الثُقب الأخلاقي الكامن في صُلب الأكاديمية

15 مارس , 2017

يُعد التحكيم الأكاديمي القاعدة الذهبية للنشر العلمي، وعادة ما يُنظر إلى النشر العلمي باعتباره واحدًا من أهم مؤشرات الأداء في الجُهد العلمي، ويشكل هذا المؤشر ضغطًا على الباحثين، وقد أفضى إلى موقفٍ أصبح من الممكن فيه أن تُطبع أي ورقة علمية في مجلة تدَّعي أنها مُحكَّمة.

في بعض الحالات، أصبح مطاردة مؤشرات الأداء تلك وإحراز معامل تأثير أعلى أصحبت تلك الأولوية الرئيسة على حساب الجُهد العلمي الفعلي، أحيانًا ما تُفضي الحاجة إلى العيش، والحاجة إلى تحقيق مؤشرات أداء جيدة، والحاجة إلى تلقِّي تمويل، إلى تبنّي سلوكيات غير مقبولة فيما يتعلق بالنشر، كما يمكن للطموح الشخصي الزائد هو الآخر أن يُلقي بظلاله على هذه السلوكيات.

 

هل سمعت عن الناشرين أو المجلات الاستغلالية؟

يفرض هؤلاء الناشرون أو المجلات رسومًا على المؤلفين من أجل نشر أوراقهم العلمية بدون تحكيمها، وقد أصبح عددهم في تزايد، كما يمكنك إيجاد قائمة محتملة أو مرجحة بالناشرين والمجلات ذات الوصول الحر الاستغلالي من خلال “الوصول الحر الأكاديمي Scholarly Open Access

كيف يفكر المجتمع الأكاديمي إزاء هؤلاء؟

تُظهر الإجابات على مقالة قصيرة حول الناشرين الاستغلاليين كتبها يوليوس كرافيار أن بعض الأكاديميين على دراية بهؤلاء، لكن بعضًا آخر لم يسمع بهم مُطلقًا.

آخرون كانوا على دراية بالأمر، لكنهم ألقوا بتعليقاتٍ من قبيل: “لحسن الحظ، يظهر هذا البلاء بين زملائنا بصورة متقطعة حتى الآن” أو “إن وحوش عصر أنشر أو اندثر لديها تجسُّدات عديدة.”

 

جاءت بعض التعليقات على النحو التالي:

– “لسوء الحظ، تُعد هذه مشكلة خطيرة حقًّا؛ لأن العديد من الناس يقعون أسرى الخداع كل عامٍ من قِبل مجلات تدَّعي أن لديها معامل تأثير، وغير ذلك من الأمور، وفي رأيي يعود نجاحهم جزئيًّا إلى عملية النشر شديدة البطء للمجلات الكبيرة، إن نشر قائمة سوداء بتلك المجلات وإحاطة المجتمع الأكاديمي بها يُعد خطوة جيدة في الحرب ضد الناشرين الاستغلاليين”.

– “إنها مشكلة حقيقية، ترجع المشكلة إلى أنه على المرء أن يحقق قدرًا معينًا من عمليات النشر كي يحصل على درجة أعلى إذا كان ثمة طلب، سيكون هنالك عرض، وهو ما من شأنه أن يخلق سوقاً”.

– “هنالك الكثير من الفساد والخداع”.

– “لا أفهم بكل أمانة لماذا نستخدم تقنيات وعمليات نشأت في القرن السابع عشر كي ننشر أبحاثنا في القرن الحادي والعشرين، إن الناشرين الاستغلاليين يستحوذون على ما تبقَّى من النشر في المجلات”.

 

تجاوز المعايير

يشكل النشر الاستغلالي تهديدًا على المجتمع الأكاديمي لأنه سلوك فاسد غير أخلاقي، ففيما يخص الأكاديميين، يُعد ذلك طريقًا لنشر نتائجهم عبر تجاوز معايير النشر الأكاديمية، أما فيما يخص المؤسسات الممولة حكوميًّا، وهي التي تتلقى دعمًا بناءً على أنشطتها في مجال النشر، يعني ذلك الأمر أن دافعي الضرائب سيتحمّلونها ضعفين.

تقول ديبورا فيبر-فولف، أستاذة الإعلام والحوسبة في جامعة HTW للعلوم التطبيقية ببرلين: “يُمثل الأمر بالفعل خطرًا جسيمًا، ومع الوقت يصبح من الصعب التمييز بين الناشرين الاستغلاليين والناشرين العاديين” .

ومع ذلك يُمثل النشر الاستغلالي بُعدًا واحدًا فقط من المشكلة؛ فهناك طُرُقًا أخرى يتم من خلالها تجاوز المعايير المحددة؛ إذ لا يُعد الفشل في نظام التحكيم أمرًا غير شائع الحدوث، على سبيل المثال، فالتحكيم في بعض المجلات ’الجيدة‘ يميل إلى المحسوبية والمحاباة ومراعاة الزمالة وغيرها من الأمور، وأصبح من المعتاد أن يكون المسئولون عن جودة النشر في المجلات “الجيدة” باحثين من الدرجة الثانية، والذين باتوا ’محررين‘ عادةً ما يولون مزيدًا من الاهتمام للشكل على حساب المضمون.

إن الوضع يزداد سوءًا، إلى أين إذن يتجه مجال النشر الأكاديمي؟ ربما ينبغي على المجتمع الأكاديمي أن يقوى على تقييم جودة العمل الأكاديمي بدون الحاجة إلى ناشرٍ يقوم بدور الوسيط، أما إذا لم يتمكنوا من ذلك، تصبح هناك مشكلة بالضرورة.

هل هناك أي علاج ناجع يلوح في الأفق؟ إن سياسة “أنشر أو اندثر” إلى جانب قوى العَرْض والطَّلَب في السوق في ظل غياب الآداب والأخلاقيات تحمل أثرًا “سرطانيًّا” يعتري المجتمع الأكاديمي، ويتفشى في كامل جسده، والسبيل لمكافحة هذه الآثار يكمن في مناشدة ضمائرنا وأخلاقنا، وفي حين أنه من الطبيعي أن توجد بعض الانحرافات ضمن أي نظام، إلا أن الأمر يبدو اليوم وكأن تلك الانحرافات قد استحوذت على المشهد بأكمله، فهل يمثل ذلك نذير قلق؟

 

أفكارٌ وليست سِلَعًا:

ما الذي نحتاجه إذن؟ إن نظام نشر الأوراق الأكاديمية الحالي بحاجة إلى أنموذج جديد، فوفقًا لإيفان كلينك، وهو اقتصادي وعالم مستقبليات في أكاديمية العلوم السلوفاكية، فإن “الأزمة العالمية قد خلقت طلبًا على الحلول الجديدة المبنية على نظرياتٍ اقتصاديةٍ طُوِّرت استنادًا إلى أنموذج جديد، أنموذج يسمح لنا بفهم الاقتصاد ككل، غير مقسمٍ، أي بوصفه نظامًا فرعيًّا عن نظم أسمى للطبيعة وللكون، بالإضافة إلى عودة الأخلاقيات للأنظمة الاقتصادية عند كل مستوياتها”.

 

ما الذي نملك القيام به في الوقت الحالي؟

يحتاج الأكاديميون والنشر الأكاديمي لأن يتمتعوا بالحصانة ضد الضغوط الْمُمارسة عليهم لإنتاج كميات هائلة من الأوراق العلمية، ينبغي على الأكاديميين أن يتحلَّوا بالتحكم في الذات بشكلٍ صارم فيما يخصُّ جودة أبحاثهم ومنشوراتهم.

أما المؤسسات التي توظف الأكاديميين فتحتاج لمقاومة إغراء المساهمة في هذا الضغط الْمُمارس ضدهم، وأن تسلط الضوء بدلًا من ذلك على الأثر الذي يحمله هذا الأمر، كما عليها أن تضغط على المسئولين عن الأموال العامة كالحكومات والوزارات وغيرها لتتحقق إعادة توزيع الموارد العامة استنادًا إلى الجودة وليس الكم.

قد تكون الحُجة الأساسية هنا أن العلم لا يُنتج سلعًا بقدر ما يولِّد أفكارًا، أفكارًا تؤثر مباشرةً على تطور الحضارة.

حتى النظام الأمثل قد يفقد قيمته إذا لم يعمل على نحوٍ أخلاقي، ويبدو أننا سنحتاج إلى “تجديد” ميثاقنا الأخلاقي على طريقنا لإيجاد نظام جديد لنشر الأبحاث العلمية.

 

المقال الأصلي

The ethical hole at the centre of ‘publish or perish’



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك