الطفولة في قرية هندية

26 يناير , 2017

يقول “ويلفريد بيلتير”: “لقد ذهبت إلى العديد من المجتمعات في كندا، وإلى الآن لا يمكنني العثور على المكان الذي يدرِّس فيه الهنود. كل الأطفال كان من حقهم أن ينمو، ويتطوروا ويتعلموا… كان عدم التدخل واحدًا من الأخلاقيات التي ظلت ممارستها في المجتمع. فلا أحد كان يضايقنا، والوضع لا يزال على حاله إلى يومنا هذا. فإذا ذهبت إلى أي بيت هندي،  فالأطفال فيه لن يأتوا ويزعجوك، وأنت تتحدث إلى أحدهم. ربما وقفوا إلى جانبك في هدوء بينما تتحدث، تمامًا كما يفعل أي إنسان راشد.”

“ويلفريد بيلتير” (1927ــ 2000) هو زعيم “أودوا”، وهو كاتب، وراوٍ. و”بيلتير” كذلك ــ كما يصف نفسه ــ شخص يهتم بالهراء! وقد اشتغل كزعيم “مقيم” في قسم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في جامعة “كارليتون” لعشرين عامًا. كما يعمل كمستشار لمركز التعليم والبحث والثقافة الخاص بالسكان الأصليين. وقد آمن “ويلفريد” أن هذه التوجه المتعلق بتعليم السكان الأصليين ـــ غير التنافسي، والتجريبي، والذي يستند على قصة، تحوي قيم روحية، واحترامًا عميقًا لبقية البشر، وللأرض ككل ـــ من شأنه أن يقدم ما عجزت طرق التعليم الغربية التقليدية عن الاعتراف به!

 

حين أستعيد ذكريات طفولتي في المجتمع الهندي، أُدرك أنني لم أكن أعرف شيئًا عن الناس من حولي، اللهم إلا كوننا جميعًا سواسية. وكان هناك فصل دراسي واحد، ذو بناءٍ أفقي . ولم يكن أي من الطلبة مهتمًّا أن يتفوق على الآخرين! كما كان يمكنك أن تلحظ هذا الأمر في ألعابنا، فلا أحد كان ينظمها، ولم يكن هناك أي نوع من الرياضات التنافسية. صحيح أننا كنا ننخرط في العديد من الأنشطة، وكنا منظمين، لكن ليس بالأسلوب الذي يمكِّنُنا من تحديد الخاسر والفائز. لعبنا البيسبول كالآخرين، ولكن لا أحد كان يسجل النتائج. في الحقيقة، كان اللاعب يظل في موقع الهجوم حتى يضرب الكرة. وإذا حدث ومر شخص كبير في السن، فإننا كنا نضايقه ونغيظه، حتى يأتي ويضرب الكرة، وكان يأتي بالفعل ويضربها لنا! وإذا ما أخرجونا عند القاعدة الأولى، بقينا في مكاننا، لأننا حين نتجه نحو الثانية، يخرجوننا من اللعبة كذلك. وأحيانًا يُخرجونا في كل الأحوال!

وقد اعتدنا أن نلعب ألعابًا أخرى. فهناك لعبة كنا نحاول من خلالها أن نضرب بعضنا البعض بالكُرة، أثناء وقوفنا بين خطين. ولم يكن هناك فرق بين أن يتم ضربك أنت، أو أن تبقى في المركز، وتحاول ضرب شخص أو لا تضرب بالمرة. ولكن كان من الصعب جدًا ضرب هؤلاء الفتية. فأنا أذكر أنني كنت واقفًا بين الخطين، وفجأة اختفى هؤلاء الصبية، وكان علي حينها أن أضرب الكرة، ولكنني لم أتمكن من إصابتهم، فقد كانوا رائعين حقًّا.

لاحقًا، بدأت أستوعب أن ما كنا نقوم به حينها، هو اللعب! ذاك النوع من اللعب الذي يشبه لعب الحيوانات! فحين ترقب الدب، سواء الكبير، أو الذكر، أو الأنثى، ستلقاهم دائمًا يلعبون مع صغار الدببة، وثعالب الماء تفعل الشيء ذاته. فلم تكن أي من الألعاب التي لعبناها منظمة أو مخططًا لها. استوعبنا هذه الحقيقة حين جاء مدراء الترفيه من العالم الخارجي، وأخبرونا أننا نعاني من مشكلة في مجتمعنا، وهي أننا لسنا منظمين، وأنهم سيقومون بتقديم بعض الاقتراحات.

وقد قاموا بذلك فعلًا، وأظهروا درجة كبيرة من المنافسة في لعبهم. وأشعر بالسعادة حين أتذكر أنني في صغري، اختلطت مع الناس في مجتمعي دون أي منافسة. وحتى وإن تنافسنا رسميًا في الألعاب التي لعبناها، فلا أحد كان يُعتبر فائزًا حتى وإن فاز شخص ما. يختلف الوضع فحسب حين تسحب قوسًا وسهمًا، ثم تصوب السهم بعيدًا، وكان هذا يعني حينها أنك أصبت السهم بعيدًا، هذا كل شيء! فلم يكن انتصارك يعني أنك الأفضل بأي شكل من الأشكال. وإنما كل ما تعنيه إصابتك للسهم، هي أنه اتجه لمكان أبعد، فلربما كان المعول على الطريقة التي وَجَّهت بها القوس.

واحد من أهم الأمور التي أتذكرها هي علاقتنا بأسرنا، فنحن لم نعش دائمًا في المنزل.  فقد اعتدنا على أن نقيم في المكان، الذي يتصادف تواجدنا فيه وقت حلول الظلام. فإذا كنا على بعد ميلين أو ثلاثة من المنزل، فهذا هو المكان الذي ننام فيه. الناس كانوا يطعمونك حتى وإن لم يعرفوك! وربما حدث ونمنا عند زوجين مسنين، وحكوا لنا قصصًا. ومعظم هذه القصص كانت أساطير وكانت تُروى لنا غالبًا في الشتاء. أما في الصيف، فالناس عامة كانوا يأخذوننا للخارج، لنقوم ببعض الأعمال التي تُعيننا على اكتشاف الحياة ومعناها. فنقوم بالتحدث عن شخص معين وشرح ما قام به هذا الشخص. ولا أتذكر مطلقًا أن أحدًا علَّمنا أي شيء البتة طول السنوات التي عشناها هناك.

لقد ذهبت إلى العديد من المجتمعات في كندا، ولم أتمكن من العثورعلى المكان الذي يدرِّس فيه الهنود. كل الأطفال كان من حقهم أن ينمو، ويتطوروا ويتعلموا. ولكنهم لم يعلِّمونا أن هذه أم، وهذا أب، وذاك مكتب، وهذه مِنفضة، وهذا بيت …إلخ. لقد تعلمنا هذه الأمور من خلال استماعنا للكبار وهم يتحدثون، ثم نبني نحن العلاقة بين الكلمة والموضوع الذي يتكلمون حوله. وإذا ما راقبت طفلًا الآن، فإنك ستجده يقلب كرسيًا، ويغطيه ببطانية، ويستخدمه لأحد المنازل! فهو يستطيع ربط الكثير من الأشياء بالكرسي! وكلما كبرنا، صارت لنا علاقة واحدة بذاك الكرسي، وهي الجلوس الدائم عليه! فلا استخدام آخر له! وفي الواقع، فإن هذا ما نخبر به أطفالنا في الواقع، نخبرهم بأن هذا هو ما صُنع له، وأن مكانه في ركن، لا ينبغي تحريكه منه.

أتذكر هذه الأمور جيدًا، فقد نشأنا على أن تكون لنا علاقة مختلفة بمنزلنا، وبكل الأشياء التي تحيط بنا. بمعنى أن الأهمية التي أضفاها الكبار على الأشياء في مجتمعنا، لم تنتقل بالضرورة إلى أطفالهم، وجعلتهم بالتالي يضفون نفس القيمة على الأشياء. لكن الأطفال اكتشفوا قيمة الأشياء بأنفسهم، وطوَّروا علاقتهم الخاصة بها.

ونفس الأمر يتعلق بدين المجتمع، والذي تمحور حول الإنسان. وكان عدم التدخل واحدًا من الأخلاقيات التي يتم ممارستها في المجتمع. فلا أحد كان يضايقنا، والوضع لا يزال على حاله إلى يومنا هذا. فإذا ذهبت إلى أي بيت هندي، فالأطفال لن يأتوا ويزعجوك وأنت تتحدث إلى شخص ما. ربما يقفوا إلى جانبك في هدوء بينما تتحدث، تمامًا كما يفعل أي إنسان راشد. وإذا لاحظتَ الهنود في أي مكان فستجدهم يقفون في هدوء، ولا يتكلمون إلا حين يُؤذن لهم. وإذا حضروا مجلسًا يضمُّ مجموعة من الناس، فإنهم سيتصرفون بنفس الأسلوب. فتُلْفِهم ينصتون للمتحدثين، ويتكلمون متى ما أُتيحت لهم فرصة الكلام، ولكنهم لن يقاطعوا أحدًا، أو يتدخلوا في الحديث. هناك من يُقاطعون ويتدخلون في الحديث هذه الأيام، ولكنهم ليسوا كُثْر، فالمعظم ينتظر دوره. ذلك أن خلفية النظام التعليمي كله اعتمد على الملاحظة والشعور، وهكذا تعلم الهنود!

كانت ظروف التعليم التي عشناها في طفولتنا مختلفة تمامًا. فكل الأمور التي قمنا بها حقيقة كانت مرتبطة بطريقة حياتنا. كان يجب أن يتواءم الكل مع “الكل”، فنحن لم نتعلم على أجزاء. فعلى سبيل المثال، إذا حدث وشاهدنا أحدًا يشغل محركًا خارجيًا، فإننا كنا نتعلم كل شيء يتعلق بتشغيل المحرك. وإذا علَّم شخص غيره هذا الأمر، فلربما أضاف بعد انتهائه برنامج السلامة. وهذا بينما يدرُسُون ملاحظاتهم، ولأن حياتهم تتوقف على أن يقوموا بذاك الأمر على الوجه الصحيح.

وكما أننا لم نفصل بين تعليمنا وأسلوب حياتنا، فإننا كذلك لم نفصل بينه وبين عملنا. فالنساء المسنِّات مثلًا، اللاتي اعتدن العمل في دباغة الجلود طول اليوم، لم يفكرن في ذلك الأمر على أنه عمل، بل كان هذا أسلوب حياتهن. وهذا هو الفرق الكبير بين المجتمع الذي أتكلم عنه، والمجتمع الذي نعاصره اليوم، حيث يربط هذه الأمور بالعمل، ثم تجده يخرج ويمارس الرياضة ويستمتع بها. فنحن هنا نذهب للعمل، وبعدها نستخدم ربع أو نصف الطاقة التي نملك لممارسة الرياضة، ونسمي ما نقوم به عملًا، ونشعر اتجاهه بشعور يختلف تمامًا عما كان عليه الحال في الماضي. هذه هي أنواع الاختلاف الموجودة. فالهنود الذين كان لهم طريقتهم في الحياة، وشعروا بأن هذا هو أسلوب حياتهم، لم يُطلقوا عليه عملًا. وكان أسلوب الحياة ذاك، هو نفسه الوسيلة التي كانوا يُعيلون بها أسرهم، وقد “عملوا” بغاية الجِد.

أحد الأسباب وراء عدم تسميتهم لأسلوب حياتهم بالـ “العمل”، هو أنه لم يكن لديهم رؤساء عمل! فكما ذكرتُ آنفًا، فإنه لم يوجد أي بنية رأسية للمجتمع. ما كان موجودًا في تلك المجتمعات هو مشاركة السلطة. وعلى الرغم مما يقوله الجميع، فإننا لم نملك فعلًّا أي مدراء، أيْ أناس يُقال عليهم زعماء! كان عندنا رجال الطب، والذين عُرفوا بحكمتهم. أما البقية فكانوا زعماء بطريقة خاصة، فلم يكونوا رؤساء بالصورة التي ننظر بها إلى مدراء اليوم. بل كانت زعامتهم من نوع مختلف، فالشخص الذي كان يعتبر زعيمًا، كان يملك قدرات مميزة في صيد السمك أو القنص مثلًا. فكان يتولى الزعامة في ذلك اليوم، ثم يتخلى عنها متى ما انتهت مهمته. أي أنه كان يملك السلطة فحسب في الفترة التي كان يرغب فيها بعمل شيء ما. وهو يحصل على جميع أنواع السلطة بناء على جميع الأعمال، التي يقوم بها في المجتمع. وبالتالي، فإن الشخص يستخدم السلطة فحسب لإنجاز ما يرغب من العمل، ثم يتخلى عن هذه السلطة مباشرة، حتى يتولاها آخر. ومن هنا، تتنقل السلطة عدة مرات في المجتمع، وخلال يوم أو أسبوع أو أيًّا كانت المدة.

كان يتم استخدام بنية عمودية في أوقات الكوارث والحروب فحسب. فقائد الحرب يحدد مهام مختلفة للأشخاص مستخدمًا البنية العمودية. وكان هذا فحسب في أوقات الخطر. أما فيما عدا ذلك، فالبنية الأفقية كانت هي القائمة. وقد أخبرني جدي مرة في صغري أن الحصول على السلطة أمر مدمِّر، ولكنني لم أستوعب  هذه العبارة إلى من عدة سنوات قلائل.  فالإنسان سيغدو مولعًا بالتدمير إذا ما حصل على السلطة، ذلك لأنه إذا لم يتحد معه الناس، فسيدمرهم! وقد نسيت هذا الكلام، وبدأت أنقِّب عن السلطة، وأخسر أصدقائي. فكنت أصنع قرارات لأناس آخرين بنفس الخلفية التي أملكها أنا عن الموضوع! أما الآن، فأحاول أن أحارب هذا الأمر، سيما وأن الناس دائمًا ما يضعونني في مواقف تخوِّلني السلطة. فهم يقولون أنني مدير معهد الدراسات الهندية، وهذا غير صحيح، فأنا فحسب في كلية “روتشديل”، حيث يصنع الجميع قراراته بنفسه، فيما يتعلق بما يريدونه. وبالتالي، فهم يتولَّون الأمور، وإن استطعت المساعدة، ساعدتُّ. وأنا أعرف ما أريد وأتمنى أن يتسنى لي تحقيقه. ومن الأشياء التي تثير اهتمامي هو نوع الحياة التي يعيشها الشباب من الهنود في “روتشديل”، وما يحدث لهم في المدينة.

فالمدينة فيها مشاكل من نوع خاص بالنسبة لهم، تمامًا كما كان الأمر بالنسبة لي. فمعظمهم نشأ في بيوت هندية، والتي لا يُنبَذ فيها طفل. ففي البيت الهندي إذا حصل وكان وجه الطفل متسخًا، أو حفاضته مبتلة، فإن أي أحد يتولى مهمة العناية به، سواء كان الأب، أو الأم، أو أي أحد يَفِد على المنزل، فالطفل لا يكون منبوذًا أبدًا. كما أنه لا يُوضع في سرير لا يُمكِّنه من النظر إلا في اتجاه واحد، والذي يكون إلى الأعلى. بصفة عامة، فإن الطفل يجلس أو يقف بوضعية (غالبًا مربوطًا) تمكِّنه من رؤية العالم في كل الاتجاهات. كما أنه يتم إطعام الأطفال متى ما شعروا بالجوع. ولم يكن مسموحًا أبدًا أن يُتركوا وهم بحاجة لشيء، فكانوا يُعطوَن كل ما كانوا يريدونه. فإذا أراد الطفل اللعب بشيء، فإنه يُعطاه فورًا. ولا أحد سيفكر في وضع “خشخيشة الأطفال” بعيدًا عن متناول الطفل، الذي سيحاول انتزاعها، ومن ثمَّ يُوصَمُ بالعدوانية. كما أنه لا أحد يلتزم بإطعام الرضيع في أوقات محددة. وما يلي هذا المنهج فيما يخص السلوكيات وطريقة الحياة، يعتبر هائلًا. فيتم التأثير على طبيعة الطفل في أول أربع أو خمس سنوات. ونتيجة لذلك، لا يملك الأطفال روح المنافسة، ولا يجدون حاجة لذلك!

ولكن الوضع يتغير بالكامل حين يخرجون للحياة، حيث تختلف القيم والسلوكيات بشكل كامل، ويجدون أنفسهم في عالم لا يقبل قيمهم. وهو نفسه العالم الذي لم يسمح لنا أن نتحدث لغتنا حين كنا أطفالًا. بالطبع، حاولنا أن نتحدث لغتنا، ولكننا كنا نُعاقب على ذلك. فمن أربع أو خمس سنوات مضت، كانوا لا يزالون يجرِّدون الأطفال من ثيابهم في “كينورا” ويضربوهم إذا ما تحدثوا لغتهم! وعلى الأرجح أن مثل هذا التصرف مستمر في معاهد أخرى اليوم. وقد عوقبت عدة مرات لتحدثي بالهندية، ليس فحسب في ساحات المدرسة، بل وخارجها، وفي الشوارع كذلك. وقد كنت أسكن على الجانب الآخر من المدرسة، وحتى أمام باب منزلي تقريبًا، كانت لغتي الأولى تمنعني من التحدث بالهندية! ولكن بمجرد دخولي للمنزل، أجد والدي يتحدثان الهندية.

لغتنا مهمة جدًا بالنسبة لنا، فلغتنا وطريقة تركيبها مرتبطة بطريقة حياتنا ككل. كم هي جميلة “صورة” اللغة تلك التي يخبرونك فيها بالبداية والنهاية، وعليك أنت ملء بقية الصورة. ويتركونك حينها تستوعب بالطريقة التي تروق لك. أما هنا ، فنحن نتلاعب ونحرِّف الأشياء، ونعلمك كيف تكره شخصًا! أما الهندي فلا يفعل ذلك، وإنما يخبرك بأن أحدهم “متورط في حادث”، ولا يُعطيك أي تفاصيل. وهنا، يأتي دورك أنت في استكشاف ومعرفة ما تريد معرفته. وإذا سألت ذاك الهندي: ” ماذا حصل؟” فقد يخبرك بتفاصيل أكثر. وإذا سألته مثلًا هذا السؤال: ” هل اختَرَق الشخص الزجاج الأمامي؟” ستكون إجابته:” نعم!” فهو يجيب فحسب على الأسئلة. أما فيما يخص الحصول على التفاصيل، فيرجع إليك وإلى رؤيتك للأمور. ونحن نفقد هذا الشعور، حين نفقد ممارسة لغتنا في المدرسة. فقد تعلمنا الإنجليزية، ولم نتعلم الهندية كلغة أولى، وهذا غيَّر علاقتنا بآبائنا. وفجأة، وجدنا أنفسنا نقول لهما: “أنتم أغبياء!” وهكذا فقد أصبحنا نساوي بين الجهل والتعليم، وهذه أول خطوة للانحدار. فنحن الذين ننحدر، وليس آباؤنا. وبسبب هذا التفريق، فنحن في انحدار مستمر حتى نصل للقاع، لأننا نحن الذين ننبذ آباءنا، بينما لا يفعلون هم ذلك. وهم يدركون ذلك، ولكنهم لا يستطيعون عمل شيء حيال هذا الأمر. أما نحن فنتبنَّى قيم وتاريخ أناس آخرين!

والسبب في أن الآباء نادرًا ما يتحدثون عن هذا الأمر، هو أنَّ هكذا هي طريقتهم. فهم لا يدرِّسون كالبيض، بل يتركون أطفالهم يقررون بأنفسهم. وأقرب نوع من أنواع التدريس التي استخدمها آباؤنا هي حكاية القَصص. دعوني أضرب لكم مثلًا: في إحدى المرات، كان علينا أن نقطف التوت، وبينما كنا جاسين نقطف، حكى لنا أحد الفتية قصة. وقد كان يريد أن يعلمنا من القصة أهمية الاغتسال. وكنا بحاجة وقتها لأن نغسل أقدامنا، بعد أن قضينا اليوم نسير وسط الأغصان. فحكى لنا عن محارب ذي بنية جميلة وقوية، وقد اعتاد ذلك المحارب أن يدهن جسده بالزيت ويهتم به. ومرة، خرج ذلك المحارب والتقى بأناس ، لم يسبق أن رآهم قبلًا. ثم بدأوا بملاحقته، ولم تكن عنده مشكلة، لأنه كان مستعدًا. وأخذ يلهو ويلعب معهم، لأنه كان عداءً ماهرًا.  فنشأ يجري فوق التلال والصخور ليغيظهم. ثم ، قابل مجموعة أخرى، حين فقدت المجموعة الأولى الأمل في مطاردته. والآن ، كان عليه أن يهرب من تلك المجموعة الجديدة، فجرى بأقصى سرعته، وفجأة وقع. وحين حاول النهوض، لم يستطع. وهنا تحدث لأقدامه ، وقال: “ماذا حدث لكما؟ سأُقتَل إذا لم تقفا وتتحركا!” فأجابت أقدامه: “إنك تمشط شعرك، وتدهن جسمك، وتعتني بساقيك، وذراعيك، ولكن لا تعتني بنا أبدًا! فأنت لم تغسلنا، أو تنظفنا، أو تدهنِّا، أو تعتني بنا مطلقًا!” وهنا، وعدهما المحارب بالاعتناء بهما جيدًا إذا ما نهضا وتحركا، وبالفعل قاما بذلك.

هذه واحدة من القصص التي رُويت لنا. وقد نهضنا حينها بالفعل وغسلنا أقدامنا، ثم اتجهنا للفراش. وربما يسير هذا الأمر في بعض المجموعات الوثنية الأخرى، لا أدري، ولكن هذا هو نوع التعليم الذي حصلنا عليه. وأنا لن أنسى مطلقًا الأشياء التي تعلمناها، لأنه بالنسبة لي كل تلك الأشياء التي تعلمتها تنتمي لي أنا. فهي ليست تبعًا لأناس آخرين، بل هي ملكي أنا. ففي مرة، أردتُّ الذهاب للصيد، والفتيان كانوا يعرفون أنني لن أستطيع عبور النهر لكونه مغمورًا بالمياه، ولكنهم لم يقولوا أيَّ شيء! وتركوني أذهب، ثم لقيتهم لاحقًا عند الصخور، فاكتفوا بقول: “حسنًا”، رغم علمهم أنني لم أتمكن من العبور. ولكنهم لم يكونوا ليخبروني بذلك، بل قرروا إفساح المجال لي لأجرب بنفسي. وأنا ممتن لهؤلاء الناس الذين سمحوا لي بالحصول على هذا النوع من مواقف الاستكشاف والتعلم. والسبب الآخر في منحي فرصة الاستكشاف، هي أنني ربما استطعت العثور على ما عجزوا هم عن إيجاده، أو اكتشاف أمر مختلف، أو طريقة جديدة. أعتقد أن طريقة التعليم هذه هي أحد أهم الأمور التي يملكها الهنود، والتي من شأنها المساهمة في مجتمع اليوم. وهذه الطريقة تعتمد على خلق مواقف لتعليم الناس، بدلًا من التدريس، وتلقين المعلومة.

كل هذه الأمور ـــ والتي تتضمن الطرق المتنوعة للحياة الهندية، واختلافها عما نعيشه الآن ـــ لم أدركه إلا حين غادرت هذا المجتمع المحافظ. حينها فحسب أدركت مدى الاختلاف بين المجتمعين. فبينما لم يكن مجتمعنا ذو بنية عمودية، إلا أنه كان منظمًا للغاية. بل كان منظمًا للدرجة التي لا تدع مجالًا لظهور أي مشكلة، دون أن يجد لها أحدهم حلًا على الفور. وذلك بدون إعطاء أي إشارات، أو استخدام أيٍّ من وسائل الاتصالات (لم تكن الهواتف موجودة آنذاك)، وكانت تقع أسوأ المصائب الاجتماعية وقتها. فإذا مات أحدهم، لم يحدث قط أن قام أحدهم وقال أن علينا أن نحفر قبرًا، فالقبر كان يُحفر، والتابوت كان يُصنع، وكل شيء كان يتم تجهيزه. ومن كان عليه صنع الفطائر، قام بذلك من تلقاء نفسه. كل إنسان قام بشيء تجاه ذاك المجتمع، بحيث أنك إذا أردت معرفة من نظَّمه، لعجزت عن ذلك!

 

المصدر



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك