التعليم هو الجهل

21 يناير , 2017

كثيرًا ما يدعى ” نعوم تشومسكي” أنه المفكر العام الأبرز في العصر  الحديث، ولكنه يؤكد مرارًا وتكرارًا أن كتاباته السياسية يمكن فهمها بسهولة من قِبل العامة، لأن المسألة ببساطة تعتمد على الحصول على المعلومات الدقيقة، والتي من الصعب حدوثها عن طريق وسائل الإعلام التقليدية أو نظم التعليم السائدة.

هذا المقتطف المُترجم لحوار بدأ بسؤال من الصحفي ” دافيد بارساميان ” حول تسامح واحتمال تشومسكي للأسئلة التي تبدو وكأنها صادرة من أناس جهلاء.

 

دافيد: تبدو صبورًا بشكل كبير مع الناس، خاصة هؤلاء الذين يقومون بطرح أسئلة تافهة وسطحية، هل هذه عادة طورتها في شخصيتك؟

تشومسكي: الشيء الوحيد الذي يثير غضبي وضيقي هو النخبة المثقفة، ما يقومون به يجعلني بحق في حالة ضيق. لا ينبغي علي الغضب، ينبغي علي توقع أفعالهم، لكنني لا أستطيع.

من ناحية أخرى الأسئلة التي تصفها بالتافهة، تبدو لي تساؤلات صادقة تمامًا، فالناس ليس لديهم   أي سبب لتصديق أي شيء إلا ما يقولونه، فعندما تفكر في شخصية المتسائل، المكان الذي جاء منه، والتجربة والظروف التي تعرض لها، ستجد أن سؤاله منطقيٌّ وذكي جدًا.

هناك جهود ضخمة تُبذل من أجل صنع البشر على صورة المقولة الشهيرة لآدم سميث ”  غبي وجاهل كما يُمكن للإنسان أن يصبح  “، الكثير من الأنظمة التعليمية تم تصميمها لذلك الغرض إن تأملت الأمر، ستجد أنها مُصممة للطاعة والسلبية، فمنذ الطفولة صُمم الكثير منها لمنع الناس من أن تكون مستقلة وخلاقة، فإذا كنت ذا تفكيرٍ مستقلٍ في المدرسة، ستصبح بصدد الدخول في العديد من المشاكل في وقت مبكر جدًا، وهذه ليست السمة المفضلة أو التي يرغبون في حصادها في المدارس.

 

تشومسكي

 

دافيد: في محاضرة ألقيتها في شيكاغو، قمت بالاقتباس عن برتراند راسل حول التعليم، وقلت أنه روّج لفكرة ألا ينبغي علينا النظر للتعليم باعتباره عملية ملء وعاء فارغ بالماء، ولكنه مساعدة للزهرة على النمو بطريقتها الخاصة.

تشومسكي: هذه هي فكرة القرن الثامن عشر، لا أعلم إن عَلِم عنها راسل، أو أعاد اختراعها ولكنك تقرأها كمعيار في الأدب التنويري في وقت مُبكر، هذه هي الصورة التي كانت تُستخدم.

كان رأي هومبولت (مؤسس الليبرالية الكلاسيكية) أن التعليم هو رسم طريق لمهارات يطورها الطفل بطريقته الخاصة مع إمكانية قيامنا ببعض التوجيه، وهذا هو ما يجب أن يصبح عليه التعليم من المراحل الأولى في رياض الأطفال وحتى الدراسات العليا، وهذا ما يحدث في العلوم المتقدمة لأنه لا يمكن القيام بالأمر إلا بهذه الصورة، ولكن أغلب الأنظمة التعليمية مختلفة تمامًا عن هذه الفكرة. فقد تم تصميم نظام التعليم العام لتحويل المزارعين المستقلين لأفراد مُنصاعين، مجرد أدوات للإنتاج. كان هذا هو الهدف الرئيسي، ولا تتخيل أن الناس لم تكن على علم بهذا، بل كانوا يعلمون جيدًا وقاتلوا ضده، وكانت هناك الكثير من المقاومة للأنظمة التعليمية العامة لهذا السبب.

كما أدركت النُخبة هذا الأمر مُبكرًا أيضًا، فقد قال إيمرسون ذات يوم شيء ما عن كوننا نُعلمهم لنُبعدهم عن أعناقنا، إن لم تقمْ بتعليمهم، ما نسميه نحن “تعليم” فسيقومون بالسيطرة، ويتحولون لما سماه إلكسندر هاملتون “وحوش عظيمة” هذه الوحوش التي يقصدها هي الشعب.

لذلك ترى أن التوجه المعادي لديمقراطية الرأي فيما يُسمى المجتمعات الديمقراطية شرس جدًا، ويحدث هذا لسبب وجيه، فكلما زاد مقدار الحرية في المجتمع، كلما أصبح أكثر خطورة وأصبح من الصعب تقييده.

أشار سام باولز و هيرب جينتيس وهما اثنان من الخبراء الاقتصاديين، في عملهم عن نظام التعليم الأمريكي في بعض السنين الماضية إلى أنه مُقسم إلى فئات؛

الجزء الذي يتم توجيهه إلى مجتمعات العمال  وعموم الشعب ، وقد صُمم بحيث يهدف لفرض الطاعة، لكن الجزء الذي يتم توجيهه إلى النُخبة لا يُمكن أن يُصمم بهذه الطريقة، فلابد أن يسمحوا ببعض الإبداع والاستقلال وإلا لن يستطيعوا أن يجنوا المال بشكل جيد.

تستطيع أن ترى نفس الشيء في الصحافة، لهذا السبب أقوم بقراءة صحيفة وول ستريت و فاينانشيال تايمز و بيزنس ويك، لأنهم لا يملكون سوى قول الحقيقة.

هذا التناقض موجودٌ في الصحف العامة كذلك، فتجد على سبيل المثال النيويورك تايمز والواشنطن بوست لديهم وظائفٌ مزدوجة ومتناقضة، فمن ناحية يقومون بإخضاع الوحوش العظيمة في نفوس الشعب، ولكن من ناحية أخرى عليهم منح جمهور النخبة صورة واقعية صحيحة عما يحدث في العالم، وخلاف العمل بهذه الطريقة لن يكونوا قادرين على تلبية احتياجاتهم الخاصة، وهذا هو الفكر الذي يدير النظام التعليمي كذلك.


مقال مُترجم مُقتبس من Class Warfare, 1995, pp. 27-31 خاص لسينما زدني 

مصدر المقال

Schooling the World – Essays :Education is Ignorance

اقرأ أيضًا

من هو مخترع المدارس؟



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك