مترجم: الرياضيات هي كل شيء

3 فبراير , 2016

بدافع الحب الشديد لهذا العلم قررت أن أخصص له جزءًا من وقتي وجهدي في الكتابة والترجمة عن تطبيقاته وفوائده وتدخلاته في حياتنا اليومية وفي التعليم، في مقال سابق تطرقت لنصائح لتدريس الرياضيات، أما اليوم وقع اختياري على هذا المقال المُترجم لمقطتف من كتاب “ماكس تيج مارك – Max Tegmark” والذي يقترح فيه بأن واقعنا لم يتم وصفه فقط عن طريق الرياضيات، بل هو من صنع الرياضيات نفسها!

 

كيف يفسر هذا الأمر؟ دعونا نتعرف على رؤيته في السطور القادمة.

 

المقال مترجم عن مقال:  Everything in the Universe Is Made of Math – Including You

في صباح يوم الجمعة في “برنستون”  وجدت هذا الكنز في بريدي الإلكتروني المُرسل من أحد أستاذتي بعنوان (رسالة يصعب كتابتها) وحملت هذه الكلمات:
” عزيزي ماكس:
أوراقك البحثية الخرقاء هذه لن تفيدك، لقد جلبت لنفسك سوء الحظ بإرسالها للجرائد ونشرها، لتمحوا بهذا الفعل الجانب المضحك منها، وبحكم كوني رئيس تحرير أحد المجلات الرائدة، لم أكن لأسمح بنشر مثل هذه التراهات أبدًا.
قد لا يكون هذا الأمر هامًا بالنسبة لك، ولكن بعض الزملاء يرون أن هذا الجانب من شخصيتك يحمل نذير شؤم للمستقبل.
نصيحتي لك أن لم تفصل بين هذه الأنشطة وأبحاثك الجادة -ومن الأفضل القضاء عليها تمامًا- ربما سينتهي بك الأمر في إحدى الحانات.”

لقد تلقيت ردودًا صادمة من قبل، ولكن هذه المرة كان الأمر كتحقيق رقم قياسي شخصي جديد، أعدت توجيه الرسالة إلى والدي والذي يعد مصدر وحي وإلهام بالنسبة إلي، وكان رده كالتالي: “اتبع المسار الخاص بك، ودع الناس يتحدثون”.

لقد وقعت في غرام الفيزياء، بسبب إفتتاني بالأسئلة الكبرى التي أبحث لها عن إجابة، ولكن بدا واضحًا لي إنه إذا أتبعت قلبي فقط ستصبح مهنتي القادمة عامل في أحد المطاعم، لذلك طورت استراتيجية خاصة بي وأطلقت عليها “دكتور جيكل والسيد هايد” – اسم رواية شهيرة – لأستغل بها ثغرة اجتماعية في حياة ما بعد العمل، فبعد إنتهاء الدوام كل ما تفعله يخصك أنت، ولا يؤثر بشكل سلبي على يوم العمل.
لذلك رسميًا عند سؤالي عن طبيعة عملي من المسؤلين الأعلى سلطة كنت أتحول لشخصية الدكتور جيكل وأجيبهم بإنني أقوم بعمل أبحاث تخص المواضيع الرئيسية في علم الكونيات، ولكن سرًا عندما أصبح وحيدًا أتحول للسيد هايد الشرير لأقوم بفعل ما يرشدني قلبي إليه فعلاً.
نجحت هذه الاستراتيجية في تخطي ما يفوق تصوراتي بشأنها، ولقد كنت سعيدًا حقًا بقدرتي على إيجاد عمل بدون التوقف عن التفكير والعمل على إهتماماتي الحقيقية.
والآن كأستاذ لعلم الفيزياء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أشعر بأن علي دين يجب تسديده للمجتمع العلمي، بمنحي الفرصة للباحثين الصغار لإفساح المجال للسيد هايد بداخلهم وتشجيعهم للخروج عن الحدود الأكاديمية قليلًا.

والآن بالعودة للرسالة السابقة، ما هي الأبحاث التي كادت أن تنهي على مستقبلي في نظر أستاذي؟
لقد كانت تدور حول فكرة رئيسية، وهي أن عالمنا المادي هو كائن رياضي عملاق!
كيف هذا؟

رياضيات، رياضيات في كل مكان!!

ما هي الإجابة للسؤال الأعظم عن الحياة؟ الكون؟ كل شيء؟!
في السلسلة التلفزيونية الساخرة للكاتب دوجلاس آدامز “دليل هتشكوك للمجرة” كانت الإجابة على هذا السؤال هي الرقم
(42).
وجدت بعدها أن ما كتبه آدامز مازحًا كان أقرب للواقع، فلقد لعبت الرياضيات دورًا لافتًا في فهمنا المتزايد للكون.
فكرة أن كل شيء في عالمنا يرجع للرياضيات، كانت مطروحة للنقاش بين علماء الفيزياء والفلاسفة في اليونان القديمة منذ عهد فيثاغورت، وأمتدت بعدها لقرون عديدة.
وفي القرن السابع عشر ذكر العالم “جاليلو” أن الكون هو كتاب كبير مكتوب بلغة الرياضيات.
وفي العصر الجديث قام الجائز على جائزة نوبل لسنة 1960 “يوجين فيغنر Eugene Wigner”
بإثارة الجدل حول “تأثير الرياضيات غير المعقول في كل العلوم الطبيعية”، وطالب بإيجاد تفسير لهذا الأمر.

قريبًا سوف نكتشف شرحًا أعمق لهذه الفكرة، ومع ذلك نحن بحاجة أولًا لتفسير ما نحن بصدد محاولة إكتشافه، من فضلك توقف عن القراءة لدقائق بسيطة وانظر حولك، أين هذه الرياضيات التي نتحدث عنها؟
أليست الرياضيات تدور حول الأرقام؟ ربما يمكنك إكتشاف بعض الأرقام هنا وهناك، على سبيل المثال: رقم الصفحة التي تقرأ بها هذا المقال، ولكن، هذه في النهاية هي مجرد رموز اخترعها ورسمها الناس، بالكاد يمكننا القول إنها تعكس كون عالمنا مؤلف من الرياضيات!
مرة أخرى انظر حولك وحاول رؤية أي شكل هندسي مثل الشاشة المستطيلة التي تقرأ عليها هذه السطور، ولكن! هذه الأشكال هي من تصميم الإنسان، لذلك لا يعول عليها.
إذن ماذا إن قمت محاولة رمي “حصاة” في الهواء؟ الآن يمكنك مشاهدة الشكل الجميل الذي تصنعه الطبيعة لمساره.
عندما تقوم بإلقاء أي شيء تلاحظ تكرار نفس شكل المسار له، هذا الشكل يسمى القطع المكافيء رأسًا على عقب.
عندما نلاحظ كيف تتحرك الأشياء في مدارات حول بعضها في الفضاء نكتشف شكل متكرر آخر يسمى القطع الناقص، وعلاوة على هذا، نجد أن هذه الأشكال ذات صلة ببعض، فإذا قمنا برسم قمة أو رأس القطع الناقص بشكل محدود جدًا سنجدها تقريبًا مماثلة لشكل القطع المكافيء، لذلك كل هذه المسارات في النهاية هي أجزاء من القطع المكافيء.
أكتشف البشر تدريجيًا عدة أنماط وأشكال متكررة في الطبيعة، والتي لا تشمل فقط الحركة والجاذبية، ولكن أيضًا الكهرباء، المغناطيسية، الضوء، الحرارة، الكيمياء، النشاط الإشعاعي، والجسيمات دون الذرية.
وتتلخص هذه الأنماط من خلال ما نسميه قوانين الفيزياء، وكل هذه القوانين يمكن وصفها باستخدام المعادلات الرياضية، والمعادلات وحدها ليست هي التي يمكن استخدامها لوصف الرياضيات في الطبيعة فقط، الأرقام أيضًا، وهنا لا أتحدث عن الأرقام التي تراها على صفحات المجلات لتحصي عدد الصفحات، بل الأرقام التي تُعد من الخصائص الأساسية لواقعنا المادي.
على سبيل المثال، كم عدد الأقلام التي يمكنك ترتيبها بحيث يصبحوا جميًعا بشكل عمودي فوق بعضهم البعض؟
الجواب هو 3، عن طريق وضع كل واحد منهم على طول الحواف الموجودة بالغرفة التي تجلس بها (أي قلم على الحافة السفلية للأرض، قلم على الحافة الرأسية للحائط، وقلم على الحافة العموية بين الأرض والحائط).
حسنًا، من أين جاء هذا العدد 3؟

هذا العدد يمثل الأبعاد الثلاثية للفراغ (بُعد رأسي، بُعد أفقي، بُعد عمودي)، ولكن لماذا هناك 3 أبعاد فقط؟ لماذا ليس 4 أو 2 أو 42؟!
هناك شيء ما رياضيّ بشدة عن الكون الذي نحيا به، وكلما ننظر بعناية كلما نجد المزيد من الرياضيات أمامنا، ماذا نصنع بها إذن؟
معظم زملائي الفيزيائيون يعتبرون أن بشكل ما أو بآخر يتم وصف الطبيعة بواسطة الرياضيات، ويتركون الأمر عند هذا الحد، ولكن أنا مقتنع بأن هناك أكثر من هذا، لذلك دعونا نرى إن كنتم تعتقدون أن أستاذي محق في رأيه، أم أن لكم رأيًا آخر فيما أقول؟

عند هذا الحد أترككم للتفكير في الإجابة عن سؤال عزيزنا “ماكس” ولنستكمل معًا رحلتنا في إكتشاف عالمنا عن طريق الرياضيات في الجزء الثالث من هذه السلسلة في المقال القادم.

 

“فرضية الكون الرياضي”

كنت قد فُتنت بالأحجيات الرياضية في المرحلة الثانوية، وفي أحد الليالي في سنة 1990 بينما أتناقش مع صديقي “بيل بوارييه” عن التكهنات حول طبيعة الكون النهائية، خطرت لي تلك الفكرة، الواقع لا يتم وصفه عن طريق الرياضيات، بل هو الرياضيات!

البداية كانت مع فرضية الواقع الخارجي، والتي تذكر إنه يوجد واقع مادي خارجي مستقل تمامًا عنا.

عندما تقوم بتعقب نتائج لنظرية وترغب بشرحها تستحدث مصطلحات تسهل عليك شرح المفاهيم التي تمثلها، (بروتون، خلايا، نجوم، .. إلخ) وقس على ذلك العديد من المصطلحات العلمية التي تحمل صورة ذهنية لما تمثله في ذاكرتنا، ومع ذلك علينا أن نتذكر دائمًا أن هذه النظريات والحسابات التي نجريها من أجل الحصول على نتائج لها مازالت موجودة بدون إستخدام هذه المسميات أو المصطلحات التي تفسرها.

وبإفتراض أنه يوجد واقع مستقل عن البشر كالفضائيين مثلًا، ورغبنا في شرح هذه المفاهيم الكونية له، يجب أن تكون هذه المفاهيم واضحة المعالم وفقًا للكيانات غير البشرية هذه، فيستطيعون فهمها وتفسيرها بطرق لا تستدعي إستخدام مصطلحاتنا، وهذا يقودنا لفرضية الكون الرياضي التي تنص على أن واقعنا المادي الخارجي هو (بنية رياضية).

على سبيل المثال، إن كنت ترغب بشرح كيفية فوز مباراة كرة تنس لصديقك، لتخبره كيف كانت ضربات اللاعب هي السبب في إحراز نقاط الفوز في المباراة، بدون أن تذكر كلمة (كرة)، يمكنك وصف الحركة بدون إستخدام هذه الكلمة على النمط التالي:

– الجسيم 1 تحرك في شكل قطع مكافئ.

– الجسيم 2 تحرك في شكل قطع مكافئ.

– الجسيمات 138، 314، 159، 265، 358، 979، 323، 846، 264 تتحرك في شكل قطع مكافئ.

تخيل شرحك أو سماعك لتعليق صوتي على أداء المباراة بهذه الشكل!

سينتهى الكون قبل أن نستطيع شرح كافة النظريات والمواقف والأحداث العلمية، لذلك أخترع البشر هذه المصطلحات للإشارة لعدة أشياء في وقت واحد، فالكرة هي مجموعة من الجسيمات التي تتحرك في وحدة كاملة، ومن الأفضل تسمية كل هذه الجسيمات ككرة تتحرك في شكل قطع مكافئ بدلًا من سرد قصة كل جسيم فيها.

وعلى الرغم من أن تصميم الكرة وتسميتها من إختراع البشر، إلا أن تصميمها مماثل تمامًا للأجسام التي لم تصنع بيد الإنسان، مثل الكواكب والنجوم والصخور، والتي تم تسمية كل منها لتسهل علينا الوصف والشرح.

كل هذا الأمر يجعلنا نطرح السؤال التالي: هل يمكننا العثور على مثل هذا الوصف للواقع الخارجي بدون الإضطرار لإستخدام هذه المسميات أو المصطلحات؟

للإجابة عن هذا السؤال يجب أن نلقي نظرة عن كثب للرياضيات.

“الهياكل الرياضية”

بالنسبة للمنطق الحديث الهياكل الرياضية هي تحديدًا مجموعة من الكيانات المجردة التي تجمعها علاقات مختلفة.

وهذا التعريف يمثل تناقض صارخ لما يعتقده أغلبنا عن الرياضيات، سواء الذي يتعامل مع الأرقام والحسابات كشكل من أشكال العقاب السادي، أو الذي يتمتع بالحيل والألغاز التي يصنعها من خلال هذه الأرقام.

فالرياضيات الحديثة هي دراسة رسمية لهياكل رياضية يمكن تعريفها بطريقة مجردة بحتة، دون الإضطرار لإستخدام أي مصطلحات أو تسميات بشرية لوصفها.

هل يصعب عليك فهم المقصد من الكلام؟

حسنًا لنجعله أكثر بساطة، فكر في الرموز الرياضية كمجرد تسميات دون معنى جوهري، فلا يهمك أن تكتب (2+2=4) أو (اثنين زائد اثنين يساوي أربعة).

فالنهاية أنت كالطفل الصغير الذي يعرف أن قطعتين من الحلوى في يده يمكن زيادتهم إن منحه والده قطعتين آخرتين.

فالتدوين للرموز التي تستخدم للدلالة على الكيانات والعلاقات لا يمثل صلة حقيقية، فقط خصائص الأعداد الصحيحة هي التي تجسد هذه العلاقات.

وبإختصار هناك نقطتين أساسيتين يمكننا تلخيص هذه الجزئية بهم، الأولى هي أن فرضية الواقع الخارجي تعني أن “نظرية كل شيء” التي تصف وصفًا كاملًا لواقعنا المادي الخارجي لا تستدعي أي تسميات أو مصطلحات بشرية لشرحها.

والثانية هي أن أي شيء يمكن وصفه بالكامل دون تسميات أو مصطلحات بشرية هو هيكل رياضي.

وبالتالي إن كنت تؤمن بوجود هذا الواقع الخارجي المستقل عن البشر، إذاً أن تعتقد أن عالمنا المادي هو هيكل أو بنية رياضية بحتة، وكل شيء في عالمنا رياضي بما فيهم أنت.

“الحياة بدون رموز”

سابقًا ناقشنا كيف يمكن أن نستخدم كبشر الرموز والمصطلحات والتسميات المختلفة لوصف الواقع المجرد، والآن جاء الدور لنرى كيف يمكن الوصول لجوهر هذا الواقع المجرد بدون هذه الرموز.
بالنظر للعبة الشطرنج كمثال، حين تقوم بإختيار طريقة أو إستيراتيجية محددة لأداء حركاتك، وقتها أنت تدرك جيدًا أن القطع التي أمامك ما هي إلا رموز تجعل إستيراتجيتك قابلة للتحقق ماديًا.

chess-representations
لعبة الشطرنج يمكن تمثيلها بعدد من الطرق أو النماذج كما هو موضح في الصورة من اليسار، فتجد رقعة الشطرنج التقليدية، الرسم الوصفي، المحاكاة الإلكترونية، وأما النموذج الأخير فهو تدوين جبري، كل هذه طرق مختلفة لوصف لعبة رياضية مجردة بالكامل.
الشطرنج يشمل كيانات مجردة (القطع التي يتم تحريكها، والرقع ذات المساحات المختلفة) والعلاقات بينها.
فعلى سبيل المثال العلاقة التي تجعل قطعة شطرنج تتحرك للأمام لتحتل مساحة مربع قد تكون بسبب وجود قطعة أخرى خلفها لا تسمح بوجودها في مربع خلفي. علاقة أخرى قد تنشأ بسبب تحرك قطعة شطرنج للأمام لإنه مسموح لها بإتخاذ هذه الخطوة.
في النهاية يمكنك وصف حركات قطع الشطرنج بعدد لا نهائي من اللغات، ولكن تبقى العلاقة مجردة وموجودة من قبل هذا الوصف.
هذه العلاقات التي تبني على أساسها إستيراتجيتك هي الهيكل الرياضي الفريد من نوعه بدون أي تسميات أو رموز.


وهنا نستدعي فرضية الكون الرياضي التي تحدثنا عنها سابقًا لنكتشف أنها تعني أننا نعيش في واقع من العلاقات، أي أن خصائص العالم من حولنا لا تنبع من خصائص كتل أو أجسام لها بناء، بل تنبع من العلاقات بين هذه الكتل أو الأجسام، وهذا الإعتقاد الذي يبدو جنوني هو ما يجعلنا نفسر الكون بصفته كائن رياضي عملاق، ونحن أجزاء منه.
في نهاية المطاف يقودنا هذا الأمر لمراجعة كافة المفاهيم المألوفة لدينا، بالإضافة لكونه يعني وجود مجموعة جديدة من الأكوان الموازية التي تجبرنا على التخلي عن الكثير من المفاهيم المتأصلة لدينا بعمق عن الواقع.


إن كانت الحياة قد علمتني أي شيء على الإطلاق بصفتي عالم فيزياء، فهو أن أفلاطون كان على حق.
الفيزياء الحديثة جعلت من الواضح تمامًا أن الشكل النهائي للواقع ليس كما يبدو نهائيًا.

وبهذه الكلمات وصلنا لنهاية هذا الطرح الرائع لأفكار وأبحاث العالم الفيزيائي بمعهد ماستشوستش للتكنولوجيا والتي كان من الممكن أن نُحرم من الإطلاع عليها في حال سماعه لنصيحة أستاذه بالإبتعاد عن هذه الخرافات في رسالة لم يسهل كتابتها عليه.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك