما هي مشكلة ابنك، ونعتقد أنه بحاجة إلى سرير للأمراض النفسية، ولكن لا يوجد سرير متاح الآن. هذا العقار سيهدئه””. أخذته أمه إلى المنزل مع العقار الذي وصفة الطبيب، وهو عقار مضاد للذهان يسمى Zyprexa.

يسمع كالدويل هذا الكلام طوال الوقت. إذ يقول “منذ خمسة وعشرين عاماً، كان بإمكانك على الأرجح أن تضع الطفل في وحدة للأمراض النفسية لمدة 30 يوماً لتقييمه لمحاولة علاجه، إن كان لديك تأميناً صحياً. لكن هذه الأسرّة اختفت للتو”.

إلى جانب العوائق العملية والقانونية والعاطفية – بعد كل شيء، من هذا الذي يريد تسليم طفله؟ – لدى الآباء دافع آخر للحفاظ على سرّية الأمر، كما فعلت نانسي لانزا: الخوف من فقدان أطفالها الآخرين. أخبرني العديد من الأخصائيين وأولياء الأمور أن الأخصائيين الاجتماعيين يعتقدون في كثير من الأحيان أن سلوك الطفل المتقلب ينبع من سوء المعاملة في المنزل. وقد وصفت امرأة كانت لديها ابنة عنيفة كيف أن إدارة خدمات حماية الطفل المحلية اتهمتها هي وزوجها بضرب ابنتهما وحرمانها من الطعام. وقد هددتها الإدارة بأخذ أطفالها الآخرين، وقد حُقِّقَ معها هي وزوجها لمدة عام قبل أن يقرروا أنه لم يكن هناك سوء معاملة من قبلهما. أما ليزا لونج فقد خسرت حضانة طفليها الصغيرين بعد أن نشرت مقالة على مدونة heartfelt بعنوان “أنا أم آدم لانزا”. بعد نشر المقالة على الإنترنت، منح القاضي زوجها السابق حق الحضانة الكاملة للطفلين في حال أصرت هي على الاحتفاظ بإريك. وتقول ليزا “إن كنت تتسائل، فلهذا لن تتحدث العائلات عن تلك الأمور”.

يؤكد الخبراء أن الأطفال الذين يعانون من مشاكل في الصحة العقلية ليسوا أكثر عرضة للعنف من الأطفال الآخرين. وحتى لو كان المرض العقلي سببًا وراء بعض عمليات إطلاق النار الجماعية، فإن لونج تقول “لدي أخبار رائعة لكم، العلاج يجدي نفعًا في الواقع. كل ما عليك القيام به هو إعطاء الناس إمكانية الوصول إلى الخدمات”. وبمجرد تشخيص حالة ابنها بالاضطراب ثنائي القطب، بدأت رحلة الدواء وانتهت ردود الأفعال المفاجئة العنيفة وهو الآن في تحسّن ملحوظ، وسيتوجه في العام المقبل إلى الكلية بعد أن حصل على منحة دراسية كاملة.

إن مثّل الطفل المصاب بمرض عقلي واضح معضلة موجعة للوالدين، فإن ذلك الذي يبدو عاقلاً رغم كونه عنيف يطرح مجموعة أخرى من الأسئلة القانونية. على سبيل المثال، ينقسم الخبراء حول ما إذا كان نيكولاس كروز قد عانى من مرض عقلي حاد حين قتل 17 شخصاً باستخدام بندقية AR-15 نصف الآلية في مدرسة مرجوري ستونمان دوغلاس الثانوية في باركلاند في ولاية فلوريدا في منتصف فبراير. لكن العديد من الأشخاص الذين عرفوه – العائلة وزملاء الدراسة والمعلمون والجيران – اعتقدوا أن بذور الإجرام كانت بداخله. فقد كان عنيفاً ومهووساً بالبنادق ما كان يتعامل مع الحيوانات الصغيرة بقسوة. وقد دأبت والدة كروز على استدعاء شرطة مقاطعة بروارد بشكل منتظم للحديث مع ابنها. في الواقع، تلقت الشرطة المحلية بضع عشرات من المكالمات بسبب كروز. وقد اتصلت امرأة كانت تعرف الشاب بمكتب التحقيقات الفيدرالية قبل خمسة أسابيع من هجومه وأخبرت أحد العملاء أن كروز يمتلك مسدساً؛ وأعربت عن قلقها من أن “ينفجر” ويذهب إلى مدرسة و”يطلق النار في المكان”.

في تسع ولايات، ربما تكون هذه التحذيرات كافية للسماح للشرطة بمصادرة أسلحته. تحت ما يسمى بـ”القوانين الإنذارية”، إذ يستطيع أي من أفراد العائلة أو الأصدقاء أو ضباط الشرطة مطالبة القاضي بأن يصدر “أمر تقييد للعنف المسلح” ضد أي شخص يعتبر خطرًا على نفسه أو الآخرين. إذا تمت الموافقة على هذا الطلب يمكن للشرطة مصادرة الأسلحة على الفور. عادةً تنتهي صلاحية الطلب في غضون عام واحد ولكن يمكن تمديده إذا رأى القاضي أن الشخص لا يزال خطيراً. في وقت إطلاق النار في باركلاند، لم تكون فلوريدا قد طبقت القانون الإنذاري، ومنذ ذلك الحين تم سن هذا القانون.

أما الخيار الآخر الأكثر صعوبة فهو احتجاز شاب لكونه يبدو خطيرًا. تقول مارشا ليفيك، كبيرة مستشاري مركز قانون الأحداث غير الربحي: “نحن لسنا في فيلم minority report”، في إشارة إلى فيلم الخيال العلمي الذي يمكن أن تتوقع فيه الحكومة ارتكاب جرائم والقبض على من يرتكبون الأخطاء قبل أن يرتكبوها”.

“نحن لا نقبض على الأشخاص بسبب ما يفكرون به، بل بسبب ما يفعلونه”.

التفكير الفردي هو أمر ليس بوسع الشرطة التصرف على أساسه كما أن الدستور يحمي حرية التعبير، ولكن تحديد الوقت الذي يتحول فيه الكلام من مجرد كلام بغيض إلى إجرامي هو ليس بالأمر اليسير. قلق الناس من سلوك كروز ومن مشاركاته على إنستجرام ويوتيوب. لكن في ذلك الوقت، هل كانت مساهماته على وسائل التواصل الاجتماعي تستدعي القبض عليه؟ من السهل الإجابة عن هذا السؤال بأثر رجعي الآن وليس في لحظتها.

يشير كل هذا إلى عقدة صعبة في مركز هذه الأسئلة: بالطبع، فإن الغالبية العظمى من الأطفال ينشرون أو يقولون أشياء تهديدية ولا يتصرفون بناءً عليها. حتى الحالات السلوكية الأكثر شدة – الأطفال الذين يظهرون ميولاً سيكوباتية – عادةً ما تنمو من السلوكيات المخيفة أثناء مرورهم بمرحلة المراهقة. وتعد تلك واحدة من أكبر المعضلات التي يواجهها علماء النفس والآباء: كيف يمكنهم أن يعرفوا مسبقًا ما إذا كان التهديد حقيقي أم لا؟ كيف يمكنك أن تفرق بين إريك لونج وإريك هاريس، وهو أحد منفذي حادثة كولومباين؟

وماذا لو لم يرى الآباء أي مؤشر على تلك التطلعات العنيفة؟ ﻣﺎذا ﻟﻮ ﻟﻢ ﻳكن هناك مرض عقلي أو ميول غامضة لتنبئ باﻟﻜﻮارث اﻟﻤﻘﺒﻠﺔ؟ ماذا لو كنت أنت سو كليبولد؟ فقد شارك ابنها، ديلان، مع صديقه المقرب، هاريس، في قتل 12 من زملائهما في الفصل بالإضافة إلى قتل المعلم في مدرسة كولومباين الثانوية في 20 أبريل 1999، قبل أن يقتلوا أنفسهما في الأخير. وكانت حادثة كولومباين مروعة ليس فقط بسبب عدد القتلى ولكن كذلك بسبب التخطيط الرائع والتنفيذ البارد اللذان شهدتهما الحادثة. ولكن بالنسبة للأسرة التي هي خط الدفاع الأول فقد كانت هناك بعض الإنذارات.

في ذلك الوقت، لم ترَّ سو كليبولد ما يدعو على القلق بشكل خاص بشأن ابنها. وكما كتبت في كتابها، “حساب الأم”، فقد عرفت أن ابنها كان في الأغلب “عدواني” وأحيانًا انسحابي. وقد غضبت عندما اقتحم هو وإيريك هاريس سيارة صغيرة عندما كانوا صغارًا، لكن تلك كانت أول مواجهة له مع القانون. كان لدى ديلان أصدقاء، كما كان يشاهد الأفلام القديمة مع والديه، وكان قد ذهب إلى حفلة تخرجه، وكان ذاهبًا إلى جامعة أريزونا. وقد كتبت سو كليبولد في مذكراتها في يوليو 1997 قائلة “كانت الأمور سعيدة حقًا هذا الصيف”، صيف السنة الثانية لديلان في مدرسته الثانوية. وكتبت أيضًا “يستمتع ديلان بوقته، فهو يقضي وقتًا ممتعًا مع الأصدقاء”.

لم تكن تعرف أن ديلان كان يفكر في الانتحار لعدة أشهر، وهو ما كتبه في مذكراته الخاصة في الشهر ذاته، إذ كتب “أشعر بالوحدة دون صديق”. في السنة الأولى كان يقوم بتخزين الأسلحة وصنع أشرطة الفيديو والتآمر للقيام بمذبحة مع هاريس. (لم تتحدث عائلة إيريك هاريس علانيةً، لذلك لا نعرف ما إذا كانوا رصدوا دلائل على ما فعله).

تقول أوتول، عميلة مكتب التحقيقات الفيدرالي السابقة ومديرة قسم علوم الطب الشرعي بجامعة جورج ميسون، إنه على الرغم من أن الأطفال يأخذون الكثير من الوقت ليتحولوا من مضطربين غير عنيفين إلى مطلقي نار بشكل جماعي، فإن “عملية التطرف الذاتي” هذه قد تحدث دون إدراك الآباء والأمهات. فقد أمضى هاريس وكليبولد أكثر من عام في تخطيط المواقع وتوقيت الهجوم وتعلّم كيفية صنع القنابل وشراء الأسلحة نصف الآلية قبل أن ينفذوا خططهم.

وتقول أوتول، التي ترأست فريقًا من مكتب التحقيقات الفيدرالي وخبراء أكاديميين قاموا بالتحقيق في عمليات إطلاق النار في المدارس: “إن التخطيط يمكن أن يجعلهم يشعرون بالقوة”. تلاحظ أوتول أن مرحلة التخطيط هذه قد تمر على الآباء دون أن يشعروا بها. “فهم يكونون في تلك الفترة أكثر سعادة بقليل مما كانوا عليه من قبل، كما يكونون أكثر ثقة بالنفس فهم يستمتعون بمرحلة التخطيط تلك”.

يبدو أن هناك اتفاق بين الأطباء النفسيين والمحللين القائمين على دراسة حادثة كولومباين على أن إيريك هاريس كان هو القائد ذو الكاريزما، في حين كان ديلان كليبولد هو التابع الخجول. يميل هاريس إلى كونه مريض نفسي بينما يميل كلبولد إلى الاكتئاب. وقد كتب هاريس في مذكراته: “أنا مسدس، لم يكن الصيد هو الغرض مني يومًا ما بل قتل البشر”. وقد كتب كليبولد عن الانتحار وعن حبه لفتاة من طرف واحد، وعن “حزنه اللامحدود، فأنا أريد أن أجد الحب”. أثناء المجزرة، أطلق هاريس النار بحرية فيما كان كليبولد مقتصدًا في إطلاق النار. وكان هاريس يسخر منهم أثناء قتلهم، إذ قال لإحدى الفتيات التي كانت تنتحب في أسى: “كفي عن النواح كالعاهرات”.

يشكل الأطفال القساة وغير العاطفيين – وهي الصفات التي يعزيها علماء النفس إلى المرضى النفسيين الصغار – حوالي 1 % من عدد الأطفال، وينمو معظمهم ليصبحوا بالغين معتدلين على نحو جيد. إلا أن البعض الآخر لا يعتدل سلوكه – ووفقًا للعديد من الدراسات والخبراء الذين تحدثت معهم فإن هؤلاء هم المسؤولين عن حوالي نصف جرائم العنف. يبدو أن العديد من منفذي عمليات القتل الجماعي الذين قتلوا أكبر عدد من الجثث – مثل كليبولد وهاريس ولانزا وآخرين – قد جاءوا من أسر مستقرة من الطبقة الوسطى. في الواقع، فإن الغالبية العظمى من منفذي عمليات القتل الجماعي في المدارس تأتي من منازل يكون فيها كلا الوالدين موجودين كما أن السجلات الجنائية لهؤلاء المنفذين تكون نظيفة. فهم ليسوا معتادين على العنف ولا هم جزءًا من عصابة. ووفقًا لتقييم قدمته وكالة الخدمة السرية التابعة لوزارة الأمن الداخلي، فإن سبعة من أصل كل 10 حالات يعتبرون هم الضحايا المنتهكة لا المعتدين الأصليين.

في أعنف حوادث إطلاق النار في المدارس منذ عام 1999، فشل خط الدفاع الأول وهو العائلة. إذ لم تلحظ عائلة كليبولد أية إنذارات – لم تلحظ ذلك بالتزامن مع حدوثه على أي حال. كانت أم آدم لانزا تحميه من العالم الخارجي عند اشتداد المرض عليه. وكانت والدة نيكولاس كروز تدرك تمامًا ميول ابنها، ولكنه لم يُقبض عليه في أي مرة من المرات التي كانت الشرطة تزور فيها منزله.

عادة ما يكون يجدي خط الدفاع الأول نفعًا، إذ يرى معظم الآباء علامات التحذير، ويحصل أطفالهم على العلاج الذي يحتاجون إليه. لكن الأمر ينتهي بمأساة عند تعطل هذه القاعدة.

ماذا عن خط الدفاع الثاني وهو المدارس؟

بعد إطلاق النار في باركلاند بولاية فلوريدا، طالب الرئيس ترامب وآخرون ألا تكون المدارس أهدافًا سهلة. وأوصوا (من بين أشياء أخرى) بتسليح المعلمين، وتوظيف المزيد من أفراد الشرطة داخل حرم المدرسة، وجلب المزيد من أجهزة الكشف عن المعادن، وفحص حقائب الكتب وحقائب اليد للطلاب والزائرين أثناء دخولهم المدرسة. وبعد إطلاق النار على مدرسة سانتا في الثانوية يوم الجمعة، اقترح حاكم ولاية تكساس دان باتريك أنه ربما كان من الممكن تجنب الحادث إذا لم يكن للمدرسة سوى بوابة واحدة.

قد يكون زملاء الدراسة والمعلمين وضباط الشرطة الموجودين داخل المدرسة في وضعية أفضل من العائلات لملاحظة الطفل المضطرب، حيث أن مشاعرهم وجيناتهم لا تعميهم عن الحقيقة. ويرى رونالد ستيفنز، المدير التنفيذي للمركز الوطني للسلامة المدرسية، وهي إحدى جماعات الضغط، أن تحديث الأجهزة والمعدات لن يوقف مَن عزم على إطلاق النار. فكر في آدم لانزا، الذي قتل 26 شخصًا في مدرسة ساندي هوك الابتدائية. يقول ستيفنز: “كان لديهم ماسحات معدنية ومراقبة بالكاميرات وأسوار محيطة بالمدرسة وفحص للزائرين وسياج وكل ما قد تتخيله”. وأضاف: “ورغم ذلك أتى الفتى وتمكن من التغلب على كل ذلك عند البوابة ومن ثم دخل إلى الحرم المدرسي”.

بدلًا من التركيز على الأمن يعتقد ستيفنز وكثير من الخبراء أن المدارس يجب أن تركز بشكل أكبر على الوقاية، وهي ليست فكرة جديدة. إذ أن بعد إطلاق النار في كولومباين في عام 1999، درس الباحثون الحكوميون والأكاديميون عن كثب حوالي ثلاثين هجوماً في المدارس محاولين الإجابة عن السؤال المحوري: كيف يمكن التنبؤ، وكيف يمكن إحباط المهاجمين المستقبليين قبل دخولهم إلى المبنى بفترة طويلة؟

من الصعب الإجابة عن هذا السؤال؛ للأسباب ذاتها التي تجعل من الصعب على الأهل أن يعرفوا ما إذا كان سلوك طفلهم يشير إلى مجرد مشكلة قصيرة الأجل أم شيء أكثر خطورة. أعد الباحثون قائمة بالخصائص والسلوكيات التي يتشاركها العديد من منفذي تلك العمليات، وقد صرح ديوي كورنيل، عالم النفس بجامعة فيرجينيا الذي عمل بشكل مقرب مع وكالة الخدمة السرية ومكتب التحقيقات الفيدرالية، بما خلصوا إليه قائلاً: “هؤلاء الأطفال لا يجمعهم شيء شخصي يمكن الاعتماد عليه علميًا”. وأكمل: “الناس يقولون “حسنًا، هؤلاء الأطفال هم ضحايا التنمر، هؤلاء الأطفال يعانون من جنون العظمة، هؤلاء الأطفال يلعبون ألعاب الفيديو العنيفة، هؤلاء الأطفال نرجسيين” والعديد من الأطفال الذين نفذوا عمليات إطلاق النار في المدرسة لديهم تلك السمات، ولكن تلك السمات يتشاركها ملايين الأطفال الآخرين كذلك. وهذه هي مشكلة التحديد – أي أنك تجد خصائص ولكنها ليست محددة بما يكفي كي تصبح ذات فائدة”.

أصبحت الإجابة عن هذا السؤال – أن تحدد التهديد مبكرًا وتقيّم مدى خطورته ومن ثم تحبط خطط الجاني – أكثر وضوحًا في عام 2007، عندما قتل سونغ هوي تشو، طالب في جامعة فرجينيا للتكنولوجيا، 32 طالبًا وأصاب 17 آخرين. كشفت أحد الفحوصات بعد أن حدثت تلك المأساة عن أن تشو كان يعاني من مشاكل عقلية خطيرة لم يتم علاجها. قبل إطلاق النار أوضح أحد الاستشاريين أن تشو خطرًا على نفسه وعلى الآخرين وأوصى بأن يُرسل إلى المستشفى قسرًا. لم يحدث ذلك، وسقطت قضية تشو من ملفات نظام الإرشاد المدرسي في حالة من الفوضى، فقد كانت هناك دلائل قبل وقت طويل من تحوله للعنف.

بعد إطلاق النار، أدرك المشرعون في ولاية فرجينيا أن المدارس بحاجة إلى أخذ زمام المبادرة، من خلال تحديد الأعراض الأولى للضغط النفسي قبل أن تتاح للجناة الفرصة لتحويله إلى غضب وذهان وقتل في نهاية المطاف. وفي جميع أنحاء البلاد، أقامت المقاطعات برامج “التقييم المدرسي” والتي غالبًا ما ضمت ​​مديرين واستشاريين وضباط شرطة ومدرسين، كما هو الحال في ولاية فرجينيا.

تعمل البرامج على هذا النحو: عندما تدرك المدرسة أن ثمة تهديدًا يلوح في الأفق، يقوم الفريق بتحديد خطورته. إذا كان الطفل ممن ينفجر في لحظات الغضب، وهو ما يحدث عادةً، فيمكن للمدرسة أن توفر له الإرشاد فحسب. ولكن إذا بدا التهديد أكثر خطورة – إذا كان محددًا، أو يعكس دليلاً على وجود مخطط، أو يشير إلى أن الصبي بإمكانه حيازة الأسلحة – عندئذ تضع المدرسة خطة أكثر تفصيلاً. وقد يجتمع المسؤولون في المدرسة مع الصبي “ليعرفوه أنه تحت النظر”، كما يقول كورنيل.

يمكن للمدارس تقديم خدمات الصحة النفسية للصبي – رغم أن المدرسة لا يمكنها عمومًا إرسال طفلاً ما إلى المستشفى بدون إذن والديه. بينما يمكنهم الاطلاع على سجلاته في المحكمة للحصول على أدلة ارتكابه لحوادث عنف سابقة. كما يمكنهم أيضًا البحث عن الأسلحة في المدرسة.

ما يحدث دائمًا أن تبقي المدرسة على الصبي وتبحث في تغيراته السلوكية: هل انخفضت درجاته بشكل مفاجئ؟ هل يأتي إلى المدرسة بهيئة غير مرتبة؟ هل أصبح أكثر عدوانية؟ هل يبقي نفسه منعزلاً في المدرسة؟ هل يقضي كل وقته في غرفته بالمنزل، رافضاً الخروج لتناول العشاء؟

تقول أوتول، عميلة مكتب التحقيقات الفيدرالي السابقة: “هذه السلوكيات تتطور، على سبيل المثال، فالأمر لا يقتصر على افتتانه بالبنادق، بل فسوف يبدأ في جمعها فعليًا”.

خلال العام السابق على حادثة إطلاق النار في باركلاند، كان العديد من الناس يعرفون أن نيكولاس كروز يجمع البنادق، وقد قالوا ذلك. ولكن قبل ذلك بفترة طويلة، في عام 2012، عندما كان كروز في الثالثة عشرة من عمره عرفت مدرسته الإعدادية أنه بحاجة إلى المساعدة، لذا قُدِّمت له الاستشارة. فقد كان يقحم نفسه في المعارك وكان يتوعّد معلميه وزملائه في المدرسة. في يناير 2017، طلبت مدرسة مارجوري ستونمان دوجلاس الثانوية من مجلس المدرسة إجراء تقييم للتهديدات، رغم عدم وضوح ما بدر منه. أخيراً، في 8 فبراير 2017، نُقِل كروز من المدرسة. وبعد ثلاثة أيام اشترى بندقية من طراز AR-15 لاستخدامها في قتل زملائه في الصف بعد عام.

ربما كان هذا خطأً من ناحية المدرسة، فبمجرد نقل كروز من المدرسة الثانوية الحكومية لم يعد النظام قادراً على متابعته. وقد ذهب إلى ثلاث مدارس بديلة للشباب المعرضين للخطر، بما في ذلك The Off Campus Learning Center وthe Henry D. Perry Education Center وthe Dave Thomas Education Center. يقول كورنيل: “لا ينبغي أن يبتعد عن عينيك، ولا عن ذهنك” لأن “بعضهم يعود مرة أخرى مسلحًا”.

تأتي نقطة كورنيل جزئيًا؛ بسبب النمط المدهش الذي وجدته مجموعة الأبحاث التي قام بها فريق أوتول من مكتب التحقيقات الفيدرالي: غالبًا ما كان يميل منفذي عمليات إطلاق النار في المدارس إلى يخبرون الناس سرًا. وتقول أوتول “كان يطلق على هذا تسريبًا، فقد كان الأمر مثل صنبور يسرّب”. ويبدو أن ذلك كان سلوكًا منتظم لمنفذي تلك العمليات في المدرسة.

ووفقًا لجيف دانيلز، أستاذ الاستشارة في جامعة ويست فرجينيا الذي درس عمليات إطلاق النار في المدارس، فقد وجد مكتب التحقيقات الفيدرالي أنه في أربع من بين كل خمس حالات، يخبر مطلق النار شخصًا ما عن خططه أو يكشف عن نواياه على وسائل التواصل الاجتماعي. يقول دانيلز: “هذا هو الجانب الذي يختلف فيه الأطفال في عمليات إطلاق النار الجماعية عن الكبار”. ويضيف: “من الناحية التطوّرية، يرغب المراهقون في جذب هذا الاهتمام لأنفسهم حتى قبل قيامهم بالتنفيذ. وهو ما لا يفعله معظم الراشدين ممن يشرعون في إطلاق النار”.

حتى في أكثر هجمات المدارس الثانوية عنفًا، كان المنفذون يسربون ما ينوون القيام به: وقد أنتج ديلان كليبولد وإيريك هاريس شريط فيديو للفصل الذي يتصوران فيه إطلاق النار على عدة أشخاص في المدرسة، مرتديان معاطف الخندق، قبل تفجير لقنابل يدوية الصنع. كما كتب كليبولد قصة قصيرة، قام بطلها، وهو رجل يرتدي ملابس سوداء، بمهاجمة أطفال مشهورين في المدرسة. وقد دفعت هذه القصة معلمته للتحدث مع والديه.

اعترف آدم لانزا لرجل ما بحيازته لسلاح لتنفيذ الاعتداء وأنه يخطط لقتل الأطفال في مدرسة ساندي هوك الابتدائية، وقد أخبر الرجل الشرطة المحلية. كما أخبرت امرأة أخرى كانت قد تواصلت مع آدم على الإنترنت مكتب التحقيقات الفيدرالي بعد إطلاق النار أنه قضى بعض الوقت في البحث في جرائم القتل الجماعي والقتل المتسلسل.

ووفقًا لتحقيقات حكومية، فإن سلوك سيونغ هوي تشو وكتاباته العنيفة، باعتباره دارس للأدب الإنجليزي في جامعة فرجينيا للتكنولوجيا، كانت تقلق أساتذته. إذ خشيت إحداهما على سلامتها. بينما كشف آخر عن أحد كتاباته الخيالية القصيرة التي خطط بطلها لإطلاق النار جماعياً على إحدى المدارس.

كتب نيكولاس كروز الكثير من التصريحات المثيرة للقلق على شبكة الإنترنت، بما في ذلك رغبته في أن يكون منفذ محترف لعمليات إطلاق النار في المدارس، ويقول دانيالز: “أرى أن هذا فورانًا وليس تسريبًا”. وأضاف: “من المؤكد أنه سمح للناس بمعرفة نواياه، وقد كان على عدة رادارات”. ومع ذلك استطاع كروز، مثل الآخرين، تنفيذ خططه.

يضيف دانيالز أنه يمكن للمدارس تطوير مصدر رئيسي آخر للمعلومات: الأطفال الذين يحضرون الفصول مع المعتدين المحتملين. ويقول إن العمليات التي أُحبطت أكثر من تلك التي تمت، ويرجع ذلك في كثير من الأحيان لتحدث أحد الزملاء. يتذكر دانيالز، الذي يدرس المخططات التي أُحبطت، حالة طالبة في المرحلة المتوسطة سمعت شقيقين يتحدثان في الحمام، وقد سمعت أحدهما يقول: “لدي البندقية”. قام أحد استشاريي المدرسة بتنبيه أحد رجال الشرطة الموجودين في المدرسة، وعليه قام الشرطي بالسيطرة على الصبي، الذي كاد أن يرتكب الاعتداء،  قبل أن يصل لحقيبته ليخرج منها بندقيته.

ما قد يمكن المدارس من إحداث تغيير كبير، دون تعقيدات استدعاء الشرطة أو محاولة إرسال الطالب إلى المستشفى، هو زرع الثقة بهؤلاء الشهود الصغار. إذ أن الأطفال هم من يعرفون أولئك الذين يجلبون السكاكين والبنادق إلى المدرسة. وقد علم الطلاب في باركلاند أنهم يجب أن يبتعدوا عن نيكولاس كروز. ويقول دانيالز: “أن يكون الطلاب عيوناً وآذان لهو أمر في غاية الأهمية، إذ يجب أن يكونوا قادرين على المجيء للتحدث للبالغين إذا ما سمعوا أو رأوا شيئاً ما”. تحاول المدارس الناجحة التأكيد على وجود فرق بين الوشاية وجلب المساعدة. في إحدى المدارس التي تناولها دانيالز في دراسته كان المعلمون يتناولون الغداء مع الأطفال في الكافتيريا. “قال المدير: “ستندهش عندما تعلم الأشياء التي يخبرها الأطفال لمعلميهم عندما يعرفونهم على مستوى شخصي بشكل أقوى”.

يجادل رونالد ستيفنز، من المركز الوطني للسلامة المدرسية، بأن المدارس يجب أن تكون أكثر نشاطاً فيما يخص مشاركة مخاوفها مع السلطات الخارجية. وهو يدرك أن المدارس ملزمة بحماية سجلات الأطفال وخصوصياتهم، وأن الدستور يكفل حقوقهم – ولكنه يخشى أن الأمور قد خرجت عن السيطرة – مما يخاطر بسلامة زملائه ومعلميه. وكما يقول: “هل تريد أن تعرف ما إذا كان ابن المجرم تشارلي مانسون قد التحق للتو بمدرستك؟ دعونا نوسع الشبكة”. “لنجلب قاضي محاكم الأحداث والأسرة، ودعونا نستعين بالخدمات الاجتماعية – وهي شبكة كاملة من الناس التي يجب أن تبدأ العمل معاً بعناية أكبر”.

عندما تفشل محاولات كل من الوالدين والجيران والمدرسة تبقى هناك محطة أخيرة: الدولة.

كما ذُكر أعلاه، فإن لدى بعض الدول قوانين إنذارية، والتي تسمح للشرطة بمصادرة الأسلحة بشكل مؤقت من أي شخص يعتقد كونه خطر. علاوة على ذلك، وبمقتضى القانون الفيدرالي وبعض القوانين الحكومية، يمكن للدول اعتقال ومقاضاة أي شخص يتسبب في “التهديدات الإرهابية”. ولكن، كما تقول مارشا ليفيك في مركز قانون الأحداث، فمن الصعب تقييم هذه الأمور: فما هو التهديد الإرهابي؟ تقول ليفيك أن التهديد الإرهابي هو أي بيان يهدف إلى إحداث الخوف أو الأذى. “ولكن كيف نحدد هذا؟” هل كان يعد ما نشره نيكولاس كروز على وسائل التواصل الاجتماعي حينما قال إنه يتطلع إلى أن يكون “منفذ محترف لعمليات إطلاق النار في المدارس” خطيراً أو محدداً بما فيه الكفاية ليتسبب في اعتقاله؟ أم هل تعد صور الضفادع المذبوحة التي نشرها على إنستجرام أو كتاباته التي صرح فيها “أريد قتل الناس” كافية لذلك؟ تقول ليفيك، بعد أن أدركت الأمر متأخراً، أن هناك نمطاً للسلوك التهديدي الذي قد يكون مستوفيًا للمعايير. ولكن من وجهة النظر الفردية، فإن حتى تلك الإشارات التحذيرية قد لا تؤدي إلى إلقاء القبض.

أما بالنسبة إلى منفذي عمليات القتل الآخرين، بما في ذلك المعتدون في سانتا في وكولومباين وساندي هوك وفيرجينيا تك، لم يكن لدى الشرطة أسباب للإلقاء القبض، حيث أن الجناة لم يقوموا بتوجيه تهديدات محددة وذات مصداقية ووشيكة.

عمليًا، فإن كل من تحدثت معه، سواء كان من مكتب التحقيقات الفيدرالي أو الباحثين الأكاديميين، أخبرني أنه يكاد يكون من المستحيل إيقاف من عقد العزم على إطلاق النار. فلطالما كانوا يسبقوننا بخطوة خلاقة. بطريقة أو بأخرى، كان ديمتريوس باجورتزيس مختلفاً عن سابقيه من منفذي عمليات إطلاق النار: فقد استخدم بندقية والده، بدلاً من استخدام سلاح نصف آلي – رغم أن باجورجتز جعل البندقية أكثر فتكاً عن طريق استخدامه لرصاص معين. في حالات أخرى – مثل مدرسة ستونمان دوغلاس الثانوية في باركلاند في ولاية فلوريدا، وجامعة فرجينيا للتكنولوجيا، ومدرسة ساندي هوك الابتدائية في نيوتاون في ولاية كونيتيكت – كان المسلحون يستخدمون أسلحة نصف آلية لتسفر المذبحة عن المزيد من البشاعة. من المستحيل منع شاب ما من سرقة بنادق والده التي يملكها بشكل شرعي؛ لكن خبراء مثل مايكل كالدويل يقولون إن تقييد بيع الأسلحة نصف الآلية سيؤدي إلى الحد من المذابح.

يقول مايكل كالدويل، وهو أستاذ في جامعة ويسكونسن: “قد لا يقلل ذلك من عدد الحوادث، لكنه سيقلل من عدد الوفيات”، ليس فقط لأنه سيخفف من حدة الجروح، ولكن بسبب أن الرصاص الذي تطلقه البنادق من طراز AR-15 تعد أكثر فتكاً بكثير. “ليس عليك ضرب شخص ما مباشرة لقتله، إذ أنك إن أصبت شخص ما في جذعه فسوف تقتله”.

تابعت إحدى الدراسات عمليات إطلاق النار في المدارس في ثلاثين بلدًا – حوادث قُتِل فيها شخصان أو أكثر. وقعت نصف حوادث إطلاق النار في الولايات المتحدة. مع الأخذ في الاعتبار أن الأمريكيين، وفقًا لبعض الدراسات، ليسوا أكثر اضطرابًا عاطفيًا من الآخرين في أوروبا وكندا، والفرق الواضح هو البنادق. إذ أن الأطفال خارج الولايات المتحدة، كما يقول ديوي كورنيل “لا يمكنهم الوصول إلى بنادق الـAR-15 أو الـGlocks أو غيرها من الأسلحة التي يمكن لأطفالنا الوصول إليها”. ويضيف: “هذه المشكلة غاية في الوضوح، وهي واضحة للباحثين في هذا المجال، كما أنها واضحة للناس في البلدان الأخرى. إلا أنها لسبب ما ليست واضحة لرجال السياسة عندنا”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك