السعادة والتعليم.. بين النظرية والتطبيق والواقع

1 ديسمبر , 2019

مقال مُترجم عن موقع Infed

العنوان الأصلي للمقال: Happiness and education – theory, practice and possibility

 

ما الذي يجعلنا نزدهر؟ وماذا الذي لا يجعلنا كذلك؟ في هذا المقال نستكشف معًا النظرية والتطبيق وإمكانية وضع السعادة في دائرة الضوء في التعليم والمساعدة.

 

اصنعي كل السعادة التي يمكنك صناعتها، أزيلي كل البؤس الذي يمكنك إزالته. كل يوم هو فرصتك في إضافة شيء إلى سعادة الآخرين، أو في تقليل شيء من آلامهم. كل حبة بهجة تزرعينها في صدور الآخرين، ستجدين حصادها في صدرك، في حين أن كل أسف قمتِ بانتزاعه من أفكار صديق ومشاعره، يجب أن يحل محله السلام والفرح الجميل في حرم روحك جيرمي بينثام في رسالة عيد ميلاد إلى ابنة أحد أصدقائه. تم اقتباسه في لايارد (2005: 235-6)

 

على مدار الخمسين سنة الماضية، كان النمو الاقتصادي هو الهدف السياسي المركزي لأغلب الحكومات. جزء من مبرراتها العلنية لهذا الهدف هو أنه من خلال زيادة الدخل القومي والفردي، يصبح لدى الناس خيارات أكبر والقدرة على المتابعة بناء على هذا القرار.

 

مع ذلك، كما حدد عدد متزايد من المُعلقين، يبدو أن العلاقة بين الازدهار الاقتصادي المتنامي وكلٍّ من السعادة الشخصية والرفاهية الاجتماعية التي ربما كانت موجودة في بعض البلدان المتقدمة، قد انهارت (انظر على سبيل المثال: فراي، ستوتر 2002). وعلق شاه وماركس (2004: 4) قائلين: في حين تضاعف الناتج الاقتصادي في المملكة المتحدة إلى الضعف تقريبًا في خلال الثلاثين سنة الماضية، إلا إن الرضا عن نمط الحياة ما زال ثابتًا.. وفي هذه الأثناء ارتفعت نسبة الاكتئاب في هذه الدول المتقدمة بشكل ملحوظ على مدار الخمسين سنة الماضية. يذهب شاه وماركس بعد ذلك في القول فيذكرون أن العديد من الناس يعيشون في حالة مضنية بدلًا من العيش في حالة سعيدة ومرضية.

بالنسبة إلى هؤلاء من يسعون إلى عيش حياة مزدهرة، فيجب أن يشعروا بالرضا الشخصي والتطور والعمل بشكل إيجابي في المجتمع؛ لكن للأسف فإن كثيرًا من الناس يضعفون ويضطرون إلى عيش نمط حياة غير سعيدة وغير محققة، ينقصها المشاركة الاجتماعية والمجتمعية. تشير التقديرات الصادرة من الولايات المتحدة إلى أن نسبة تصل إلى أقل من 20% من السكان تعيش في حالة ازدهار، بينما على صعيد آخر هناك نسبة تزيد على 25% تعاني من حالة الانحدار في نمط الحياة، أما النسبة الباقية فهي في مراحل متفرقة بين الحالتين (شاه وماركس 2004 :5، مستخدمين مواد من سينجر وريف 2001).

كل هذا يشكل تحديًا خاصًا إلى المُعلمين كما يعلق نيل نودينجز (2003: 1): ترتبط السعادة والتعليم بعضهم ببعض على نحو وثيق. يجب أن تكون السعادة هدفًا للتعليم، والتعليم الجيد يجب أن يشارك بشكل بارز في السعادة الشخصية والجماعية. للأسف أصبح الكثير من التعليم المدرسي والتعليم غير الرسمي موجهًا نحو نهاية اقتصادية. كانت النتيجة لهذا الفكر هي تضييق الخبرات التعليمية في التعليم الرسمي والتعليم غير الرسمي المدعوم من الدولة والتعلم مدى الحياة، والآن على ما يبدو أصبح هناك صعوبة بالغة في إضافة رفاهية البشر إلى هذه المجموعة. إذا كان هُناك إيمان حقيقي من هؤلاء المهتمين بـ العلم الجديد للسعادة، فعليهم أن يدركوا أن الكثير من السياسات التعليمية مضللة للغاية.

 

ما السعادة؟

تستند العديد من الاكتشافات المعاصرة عن السعادة في الحياة اليومية إلى قراءة شخصية غير موضوعية عن مفهوم الرفاه، حيث يقوم المحققون بسؤال الناس عن مشاعرهم الحالية وسواء ما إن كانوا متفائلين حول المستقبل وما إلى ذلك من هذه الاسئلة، وانطلاقا من هنا يبدؤون في وضع بعض مقاييس السعادة في وقت وزمان معين.

يستند هذا النهج المستخدم إلى الاعتقاد بأن هناك شيء ما مثل الشعور الجيد والشعور السيء حيث يمكن للأفراد التعرف عليه والحديث عنه، ويقدم ريتشارد لايارد (2005: 3-12) نقطة البداية حول هذا الموضوع، فيذكر:
أعني بالسعادة ذلك الشعور الجيد والاستمتاع بالحياة والرغبة في الحفاظ على هذا الشعور. أما التعاسة فهي ذلك الشعور السيء والرغبة في تبديل الحال أو الظروف. هناك عدد لا حصر له من مصادر السعادة وكذلك البؤس والألم، ولكن جميع خبراتنا التي نمتلكها فيها بُعد يمكن حصره في مدى جودة شعورنا أو سوئه.

 

في الواقع يسهل على الناس التعبير عن ما يشعرون به بوصفه جيدًا، وفي الاستطلاعات الاجتماعية يحظى هذا السؤال بمعدل إجابات عالٍ.. في المُقابل تُظهر ندرة الإجابة بالوصف لا أعرف أن الناس قادرون على تعريف ما يشعرون به وإدراك مدى شرعية السؤال.. يقوم أغلبنا بأخذ نظرة مطولة والتأمل في الأمر، ونتقبل مراحل الصعود والهبوط في مستوى سعادتنا ونهتم كثيرًا بالحفاظ على المستوى المتوسط لها على المدى الطويل.

 

وكما كتب نيل نودينجز (2003: 22): يبدو واضحًا أن الحصول على حُكم على السعادة يأتي من الشخص الذي يقوم باختبارها، مع ذلك من المحتمل أن تكون هناك سمات موضوعية للسعادة. يمكن القول إن السعادة هي بُعد موضوعي للتجربة الإنسانية وبالتالي يُمكن قياسها لايارد (2005: 224). في الواقع أصبح هناك إمكانية متزايدة لجمع الأدلة العلمية لدعم هذا الرأي، لقد سمحت لنا التطورات في الأبحاث المتعلقة بالدماغ والجينات وعلى نطاق أوسع في علم النفس والبيولوجيا بالتحدث بثقة أكبر في هذا الموضوع (انظر: ليكين 1999، ومارتن 2005) فعلى سبيل المثال نحن نعرف أن:

– وراثيًا لدينا استعداد فطري لمستوى معين من السعادة، ويمكن أن يمثل هذا الاستعداد نسبة 50% من أشكال السعادة المختلفة الحالية التي نجدها عند الناس. السر هنا يكمن في التفاعل بين ميولنا الوراثية وعوامل أخرى مثل نشأتنا (شاه وماركس، 2004: 5).

– تؤدي بعض ظروف الحياة مثل مقدار دخلنا وممتلكاتنا وعلاقاتنا الشخصية ووظائفنا وحتى الحي الذي نسكن به، دورًا هامًا في تشكيل سعادتنا. مع ذلك فإن هذه العوامل لا تمثل إلا حوالي 10% فقط من التباين في سعادتنا (المرجع السابق).

– بعض الأنشطة المتعمدة التي ننخرط فيها ونمارسها بفعالية مثل الأنشطة الاجتماعية والقيام بعمل هادف والتأمل وممارسة الرياضة، يمكن أن تمثل نسبة 40% من مقدار التباين في سعادتنا. (المرجع السابق: 6)

 

إن ما نشعر به ونحن نحيا حياتنا يستمر في التقلب، لكن الحجة هنا أن هناك حركة واسعة تنشأ عن تفاعل استعداداتنا الوراثية مع ظروف الحياة والأنشطة التي نختار الانخراط فيها، تساعدنا على الازدهار وتحقيق السعادة. المشكلة هنا فيما يتعلق بالسعي وراء السعادة هو أن لدينا قدرة محدودة على التحكم في العوامل الذاتية والموضوعية.

نحن لا نختار الظروف التي نولد فيها وأنواع الطوارئ التي تعصف بالحياة الإنسانية (نودينجز 2003: 25). بجانب ذلك فهناك حدود على مقدار اعتمادنا على ميراثنا الجيني.

هناك أيضًا بُعد معياري للسعادة، ولتقدير هذا البُعد وفهم علاقته بالتعليم في العالم الغربي، من الضروري الرجوع إلى أرسطو، الذي يتطلع هو والعديد من المفكرين الكلاسيكيين مثل سقراط وأفلاطون إلى تحقيق السعادة من الظروف الطارئة، أي أنهم أرادوا تعريف السعادة بشكل مستقل عن الصحة والثروة وظروف الحياة المتقلبة (نودينجز 2003: 9).

كانت السعادة بالنسبة لهم شيئًا يشير إلى الحياة بأكملها أو مسار الحياة، وليس أمرًا عرضيًّا. من الأمور المركزية في جهود أرسطو هو سؤال ما الحياة الصالحة للإنسان/ الإنسانة؟ هذا الصالح الإنساني أو الإيودايمونيا يترجم أحيانًا على أنه الازدهار أو الرفاه الإنسانية، ولكن في العادة يطلق عليه اسم السعادة.

مثل المعلقين اللاحقين سعى أرسطو لتحديد العناصر الرئيسة للسعادة، ويمكن تمييز مفهومين مختلفين جذريًا في كتاباته عن السعادة.

فركز العرض الأول الشامل على الصالح الإنساني وسمح ببعض الطوارئ التي يمكنها التأثير في السعادة، واعترف أن الصحة والصداقة والثروة أمور مهمة، لكن قال إن ممارسات العقل هي العنصر الرئيس في السعادة (نودينجز 2003: 10). أما العرض الثاني الفكري فقد بُني على فكرة أن الفكر النظري أو التأملي هو السعادة (المرجع السابق).

ويتضمن التأملُ التفكيرَ في الحقائق والأفكار التي يمتلكها الشخص بالفعل، وقد وصف أحد الكتاب هذا الأمر بالشكل التالي: المتأمل الأرسطي هو رجل امتلك المعرفة بالفعل، وما يتأمله هو تلك الحقائق والمعرفة الموجودة بعقله.. يعمل المتأمل الأرسطي على التفتيش المنتظم للحقائق التي يمتلكها بالفعل، ومهمته هي استرجاع وتقديم الأفكار من أعماق رأيه، وترتيبها بشكل مناسب في ضوء كامل من الوعي (بارنز، 1976: 38).

هكذا في وجهة نظر أرسطو الفكرية كانت السعادة هي الشكل الأعلى من أشكال النشاط البشري، وفي نهاية المطاف كانت الفضيلة الكبرى هي: حياة تأمل غير منقطع كوجود إلهي.

أَسهم هذا التسلسل الهرمي للأنشطة البشرية التي وضعت العقل فوق المنطق العملي في الفصل بين النظرية والممارسة، وكان لها تأثير دائم في التعليم في الإسهام في وجهة النظر التي تقول إن بعض المواضيع لها قيمة ومكانة أعلى من غيرها.

احتفظت هذه النظرة إلى السعادة حيث توجد ملذات أعلى وأدنى بأهميتها وحظيت بمكانة كبيرة في القرن التاسع عشر، وهنا كنت جهود جون سيتوارت ميل جديرة بالملاحظة بشكل خاص، فاقترح ميل أن السعادة (التي تعني المتعة أو غياب الألم) هي الهدف النهائي أو نهاية الحياة البشرية، ولكن ليس كظاهرة فردية. بدأ ميل بالنظر إلى السعادة العظمى لأكبر عدد من الأفراد (تُعرف باسم المبدأ الأعظم للسعادة).

وقتها يمكن الحكم على الأفعال بأنها صحيحة؛ لأنها تميل لتعزيز السعادة، أو خاطئة لأنها تميل إلى إنتاج عكس السعادة (ميل 1863؛ 1998).

رأى ميل أن ملذات الفكر (المعرفة والخيال) والملذات المرتبطة بالفضيلة أو المشاعر الأخلاقية أعلى مكانة من غيرها من الملذات المجردة من الإحساس، وعلق على هذا الأمر قائلًا إن للبشر قدرات أعلى من شهوات الحيوان، وعندما قاموا بإدراكها مرة، لم يقدروا أي شيء مثل السعادة والتي لا تشمل إرضاءهم، وخلص ميل في النهاية إلى أنه: متوافق تمامًا مع مبدأ المنفعة في التعرف على حقيقة أن بعض أنواع المتعة مرغوبة أكثر وأعلى قيمة من غيرها، وسيكون من السخف أنه في حين يتم تقدير كل الأمور الأخرى، يمكن المساواة بين الكمية والجودة، وأن تقدير الملذات يجب أن يعتمد على الكمية وحدها (ميل 1863، الفصل الثاني).

وقد علق ريتشارد لايارد (2005: 22) بأن حدث ميل في هذا كان صحيحًا، لكن صياغته كانت خاطئة.

إن الناس الذين يستطيعون تحقيق معنى لحياتهم، هم أكثر سعادة من هؤلاء الذين يتنقلون من متعة لمتعة أخرى، ومع ذلك فإنه من المشكوك فيه أن بعض أنواع السعادة في جوهرها أفضل من غيرها (المصدر السابق: 23).

 

ما الذي يجعلنا سعداء؟

عندما يتحدث الباحثون إلى الناس عما يجعلهم سعداء وما الذي يسبب لهم الألم، تظهر مجموعة من الإجابات الثابتة إلى حد ما.

على سبيل المثال: أظهرت دراسة مؤثرة لروبرت إ. لين (2000) وجود علاقة قوية بين المشاعر الذاتية للرفاهية والرفقة (التي عنى بها لين الصداقة والتضامن الأسري)، فنحن نكتسب السعادة من خلال علاقتنا مع الآخرين.

أنها عاطفتهم أو كرههم، ورأيهم الجيد أو السيء بنا، وقبولهم ورفضهم الذي يؤثر بشكل كبير في مزاجنا (المرجع السابق: 6).

ويمكن أن نضيف لكل هذا ما نعرفه حول أهمية العلاقة في السنوات الأولى من حياة الإنسان خاصة في المنزل.

وجد لين أنه بمجرد أن يرتفع الناس عن خط الفقر، تميل السعادة إلى أن تقل على صعيد الصداقات والحياة الأسرية، فزيادة الدخل والحصول على المزيد والمزيد من السلع المادية ليس لها تأثير يذكر في الشعور بالرفاهية.

استخدم كتاب آخرون مجموعة من الأبحاث المنشورة وتوصلوا في النهاية إلى نفس الاستنتاجات على نطاق واسع.

وفقًا لريتشارد لايارد (2005: 3-62) عندما ننظر إلى الدراسات نجد أن هناك سبعة عوامل بارزة، يرتبط العديد منها بجودة علاقاتنا.

 

عوامل لايارد السبعة

أوضح ريتشارد لايارد (2005) أن هناك سبع عوامل رئيسة للسعادة. لذلك قام باستخدام أبحاث مثل المسح الاجتماعي الأمريكي العام لتحديد خمس عوامل وتصنيفهم بحسب الأكثر أهمية (في الولايات المتحدة على الأقل)، أما العاملان الآخران لم يمكن تحديد ترتيبهما أو تصنيفهما نظرًا لنقص الأدلة الاستقصائية.

1- العلاقات الأسرية: تقريبًا في كل بحث نجد أن العلاقات العائلية والعلاقات الخاصة القريبة في حياتنا هي الأكثر أهمية من أي عامل آخر وأكبر قدرة على تحديد مدى سعادتنا (المرجع السابق. 63).

2- الوضع المادي: كما نعرف فإن وضعنا المادي الفردي ذو أهمية كبيرة خاصة عندما نصبح على هامش الفقر لكن ما هو أبعد من ذلك بخصوصه، أنه يمثل ثاني عامل في التأثير في سعادتنا بشكل طويل الأمد.

3- العمل: هُناك أدلة بارزة على احتياج البشر إلى الشعور بالإسهام في المجتمع الأكبر، وعلق لايارد على هذا الأمر قائلًا لا يمثل العمل فقط أهمية بسبب الدخل المالي، لكنه كذلك يضيف معنى للحياة وأضاف: لهذا الأمر فإن البطالة أمر مدمر، لا لأنها فقط تتسبب في قلة الدخل، بل لأنها تسبب قلة السعادة بشكل مباشر، عندما يتدمر الشعور باحترام الذات والعلاقات الاجتماعية التي تُصنع بسبب العمل (2005: 67). مع هذا فإن العمل يفي كذلك (وهذا واحد من الأدلة على درجة تحكم الناس فيما يفعلونه) (المرجع السابق. 64). وهذا هو الموضوع الذي اكتشفه ريتشارد سينيت في كتابه “The Corrosion of Character (2000)”

4- العمل والأصدقاء: كما رأينا فإن بعض الكتاب مثل لاين يركزون بشدة على الرفقة. لذلك يبدو من الواضح أن جودة وطبيعة المجتمع الذي نحيا به تمتلك تأثير كبير في كيفية شعورنا. إن لم نكن نحيا في مجتمعات ومجموعات تشعرنا بالثقة والانتماء، فهناك أدلة كثيرة على تأثر قدرتنا في الشعور بالسعادة. في السنين الأخيرة كانت القضايا في هذا الموضوع أكثر وضوحًا في المناقشات عن رأس المال الاجتماعي (أنظر على وجه الخصوص روبرت بوتنام).

5- الصحة: بشكل مستمر في الدراسات، أظهر الناس أن الصحة هي عامل أساس مُسْهِم في تحقيق سعادتهم ولأسباب خاصة. في حين أننا قادرون على التكيف مع العديد من الأمور التي تحدث لنا جسديًا، لكنها تأخذ من أنفسنا ضريبة عاطفية، فعندما يتعلق الأمر بالمرض العقلي أو الألم المزمن، يصبح التكيف أكثر صعوبة، وتصبح هناك أولوية للتحكم في المعاناة (لايارد، 2005: 69).

 

ويبقى العنصران الآخران الخارجان عن التصنيف وهما:

الحرية الشخصية: تعتمد السعادة على شكل النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي والقانوني الذي نحيا به. هناك دلائل على أن الناس الذين يعيشون في مجتمعات مستقرة وسليمة حيث لديهم الصوت والقدرة على اتباع ما يحبون (دون أن يمس الآخرين ضرر نتيجة لذلك) في مؤسسات تخضع للمساءلة، هم أكثر سعادة من غيرهم (لاين 2000؛ لايارد 2005، 69-70).

 

المعتقدات الشخصية: تعتمد سعادة الأفراد على (ذواتهم الداخلية) وفلسفاتهم الحياتية.

يصبح الناس أكثر سعادة إذا كانوا قادرين على تقدير ما لديهم، أيًا كانت طبيعته دون مقارنة أنفسهم دائمًا بالآخرين، وإذا قاموا كذلك بترويض أمزجتهم الشخصية (لايارد 2005: 72).

في حين أننا نرغب في التشكيك في فكرة ترويض الأمزجة، وإيحائها الذي ينتمي للمدرسة السلوكية، وتحقيق التوازن بينها وبين الاهتمام بالسيرة الذاتية واللاوعي، فإن اتجاه حجة لايارد هو صحيح تمامًا.

وكما قال باركر بالمر، فإنه من الصعب رؤية كيف يمكن للناس معرفة الآخرين والعالم إن لم يعرفوا أنفسهم. وفي المقابل من الصعب التغلب على آلام الانفصال إن لم نكن نؤمن بمسائل الروح.

 

واحدة من الأشياء المثيرة للاهتمام عن مثل هذه القوائم، هي العوامل التي تم حذفها، فهناك 5 عوامل ربما نعتقد أنها تؤثر في سعادتنا بشكل كبير، لكن يبدو أن هذا التأثير ليس كما نتوقع، وفقًا لما ذكره لايارد، والخمس عوامل هي:

العمر: أظهرت الأبحاث أن مقدار متوسط السعادة ثابت بشكل ملحوظ على مدى العمر.

الجنس: تشير الدراسات الاستقصائية إلى أن السيدات والرجال على قدم المساواة في مقدار السعادة في أغلب البلدان التي تمت فيها الدراسات.

الشكل/ المظهر: أشارت الأبحاث إلى أن السعادة لا تعتمد على المظهر أو الشكل الذي نبدو عليه، ولا تحدث فرقًا كبيرًا.

معدل الذكاء: في الدراسات المصنفة ذاتيًا، يقال إن معدل الذكاء يرتبط ارتباطا ضعيفًا بالسعادة من حيث المشاعر الذاتية للسعادة.

التعليم: يبدو أن التعليم لا يمتلك سوى تأثير ضعيف مباشر في السعادة، على الرغم من قدرته على رفع مستوى السعادة بشكل غير مباشر عبر تأثيره في مستوى دخل الفرد على سبيل المثال (لايارد 2005: 62).

إن التركيز في العديد من المجتمعات على الاستحواذ على الكثير من الأشياء سواء سلع مادية أو مظهر جيد أو مؤهلات لتحقيق السعادة، يبدو في غير محله في ضوء هذا الأمر.

يدرك معظم الناس أن نوعية الحياة الأسرية والمنزلية (أيًا كان شكلها) والصداقة والقدرة على الإسهام في المجتمع هي التي تُحسب، ومع ذلك هناك كثير منهم ما زال متشبثًا بالفكر الاستهلاكي وربطه بمقدار السعادة، فلماذا يحدث هذا؟

 

فقدان السعادة في اقتصاد السوق

نجد باستمرار أن عديدًا من الاختيارات تفضل الدخل الكبير على الرفقة. على ما يبدو أن الناس يمتلكون حكمًا خاطئًا عن كيف يمكن للصعيد الداخلي أو الشخصي لحياتهم أن يزيد من مقدار سعادتهم وإطالة عمرها (لاين 2000: 9).

السر وراء هذه الخيارات الضعيفة يكمن جزئيًا في الثقافة والأيدولوجية الاقتصادية التي تهيمن على المجتمعات الغربية، وكما قال إيريك فروم في وقت سابق:

إن الرأسمالية الحديثة تتطلب أفرادًا يتعاملون بشكل أكثر سلاسة بأعداد كبيرة ويرغبون في المزيد والمزيد من الاستهلاك، ويمتلكون أذواقًا موحدة يمكن التأثير فيها وتوقعها بسهولة.. وما النتيجة؟

أصبح الإنسان المعاصر ينفر من نفسه وأقرانه والطبيعة، وتحوَّل إلى سلعة، يختبر قوة حياته بصفتها استثمارًا يجب أن يحقق له أكبر ربح ممكن في ظل ظروف السوق الحالية (1995: 67، ولكن نُشر لأول مرة في 1957)”.

 

في الآونة الأخيرة جادل جان بودريارد في أن الكثير من الناس حاليًّا يعيشون في مجتمعات يسيطر عليها الشيء والمظهر، وعن هذه القضية كتب:

لم يعد الناس الأثرياء محاطين بغيرهم من البشر كما كان في الماضي، بل أصبحوا محاطين بالأشياء، لم يعد تعاملهم اليومي مع زملائهم، بل بالأحرى أصبح تعاملهم يتم في شكل إحصائي كدالة منحنى الصعود، يزداد مع اكتساب السلع والرسائل والتلاعب بها في السوق (بودريارد 2001: 23).

بمجرد أن يحدث هذا لن نصبح راضين أبدًا، وسنظل في حالة إحباط دائمة. علاوة على ذلك، وطبقًا لبودريارد فإن منح القوة والسلطة للإعلانات وديناميكية الاستهلاك، يجعل المقاومة صعبة إن لم تكن مستحيلة (انظر نوريس 2004).

وسواء كانت الأجواء قاتمة أم لا، فإن الأمر يتعلق بجدل كبير والإحساس الذي نحققه من خلال ثلاثة ديناميكيات مترابطة يبدو أن تسهم في اتخاذ القرارات المشوهة.

هذه الديناميكيات هي النماذج الذاتية التي نستخدمها؛ وطرق عقد المقارنات مع الآخرين وتجاربنا الشخصية؛ وأثر الخصخصة للتغيير الاجتماعي والتكنولوجي.

 

الفردية

لفهم لماذا تُعد المقاومة أمرًا صعبًا، ولماذا لا يختار الناس الطرق التي تقودهم لتحقيق السعادة، يقترح لاين أنه علينا العودة للطبيعة الفردية العالية للذاتية المشتركة في تلك المجتمعات.

في مجتمعات ما قبل الحداثة أو المجتمعات الأكثر تقليدية، كان وما زال الحمل ثقيلًا على الجميع. في الواقع لقد كان من الصعب كثيرًا على الناس معرفة من هم وماذا يفعلون من دون هذه الذاتية المشتركة، فمن خلال الانضمام للمجموعات الاجتماعية أصبح الأفراد قادرين على تعريف أنفسهم، وكذلك أصبح يتم التعرف عليهم من قبل الآخرين، ومع تفكك هذا النظام في العديد من الدول الغربية، ظهرت فكرة الملكية الفردية (ماكفيرسون 1962: 270). هذه الفكرة التي تنطوي على كون الأفراد يمتلكون شخصياتهم وقدراتهم بشكل فطري، ولا يدينون للمجتمعات بشيء منهم، والتي تقودنا إلى نتيجة أن السعي للأهداف الفردية أصبح أكبر وأهم من السعي للأهداف الجماعية، وأصبح هناك نظرة أكثر عملية وفاعلية للعلاقات، فيتم التعامل معها من منطلق الربح والخسارة على ما تقدمه للفرد، وليس باعتبارها جزء من الحياة.

بالإضافة لذلك فإن البعد الرئيس هنا هو مدى ارتباط الفردية بالخوف من غياب المعنى، والذي يقود بالتالي إلى الحجج المؤثرة لـ بول تيليش (1952) وآخرين، عن كونها أحد أسباب غياب الصلة بالآله. سواء كانت المقاومة ممكنة أو هناك إمكانية تحقيق مزيد من السعادة فإن الأمر يعتمد على مدى قدرتنا على تقدير ذاتنا وتوظيف أنفسنا في المكان الصحيح في هذا العالم. وحقيقة أن هناك أعدادًا كبيرة من الناس قادرين على فعل ذلك تعيد لنا الأمل من جديد.

 

المقارنة الاجتماعية والتعود

بالإضافة إلى النظر إلى المفاهيم الخاصة بالذاتية التي نستخدمها، نحن بحاجة للتشديد على مفهوم المقارنة، خاصة هذه التي ترتبط بالدخل والثروة.

نحن ننظر إلى ما يمتلكه الناس وما اعتدنا على امتلاكه، ونجد أن الأول محكوم بالمقارنة الاجتماعية، وكما يقول لايارد (2005: 42، 43-48) فإن الناس تهتم كثيرًا بالدخل النسبي. في الحقيقة أظهرت العديد من الدراسات أن شعورنا تجاه زيادة دخل الآخرين هو أكبر عندما تتم مقارنته بشعورنا تجاه زيادة دخلنا الشخصي.

من الواضح كذلك أن هناك عددًا كبيرًا من الناس مستعدون لخفض مستويات معيشتهم إذا تمكنوا من التحرك خطوة أعلى على السلم الاجتماعي مقارنة بالآخرين (المصدر السابق).

هذه الآلية النفسية الأساسية تقلل من قوة النمو الاقتصادي في زيادة نسبة السعادة، بل تظهر أنه يقود إلى صناعة الحوافز المشوهة. على سبيل المثال إذا عملت بشكل أكبر لتحقيق دخل أكثر، سأجعل البشر من حولي أقل سعادة.

لكن إذا حددت مقدار العمل الخاص بي دون الأخذ في الحسبان هذا الهراء الذي يحدث، وقتها سيصبح تركيزي أكبر على العمل بدلًا من تحسين المستوى الاجتماعي، وكذلك سيصبح الآخرون من حولي (لايارد 2005: 47).

هناك اختلافات كثيرة في الطرق التي يتوازن بها العمل مع العوامل الحياتية الأخرى في المجتمعات المختلفة والتي يُطلق عليها توازن الحياة مع العمل. وهناك أدلة على أن العديد من العوامل الثقافية المرتبطة بشكل جزئي مع المفاهيم الذاتية التي قمنا باستخدامها تخفف من الدوافع للعمل لساعات طويلة. بعض الأبحاث كذلك أشارت إلى أن الدول تحقق متوسط سعادة أعلى عندما يتم توزيع الدخل بشكل عادل (عندما يتم توظيف تحذيرات الاقتصاديين الشهيرة) ليصبح كل شيء آخر بعده عادلًا (المصدر السابق).

كما تلقي هذه الآلية الضوء على أمر مثير للاهتمام يعتبره المعلقون أمرًا مسلمًا به وهو التوافق الذي يقود إلى الاستهلاك. إن ما تفرضه هذه الظاهرة الأساسية هو أن هذه النزعة الاستهلاكية (الهوس بامتلاك المزيد والمزيد من السلع والخدمات) هي منتج للمستهلكين الذين يحاولون التفوق بعضهم على بعض (هيث وبوتر 205:106). والمفارقة هنا أن محاولة الاختلاف والابتعاد عن بعض العلامات التجارية تصب في مصلحة الاستهلاك والمنافسة.

عندنا نتحول للنظر إلى مفهوم التعود أو ما اعتدنا على استخدامه يجب أن نأخذ في الحسبان مشكلة التكيف. على سبيل المثال عندما نمتلك غسالة أطباق أو مجففًا أو مُسجلًا إلكتروني، نحتاج إلى المزيد منهم للحفاظ على سعادتنا. وهذا ما يعبر عنه لايارد (2005: 48) مرة أخرى بقوله: وقتها في الحقيقة تصبح أشبه بنوع من آلة الجري الثابت، آلة الجري الثابت للسعادة، حيث عليك الاستمرار في الركض كي تظل سعادتك دائمة.

 

خصخصة وقت الفراغ

كما ننظر إلى القضايا حول الفردية والمقارنات التي نعقدها، يجدر بنا ملاحظة أثر الخصخصة الاجتماعية والتكنولوجية على الأسلوب الذي نحيا به حياتنا، والنظر كذلك إلى الطرق التي تؤثر بها في قدرتنا في الحفاظ على الرفقة والصداقة. لعل المعالجة الأفضل والأكثر إثارة للاهتمام واستدامة لإجابات هذه الأسئلة في السنوات الأخيرة، كانت في سياق رأس المال الاجتماعي. وهنا كان عمل روبرت بوتنام في كتابه Bowling Alone (2000) ذو تأثير خاص، فقد كان قادرًا على إظهار للولايات المتحدة على الأقل أن هناك انخفاضًا كبيرًا في المشاركة السياسية والمدنية وحجم وعمق الروابط الاجتماعية غير الرسمية وكذلك مقدار التسامح والثقة. لقد تمكن بوتنام من إثبات أن بعض العوامل المُرشحة لإلقاء اللوم عليها كسبب في هذا الانخفاض، ليست مهمة أو مؤثرة إلى هذا الحد. أحد هذه العوامل على سبيل المثال هو التنقل السكني، لكنه بالفعل في تراجع مستمر منذ نصف قرن تقريبًا، كذلك عامل ضغط الوقت خاصة للأسر التي تعمل في مهنتين، لكن هذا كذلك يُعد عاملًا هامشيًّا. لكن على الرغم من هذا بقيت عدة عوامل مألوفة مثل:

– التغيرات في هيكل الأسرة (المزيد والمزيد من الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم) والتي تُعد ديناميكية محتملة، حيث إن الطرق التقليدية للمشاركة المدنية غير مصممة بشكل جيد للأشخاص العازبين أو الذين ليس لديهم أطفال.

– امتداد ضواحي الذي أسهم في شق الوحدة المكانية لحياة الناس، فأصبحوا يسافرون لمسافات أبعد للعمل والتسوق والترفيه والحصول على الفرص المختلفة. نتيجة لذلك أصبح هناك وقت أقل وكذلك ميل أقل للانخراط في مجموعات وروابط اجتماعية غير رسمية.

– الترفيه الإلكتروني، وخاصة التلفاز الذي خصص وقت الفراغ بشكل كبير. الوقت الذي نقضيه أمام شاشات التلفاز هو استنزاف مباشر للوقت الذي يجب قضاؤه في المشاركة في مجموعات وأنشطة بناء رأس المال الاجتماعي.  

 

تعتبر كل هذه العناصر مجتمعة، قوة كبيرة. حيث تظهر أن قلة المشاركة في الجمعيات والمنظمات التي تخلق نماذج بديلة (خاصة المشاركة في المجموعات الدينية والحركات الاجتماعية المهتمة بالعدالة والتضامن الاجتماعي) لديها تأثير كبير في السعادة.

إن التشديد على الملكية الفردية، والميل إلى المقارنة، وتأثير خصخصة وقت الفراغ، قد دق ناقوس الخطر. الفكرة أن السعادة قد تكمن في الرفقة والأنشطة الجديرة بالاهتمام وفي تقدير وجودنا في العالم، وهو ما لا يعترف به الكثير مننا.

عندما تسأل الناس عما يسعدهم، يمكنهم أن يمنحوك الإجابة بسهولة، لكنهم يفشلون في اتباع ما يسعدهم ويتراجعون عند مرحلة اتخاذ القرارات. لكن حقيقة أننا على علم بما يمكن أن يسبب ازدهار الإنسان يمنحنا احتمالات التغيير مستقبلًا.

بحسب قناعة غرامشي أن الهيمنة ليست كاملة، وهناك دائمًا توترات وثغرات يمكن فتحها، وهنا بوضوح يأتي دور المُعلمين.

 

التعليم من أجل السعادة

إحدى السمات البارزة للحياة السياسية والنقاشات حول إصلاح التعليم، هي الغياب شبه الكامل للمحادثات المنطقية حول الرفاهية وما الذي يجعل الناس سعداء.

يجب أن يتحول الاهتمام من الجدل الكثير الدائر حول كيفية إسهام التعليم في النمو الاقتصادي (والذي شاهدنا كيف يمكن أن يكون له آثار سيئة في ازدهار الإنسان)، وكذلك الاعتماد والانجاز ضمن الحدود الضيقة في المنهاج الوطني، إلى الاهتمام بما يتم تدريسه وكيف يتم هذا.

في واحدة من المقاطع التي لا يمكن نسيانها من كتاب (The courage to teach) للكاتب باركر جي بالمر، يفسر باركر العديد مشكلة أساسية في الكثير من النقاشات الدائرة حول الإصلاح التعليمي، فيذكر: إن السؤال الأكثر شيوعًا الذي نقوم بطرحه هو ماذا/ ما للتساؤل عن الماهية ما المواد التي يجب علينا تدريسها؟
وعندما تبدأ المحادثة في اتخاذ منحنى أعمق، نبدأ بالتساؤل عن الكيفية
ما هي الطرق والوسائل اللازمة للتدريس بشكل جيد؟

عادة عندما تبدأ الأمور في التعمق أكثر، نبدأ في التساؤل عن السبب ما الأهداف والنتائج التي نُدرّس من أجلها؟

لكن نادرًا ما نتساءل عن الشخص من الذات التي تقوم بالتدريس؟ كيف تشكل جودة ذاتية أو تشوهها الطريقة التي أتعامل بها مع طلابي، وموضوع الدراسة، وزملائي، وعالمي؟ كيف يمكن للمؤسسات التعليمية الحفاظ على عمق الذات التي يأتي منها التدريس الجيد؟  (باركر جي بالمر 1998: 4)”

لا يمكن أن نأمل في إصلاح التعليم إذا فشلنا في تحدي الحفاظ على فكرة أن القلب البشري هو مصدر التعليم الجيد (باركر بالمر 1998: 3)، ولن يتحقق الكثير إن لم يرتبط الأمر مع مسألة الأهداف.

كما يعلق نيل نودينجز (2003: 74) أنه حتى وقت قريب برزت النقاشات الهادفة في نظريات التعليم، وبعض الأنظمة التعليمية لديها نوع من البيان الخاص بالأهداف. اليوم يسيطر الاهتمام بالمعايير على العديد من النقاشات في ديمقراطيات السوق، والأسباب الممنوحة لهذا الاهتمام هي غالبًا ما تكون اقتصادية (المصدر السابق: 84).

إذا كنا نؤمن أنه ينبغي أن تمنح الفرصة للناس ليعيشوا حياة سعيدة ومرضية، فوضع المعايير الاقتصادية أولًا لن يفعل ببساطة. نحن بحاجة إلى إعادة النظر في هدف النقاشات التي تُجرى، والقلق بشأن ازدهار البشر واستبداله بالقلق حول المعايير الاقتصادية.

كان جون ديوي حريصًا على توضيح أن وضع السعادة في مركز الاهتمام والنقاشات، لا يعني نقص الانتباه إلى المعايير المهنية والاقتصادية. لكنه يعني أن يتم وضعهم في مكانتهم الصحيحة إلى جانب جوانب حياتية أخرى.

 

كما ساعد جون وايت (1982) في إظهار أن وضع الرفاهية والسعادة في قلب الجهود التعليمية يأتي بثلاث مهام رئيسة إلى المقدمة، وهما:

أولًا: على الأفراد أن يفهموا بعبارات عامة ما الذي تتكون منه رفاهيتهم. عليهم أن يروا أنفسهم كمجموعة من الحيوانات التي تمتلك رغبات، ويقدروا الطرق المختلفة التي تتخذ بها هذه الرغبات أشكال عديدة تبعًا للتأثير الثقافي، والرغبات الجديدة التي تُبنى نتيجة لها (وايت 1982: 58). هذه العملية توسيعية وتقييدية في الوقت نفسه فتفتح الأبواب لحرية الاختيار، ولكن يظل على الفرد مهمة اتخاذ الخيارات في النهاية.

ثانيًا: يجب أن تشمل المهام التعليمية تطوير الكفاءات فيما يتعلق بتحقيق مثل هذه الحاجات الإنسانية الرئيسة. هذا يتضمن تطوير المهارات في العلاقات، في وسائل الحصول على لقمة العيش، وفي العمل، إلى آخر هذه الأمور. أوضح نيل نودينجز (2003) عددًا من المجالات المحتملة فيما يتعلق بتطوير المهارات من خلال التعليم من أجل الحياة الخاصة مثل (إنشاء منزل، الأماكن المحببة والطبيعة، الأبوة والأمومة، الشخصية والروحانية، والنمو بين الأفراد)، وكذلك عددًا من المجالات المحتملة فيما يتعلق بـ الحياة العامة مثل (الإعداد للعمل، تعليم المجتمع، الديمقراطية والخدمات).

ثالثًا: والأهم من ذلك، فإن امتلاك الفهم والمهارات العامة ليس كافيًا، فالمعلمون يؤدون دورًا أساسيًا في تشكيل المواقف. بعبارة أخرى إذا كان الناس يرغبون في الازدهار والسعادة، فعليهم اكتساب تصرفات وفضائل مختلفة تمكنهم من توحيد كل هذا معًا في إطار متكامل متماسك.

 

أصبح محل اهتمام الكثير حاليًا، كيف بدأ التربويون في القيام بذلك ضمن أنظمة التعليم الاقتصادية الضيقة المُقيدة بالقوانين. بالنسبة للأفراد يستلزم القيام بالأمر امتلاك الشجاعة من أجل التدريس بدلًا من ترديد متطلبات المناهج الدراسية الوطنية والدوائر الحكومية، وهو ما يعد كفاحًا لمحاولة إيجاد المصادر اللازمة له. هذا بالتحديد ما يتم عند تدريب المُعلمين وإضفاء الصفة الاجتماعية المُسلم بها عليهم بكونهم ناقلين للمعرفة وليسوا تربويين.

على الرغم من ذلك فإن الأعداد الواضحة التي جرؤت على قلب نظام التعليم الضيق، تمنحنا بارقة أمل. يتضح كذلك أن القليل فقط يمكن صنعه دون أن يتحد المُربون معًا لتطوير المفاهيم وتنظيم الحملات المختلفة.

 

السعادة في التعليم

الآن يمكننا العودة إلى سؤال باركر جي بالمر عن الهوية أو من؟. التعليم الذي يستهدف تحقيق السعادة، لا يمكن ببساطة تحقيقه بمجرد تدريس مناهج عن السعادة!

من خلال خوض تجربة مزدهرة يمكن اكتشاف طُرق الازدهار المختلفة، وهذا يعني توفير مساحات للتعلم حيث يمكن للناس خوض التجارب واستكشاف السعادة. يتطلب الأمر كذلك إشراك مُعلمين سعداء بما يقومون به ويسعون إلى عيش الحياة كما يحبون (انظر بالمر 1998). كما كتب نيل نودينجز مرة أخرى فيما يتعلق بتعليم الأطفال: أفضل المنازل والمدارس هي الأماكن السعيدة. يدرك البالغون في هذه الأماكن أن الهدف الوحيد من التعليم (بل الحياة بأكملها) هو السعادة، وأن السعادة هي الغاية والوسيلة. عندما ينمي الأطفال السعداء فهمهم لطبيعة السعادة، سوف يغتنمون فرصهم التعليمية بفرحة، ويُسهمون في إسعاد الآخرين من حولهم. يظهر جليًا أنه عندما يكون الأطفال سعداء، يصبح مُعلموهم في المدرسة كذلك، لكننا ننسى في الأغلب هذا الارتباط الواضح. ختامًا، بشكل أساسي، إن الأشخاص السعداء الذين يحتفظون بضمير اجتماعي غير مستقر، سيسهمون في خلق عالم أكثر سعادة (نودينجز 2003: 261)”.

 

قدم باركر جي بالمر واحد من أشهر التفسيرات لما يستلزم لخلق مساحة بهذا الشكل. في كتابه (To know as we are Known) ذكر أن هذه المساحات لديها 3 أبعاد رئيسة وهي الانفتاح والحدود وأجواء حسن الضيافة (1983؛ 1993: 71-75).

في المرحلة الأولى يعمل المعلمون والمشاركون على إزالة الفوضى، سواء كانت تتمثل في كلمات دون معنى، أو الضغوطات لاستكمال المهام اليومية، أو مشاعر الانسداد والضيق، أو أي شيء آخر. مع ذلك فإن انفتاح المساحة يُخلق من ثبات حدودها (المصدر السابق: 72). في النهاية يجب أن تكون هذه المساحات هيكل للتعليم، وليست دعوة للفوضى والارتباك (مرجع سابق).

يمكن للتعليم أن يكون مؤلمًا، وتصبح عمليته ونتائجه غير مرضية، ولهذا السبب، وبنفس الطريقة التي دافع بها إيفان إليش عن الحياة المشتركة، نظر باركر جي بالمر إلى حسن الضيافة بشكل مفيد، فيقول الضيافة تعني استقبال بعضنا لبعض، واستقبال صراعاتنا، وأفكارنا الجديدة، بانفتاح ورعاية، ويستكمل: إن الفصل الدراسي الذي تُعد فيه الحقيقة أمر مركزي، يصبح مكانًا لاستقبال كل شخص مختلف وكل ما هو غريب بترحاب (بالمر 1983؛ 1993: 74).
(لقراءة النقاش حول وجهة نظر بالمر عن مساحات التعليم، اقرأ (Parker J. Palmer: community, knowing and spirituality in education).

 

وفي الختام

في هذا المقال شاهدنا كيف أن المجتمعات التي تركز على النمو الاقتصادي معرضة لخطر إخماد سعادة الكثير من أفرادها (وكذلك الناس في المجتمعات الأخرى). كما شاهدنا أيضًا أن هناك أدلة قوية على أن بعض مجالات الخبرة البشرية تشجع على السعادة والرفاهية. هذا يتضمن جودة العلاقات الشخصية في المنزل ومع الأصدقاء، والقدرة على الإسهام في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك الفلسفات القوية عن الحياة. رأينا كذلك أن هناك قضية كبيرة جدًا لوضع السعادة في مركز المسعى التعليمي.
إذا قرر التربويين أخذ السعادة والازدهار الإنساني بشكل جدي، فعلينا أن نقوم ببعض التغييرات الجذرية في طريقة فهمنا والنهج الذي نتبناه وطرق تنظيمنا للتعليم، وهي
:

أولًا: يستلزم الاهتمام بالسعادة في التعليم، النظر إلى ما هو أبعد من الفصول الدراسية وسياق التعليم المباشر. إذا كانت المؤسسات التعليمية الرسمية ستبدأ في الاهتمام بالشخص الكامل، فهناك مجموعة من الخبرات والفرص يجب توفيرها كذلك. يشمل هذا المزيد من الأنشطة الدراسية والفرصة للمشاركة في الحياة الاجتماعية.

ثانيًا: المشاركة في التعليم غير الرسمي، والتعليم المجتمعي، والأشكال المختلفة للحوارات التثقيفية.

ثالثًا: تلخيص أجزاء كبيرة من المناهج الدراسية الوطنية (إن لم تكن المناهج بأكملها)، والبحث عن موضوعات ومناهج أخرى لا تنفر الطلاب من دراستها.

رابعًا: إمكانية الوصول السهل إلى المشورة والرعاية، حتى يكون لهؤلاء الذين يعانون من المشاكل والاضطرابات وسيلة لفهم أنفسهم وحالتهم.

 

القائمة تمتد، ويُعد حجمها ونطاقها دليل على الصعوبات التي تشملها محاولة إعادة توجيه الأنظمة التعليمية. ربما كان جان بودريارد محقًا عندما تحدث عن صعوبات مقاومة الثقافات السائدة، لكن سعادة الناس تبدو أكثر أهمية من ألا نحاول تحقيقها.

 

مزيد من القراءات والمراجع:

  • Lane, R. E. (2000) The Loss of Happiness in Market Economies, New Haven: Yale University Press. 465 + x pages.

دراسة مهمة تدل على تراجع السعادة في اقتصاديات السوق ، وأهمية الرفقة كمساهم في الرفاهية.

 

  • Layard, R. (2005) Happiness. Lessons from a new science, London: Allen Lane. 310 +ix pages.

يرشح وبقوة للقراءة حول طبيعة السعادة وما الذي يجعلنا سعداء (أو غير سعداء)، وتوضيح ضعف الارتباط الشهير بين السعادة والثراء، واكتشاف ما يمكن فعله لتحقيق السعادة.

 

  • Noddings, N. (2003) Happiness and Education, New York: Cambridge University Press. 320 pages.

يستعرض الكتاب ما يمكن تدريسه في حال إن قررنا أخذ السعادة بصفته هدفًا تعليميًّا على محمل الجد، ويلقي بالنظر على التعليم في الحياة الخاصة والعامة.

  • Palmer, P. J. (1998) The Courage to Teach, Exploring the inner landscape of a teacher’s life, San Francisco: Jossey-Bass.

مبني على فرضية أن التعليم الجيد لا يمكن اختزاله في التقنية التي ينفذ بها، ولكنه يأتي من هوية المعلم ونزاهته. هذا الكتاب يستعرض عددًا من الموضوعات الأساسية للتعليم غير الرسمي، والتعليم بشكل عام.

 

  • Putnam, R. D. (2000) Bowling Alone. The collapse and revival of American community, New York: Simon and Schuster. 541 pages.

تحليل عبقري، ووضع دليل على تراجع واحتمال إعادة بناء الحياة المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك