السعادة داخل الفصول الدراسية

24 نوفمبر , 2019

مقال مُترجم عن موقع waldorf education 

العُنوان الأصلي: Happiness in the Classroom

 

جميعنا نرغب في أن يصبح أبناءنا سعداءً، وبينما هذا شعور طبيعي في داخلنا، نُرسلهم كل صباح إلى المدرسة آملين في أن يحصلوا على يوم متوازن مليء بالعواطف الثرية.

يتوجه اهتمام كارول جيربر ألريد، مؤسسة ومديرة برنامج (Positive Action) نحو تعزيز وجود فصول دراسية تتسم بالإيجابية بشكل أكبر، مؤمنة أن العائلات والطلاب على حد سواء يتوقعون ويستحقون الحصول على الرفاهية في المدارس، ولكن للأسف فإن ثقافة الاختبارات قد أطاحت بتوقعات المُربين.

هُنا في مقالها عن القيادة التربوية في موقع جمعية التطوير والإشراف على المناهج تقول: للأسف، فإن متطلبات المسائلة عن قانون (عدم ترك أي طفل) قد أوجدت تعريفًا مختلفًا للفصول الدراسية الإيجابية عند الكثير من المُعلمين. بالنسبة لهم فإن الفصول التعليمية الإيجابية هي الأماكن التي يصل إليها الطلاب صباحًا مُستعدين للتعلم، ويعملون بجد وإصرار لإتقان المعايير الأكاديمية (خاصة في الرياضيات والقراءة) والعودة للمنزل لإكمال الواجبات المنزلية بدقة، ثم الرجوع صباحًا للمدرسة في حرص على معرفة المزيد. وفي الأغلب يركز المُعلمون على ضمان اجتياز الطلاب لاختبارات التحصيل، بحيث لا يتوافر لديهم الوقت الكافي للتركيز على الاحتياجات العاطفية والاجتماعية عند الطلاب.

الآن بدأ المعلمون والباحثون على حد سواء، بملاحظة أن التغاضي عن علاقة الرفاه بالتعليم هو أمر خاطئ. ربما نعلم جميعًا أن الطفل السعيد أكثر استعدادًا وقدرة على التعلم وأقل تعرضًا للتشتت، لكن العلم الآن أصبح يدعم هذا الاتجاه بشكل أكبر مما قبل.

أوضحت دراسة أجرتها وزارة التعليم الألمانية أن العواطف ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعمليات المعرفية والسلوكية والتحفيزية والفسيولوجية، وبالتالي هي مهمة أيضًا للتعلم والإنجاز.

يتفق الباحثون الأمريكيون مع هذا الرأي، ففي تقرير عن لماذا يجب أن يهتم المُعلمون بكل تصرفات الأطفال، يستشهد المؤلفان بأبحاث الطفولة المبكرة لتوني بيرترام وكريس باسكال في ذكرهم التالي: يتم تحديد العناصر الثلاث الأساسية للمُتعلمين الفعالين عن طريق تصرفاتهم في أثناء عملية التعلم، والكفاءة الاجتماعية ومفهوم الذات، والرفاه الاجتماعي والعاطفي.

وفقًا لبرترام وبسكال فإن التركيز فقط على الكفاءة الأكاديمية لدى الطلاب هو أمر غير كاف، ويحثون المُعلمين على التركيز على الحصول على نتائج أوسع للحفاظ على تنمية العقول الشاب.

تتفق الدكتورة إيما سيبالا الباحثة في جامعة ستانفورد ومؤلفة كتاب مسار السعادة مع هذا الفكر، وتناقش أهمية أن تصبح الرفاهية أولوية للفصول الدراسية في القرن الواحد والعشرين في هذا المقال المنشور في النيويورك تايمز بعنوان لندع السعادة تزدهر في الفصول الدراسية.

تقول دكتور إيما: إن الأطفال السعداء يظهرون قدرات أكبر للتعلم في المدرسة، لأنهم يحصلون على قدر من النوم الجيد، وقد يكون لديهم نظام مناعي أكثر صحة. يتعلم الأطفال السعداء بشكل أسرع ويميلون لأن يصبحوا أكثر إبداعًا، وهم كذلك أكثر مرونة في مواجهة الفشل، ويتمتعون بعلاقات أقوى وتكوين علاقات صداقة جديدة بسهولة أكبر.

 

لكن كيف يمكننا تحديدًا تعريف السعادة أو الرفاه الاجتماعي والعاطفي داخل الفصول الدراسية؟

على الرغم من وجود تعريفات عديدة لمصطلح الرفاهية، لكن وفقًا لما ورد في تقييم وترويج المدارس الإيجابية للمراهقين، يُعّرفه علماء الاجتماع باعتباره مجموعة من العواطف والمواقف تجاه المدرسة.. رفاهية المدرسة هي المكونات المعرفية والعاطفية المادية، أي أنها أفكار المتعلم ومشاعره وأحاسيسه الجسدية في المدرسة.

وبهذا التعريف الدقيق يظهر أن الطلاب السعداء الذين يستمتعون بالمدرسة يقدمون أداء أكاديميًّا أفضل من أقرانهم الأقل سعادة، كما اتضح أن هناك عدد هائل من الدراسات حول ارتباط رفاهية الطلاب بالمشاركة الأفضل وتقديم أداء أكاديمي متقدم.

ربما تأتي أكثر الأبحاث إقناعًا من هارفارد في دراسة حديثة أشارت إلى وجود علاقة بين مستوى السعادة الذاتية والمعدل التراكمي. وجدت كريستينا هينتون، المحاضرة في كلية الدراسات العُليا في جامعة هارفارد أن مستوى السعادة الذاتية عند الطلاب في المدارس الابتدائية، يتحدد بمدى رضاهم عن المدرسة وعلاقتهم مع زملائهم ومُعلميهم، وهو مرتبط بشكل إيجابي مع التحفيز والإنجاز الأكاديمي.

لكن أليست حالة الرفاهية هذه تنتقل من المنزل إلى المدرسة؟ أو السؤال الأكثر إثارة للاهتمام، ألا يمكننا عكس الارتباط؟ حيث الطلاب الذين يقدمون أداء أكاديميًّا أفضل، لديهم شعورا بالرفاهية أفضل تجاه المدرسة؟

وفقًا للأستاذ تيموثي شارب في مقاله الذي نشره موقع “Education Review” بعنوان تعزيز الإيجابية في الفصول، ارتبك ترتيب الرفاهية والإنجاز عند المعلمين العصريين، فهم يفكرون أن الإنجاز الأكاديمي يجلب الشعور بالرفاهية لدى الطلاب، ولكن في الحقيقة أن الشعور بالرفاهية يدفع الطالب لتحصيل المزيد من الإنجازات.

يفترض المعلمون أن طلابهم سيصبحون سعداء ومشاركين ومُحسنين السلوك في المدرسة بمجرد تحقيقهم بعض الإنجازات الأكاديمية. في حين أن ما يجب حدوثه هو بدلًا من الانتظار حتى تحقيق النجاح، يجب تعليم مهارات السعادة والإيجابية أولًا وقبل كل شيء؛ نتيجة لذلك فإن المشاعر الإيجابية ليست ظاهرة نستمتع بها بعد أن نحقق شيئًا من الأهمية، ولكنها أدوات يمكن استخدامها لزيادة فرصنا في تحقيق نتائج مهمة.

يتفق الدكتور ديفيد روك، المؤسس المشارك لمعهد “NeuroLeadership” على أن ترتيب الإنجاز والرفاهية يجب أن يعكس. في بحثه عن التأثير السلبي للضغوطات في التعليم، يستشهد بمجموعة من الأبحاث عن العواطف الإيجابية فيما يتعلق بالتعلم الأفضل، ويقول: إن الأشخاص الذين يختبرون المشاعر الإيجابية يمتلكون خيارات أفضل عند محاولتهم لحل المشكلات التي تتطلب رؤية أفضل، وهم يتعاونون بشكل أفضل، وبشكل عام يقدمون أداء أفضل“.

 

إذن كيف نجعل فصولنا الدراسية أكثر إيجابية وتعزيزًا للشعور بالرفاهية؟

وفقًا لسكوت هيوز، الحاصل على درجة الدكتوراه في التعليم، فإن أفضل طريقة للقيام بذلك هي إعادة التركيز: يتعلق الأمر بالطفل قبل المنهج.. عندما نبدأ بوضع اعتبارات أخرى قبل الأطفال مثل تقييم المناهج، ومعايير المساءلة فإن التجارب غير السعيدة تبدأ في الظهور.

يوافقه الدكتور تيموثي شارب، ويذكر في مقاله الذي تحدثنا عنه سابقًا بعض الطرق العملية لإعادة التركيز وتعزيز الرفاهية في الفصول ومنها:

تطوير العلاقة الإيجابية بين الطلاب والمعلمين.

إشراك الطلاب في دروس مثيرة للاهتمام وجذابة وذات صلة.

مساعدة الطلاب على تحديد نقاط قوتهم. ابحث على وجه التحديد على نقاط القوة في التجارب السابقة، وناقش كيف يمكن استخدامها في عملية تعليمهم مستقبلًا.

جعل الطلاب يشعرون بالأهمية مع تجنب المديح الفارغ بعبارات مثل أنت ذكي للغاية!”

زراعة الأمل والتفاؤل بتذكير الطلاب بنجاحاتهم السابقة من خلال العمل الجاد الذي قدموه.

وفقًا للمعلمة والرائدة في مجال التعليم إيلينا إيجلار في مقالها المنشور على موقع “Edutopia” بعنوان طرق بسيطة لتنشئة السعادة في المدارس، يمكن أن تصبح الخطوات أبسط مما نتخيل؛ لأن الأطفال يصبحون سعداء من أمور بسيطة للغاية، مثل بعض الموسيقا داخل الفصول، وإضفاء بعض الحركة على الفصل، أو الخروج للنقاش في الهواء الطلق، وحتى الحصول على بعض الوقت الهادئ في الفصل.

بصفتنا مُعلمين في والدورف. لقد علمنا بهذا منذ قرن من الزمان، إن مفتاحًا مهمًّا لتعزيز الرفاه هو تعليم الأمور الصحيحة في الوقت المناسب، بالإضافة لوضع احتياجات الطفل قبل الأهداف التعليمية. وهذا ما تصوغه أغيلا بحكمه في السماح لأطفالنا أن يكونوا أطفالًا.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك