التسويف: المرض العضال [مترجم]

13 مايو , 2016

التسويف والميل إلى المماطلة، داء يمس “حوالي 50٪ من الطلاب، مقابل 30٪ من الأفراد البالغين، وفقًا للدراسات القليلة التي أجريت حول هذه المسألة” حسب الطبيب النفساني “Bruno koeltz”. ووفقًا لعالمة النفس بريجيت بروت، التسويف هو المشكلة الأكبر التي تواجه الشباب خلال مسيرتهم المدرسية والجامعية إذ تقول: “خلال السنوات العشر الماضية، أصبحت التكنولوجيات الحديثة تسرّع الزمن وتأسس لسيطرة “الفورية” في ظل الضغوطات النفسية”، وقد أدت هذه الظاهرة إلى انخفاض الإنتباه والتركيز، خصوصًا عند أولئك الذين لديهم منذ البداية مشكلة في إدارة وقتهم، وتضيف عالمة النفس: “يكمن الخطر في أن تبتلعك هذه الظاهرة رغمًا عنك دون أن تجد لها علاجًا”.

برامج ضد التسويف

وردً على هذه الظاهرة المستشرية، تم إطلاق العديد من البرامج، قام الشاب الأمريكي Charlie Stigler وهو مطور لتكنولوجيا المعلومات بإنشاء برنامج أطلق عليه اسم “ضبط النفس” كحل لداء التسويف الذي يلازمه.

يقول ثيو، طالب فرنسي، ماجستير علوم سياسية في لندن: “من المفارقات أني وجدت هذا البرنامج بينما كنت أبحر في شبكة الأنترنت، أحسست فجأة بتأنيب الضمير بعدما كنت أتنقل لثلاث ساعة من فيديو إلى آخر على موقع اليوتيوب بدلًا من مراجعة الإمتحان، وقلت لنفسي أنه لا يعقل أن يستمر هذا الوضع”.

يكفي أن تُثبّت هذا البرنامج على حاسوبك ليطلب منك مباشرة المواقع التي تريد أن تحجبها خلال فترة معينة، يضيف ثيو: “في البداية لم أضع على القائمة السوداء سوى ثلاث مواقع التي أرى أنها الأكثر مضيعة للوقت وهي الفيسبوك واليوتوب و…، ولكن سرعان ما قمت بتمديد هذه القائمة”، والآن أضاف ثيو أكثر من خمسة عشرة موقعًا يمنع نفسه من زيارتها أثناء فترات المراجعة إذ يتحدث متحمسًا: “منذ عامين وأنا أستخدم برنامج ضبط النفس وتستمر القائمة السوداء لدي في التوسع، أضفت المواقع الإخبارية والمنتديات وحتى ويكيبيديا، أعتقد أن لدينا ميل قهري إلى “الإفراط في مشاهدة” (ممارسة مشبهة بالمرض الذي يتمثل في ابتلاع العديد من حلقات المسلسلات والفيديوهات بطريقة متواصلة)”.

بمجرد إطلاق البرنامج يصبح من المستحيل تشغيل المواقع المدرجة بالقائمة، إعادة تشغيل جهاز الكمبيوتر أو حتى إزالة برنامج ضبط النفس لا ينفع، فقط يجب الإنتظار حتى نفاد الوقت المحدد للإفراج عن المواقع المؤمنة.

ولكن أن تفرض قيودًا على ميولك إلى الإسترخاء واللهو لن يعالج الأمر، “المشكلة مع برنامج ضبط النفس أنه يعمل بشكل آلي، أحيانًا لا أملك القوة الذهنية لإطلاقه، أنا مبدع في اختلاق طرق أخرى للتسويف” هكذا انتقد الطالب البرنامج.

إخفاء جرة المربى

يبقى الطبيب النفساني “Bruno koeltz” أيضًا من المشككين في قدرة هذا البرنامج على مساعدة المماطلون دون الإستناد على أي أساس علاجي نفسي: “أراها بالأحرى مواد مساعدة قد ينفع استخدامها كطرق للتحذير، أصل المشكلة يكمن في القلق من مواجهة مهمة نظن أن التغلب عليها أمر مستحيل، الخوف من أن لا نكون في المستوى المطلوب، هروبنا نحو المهام البسيطة التي تعطينا مزيدًا من المتعة يعتبر اضطرابًا عاطفيًا ولكي نستطيع التعامل معه لابد في البداية أن نكون على علم بوجوده، يمكن لمثل هذه البرامج أن تساعدنا على ذلك”.

تبنى جون فيليب لاشو، مدير الأبحاث في INSERM نفس هذا التحليل: “البرامج التي تحجب المواقع تعمل بنفس مبدأ إخفاء جرة المربى، مثل هذه البرمجيات لا تحل محل عمل على المدى طويل على معالجة أسباب الإلهاء وعدم القدرة على التركيز”.

يرى طبيب الأعصاب أنه من الضروري أولًا فهم آلية التركيز والاهتمام لدى الإنسان لنتمكن من تفسير سبب النقص في هذه الآلية وتشتت التركيز، “عندما تتعد المهام التي علينا إدارتها في نفس الوقت، نضع النظام التنفيذي للدماغ أمام اختبار صعب”، يقع هذا الجزء في الفص الجبهي، ويعتبر “قائد الأوركسترا”، فهو المسؤول عن التخطيط للأفعال وإدارة الإهتمامات، ويشرح الدكتور ذلك: “ليقوم الإنسان بعمل ما، عليه أن يركز على مهمة واحدة في وقت واحد، على الدماغ أن يفكك المهمة المركبة والمعقدة إلى مهام فرعية مبسطة لتسهيل تطبيقها”.

يقترح الدكتور على الأشخاص المماطلين أن يستخدموا البرامج المساعدة للنظام التنفيذي للدماغ على غرار برنامج “Omnifocus”، هذا البرنامج يساعد على إدارة المهام إذ يسمح لك بتنظيم الأنشطة اليومية على أساس العوامل كالزمان والمكان والسياق، ثم يجب أن تقسم المهام إلى مهام فرعية وتحديد الأولويات بنفس الطريقة التي يعمل طبقها الدماغ، وهناك طريقة رائعة لمحاربة المماطلة وهي مواجهة المهام الفرعية والسهلة والانتهاء منها عوض البدء بالمهام المعقدة أو التعامل مع مجموعة من المهات في وقت واحد.

يستنتج الدكتور جون فيليب لاشو: “هذا النوع من البرامج يخفف الذاكرة المستقبلية، يخطط للمهام المطلوب تنفيذها في المستقبل القريب، ويطور مهارة الإنتباه، مما يتيح التركيز فقط على المهام ذات الأولوية”.

تطوير الإنضباط في الحياة والصحة العملية

لهذا الغرض التنظيمي والإنتاجي، استخدم فابيان، وهو طالب في جامعة السوربون (باريس الرابعة) مرارًا وتكرارًا برنامج إنقاذ الوقت “Rescue Time”، يقول: “عندما يكون لدي الكثير من الواجبات التي تنتظرني، أميل إلى تجاوزها بسرعة، أنا لست من من يقدر على إدارة مهام عديدة في نفس الوقت لذلك أنا أفضل أن أقسم وقتي للعمل والتركيز على مهمة تلو الأخرى”، برنامج “Rescue Time” يمكنك من تنظيم أنشطتك والسيطرة على الوقت الذي تقضيه أمام الشاشة في استخدام تطبيق ما أو موقع معين، وينتقد فابيان هذا الحل: “لكن من ناحية أخرى، أنا لا أعتقد أن هذا البرنامج قادر على التغلب على إدماننا على التكنولوجيا لأنه في حد ذاته يمثل جزءًا من ترسانة التكنولوجيا التي تحيط بنا”.

بالنسبة لـ “Bruno koeltz” التسويف يتجاوز نطاق الوسائط المتعددة والتكنولوجيا، إذ يلاحظ أنه إذا تم حظر جهاز الكمبيوتر الخاص بنا، يمكننا أن نؤجل الأعمال المهمة دائمًا من خلال قراءة الروايات أو القيام ببعض الرياضة أو ترتيب الغرفة، ويوصي بتطوير الإنضباط الحقيقي للحياة والمحافظة على الصحة العملية.

“يحتاج الإنسان إلى أكثر من مجرد الانفصال الظاهري عن مصادر التسويف بل هو في حاجة إلى إنفصال جسدي.، أوصي بإيجاد بيئة خالية من كل وسائل الترفيه والمماطلة للحصول على التركيز، لذلك لا توجد وصفة سحرية للتخلص من التسويف إنما هو اختيار شخصي للغاية فالبعض يشعرون بمزيد من الراحة في هدوء المكتبات أو غرف المعيشة، والبعض الآخر يجد التركيز داخل ضوضاء المقهى أو حركة القطار”.


مقال مترجم عن جريدة لومند الالكترونية: المقال الأصلي



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك