الغش كفريضة على الطلاب

2 مارس , 2018

تخيّل انّك اختُطفت وأُلقي بك في مكانٍ بعيد حيث ربطك مختطفوك في كرسي. الآن يجلس أمامك أحد المختطفين حاملاً عشر بطاقات، مخبرًا إيّاك أنه سوف يتلو عليك سلسلة من الأسئلة التي تحمل تلك البطاقات إجاباتها الصحيحة. ويؤكد لك أنه بمجرد الانتهاء من طرح هذه الأسئلة، سيفرج عنك.

ثمة شيئًا آخر، مقابل كل سؤال ستخطأ في إجابته سوف يشير هذا الرجل لشريكه بقطع واحد من أصابعك. فور بدأه في قراءة السؤال الأول، لاحظت أنت أن هناك مرآة على الجدار المقابل حيث يمكنك أن ترى انعكاس الإجابة على البطاقة.

ولكنك قاطعت من اختطفك، بسبب أنّك تعلّمت أن الغش ليس من الشرف في شيء، لتخبره بأنك قادرًا على قراءة البطاقات وأنه يجب عليه إخفاءها بشكلٍ أفضل بحيث لا يمكنك الغش عن غير قصد. ليعدّل مختطفك من جلسته بناءً على نصيحتك، ويشرع في أن يسألك سلسلة من الأسئلة الجافة التي لا روح فيها بشأن مواضيع لا تهمك، بينما يلوح شريكه في الأفق مهددًا بكماشته لقطع أصابعك.

 

في حين يعتبر الغش خطأ بشكلٍ عملي، يجب على الجميع إعادة النظر في هذا المفهوم للأخلاق إذ أنه فشل في استيعاب هذا السياق. في هذا المثال، ليس الغش مبررًا فحسب، بل فهو ضروري لأنه يساعد ضحية عاجزة تتعرض بشكلٍ لا إرادي لظروف غير معقولة. إلا أن الأمر، لسوء الحظ، لا يكون بهذا القدر من الوضوح عندما يكون الحديث عن التعليم الإلزامي.

 

من أبرز ملامح جميع المدارس العامة هي أهمية الدرجات. ولأن الدرجات هي عملة المدارس وسلعتها الوحيدة، فتُستخدم للتحفيز والمعاقبة على حدٍ سواء. فهي عنصر رئيسي في سجل الطالب كما أن لديها القدرة على التأثير على مستقبله. قد يحاول مختصّوا التوعية التأكيد على أن قيمة “التعلّم” تفوق قيمة الدرجات، ولكن ما يحدث هو مهزلة كاملة.

عندما تفشل الدرجات في تمثيل التعلم بشكلٍ متناسب يشعر الطلاب – عن حق – أنهم خُدِعوا من قبل النظام مما يورث فيهم اللامبالاة. الإصرار على إعطاء التعلّم قيمة أكبر من الدرجات هي خدعة كريهة ونفاق. وهي أقرب لأن نقول لعاملي ماكدونالدز أن عليهم الاهتمام بعملهم أكثر من رواتبهم.

 

لا یوجد لدى الطلاب أي مُدخلات فيما يخص کیفیة تعلمھم أو ما یتعلمونه، کما أنھم لا یشعرون بالأُلفة تجاه ما يقومون به في المدرسة. وباستثناء عدد قليل من المهام النادرة، فإن الطلبة لا يجدون أي رجى في أعمالهم، كما أن أي ارتباط شخصي بينهم وبين ما يقومون به هو ارتباط مقوّض بحقيقة أن جهودهم مآلها تلبية مطالب وتوقعات من يقيّمها.

 

من المهم أن نضع في اعتبارنا أن استعداد الطلاب للاختبارات يكون بنية الاحتفاظ بالمواد الدراسية حتى موعد الاختبار فحسب، إذ سريعًا ما يتبخّر ما حفظوه بعد فترة قصيرة من موعد الاختبار. وهو ما يقوّض تمامًا الغرض من الاختبار وقيمته. وقد فشل أنصار الاختبارات، ممن ينبذون الغش، في الاعتراف بذلك بشكلٍ ملائم. تتطلب الاختبارات أن ينظر الطلاب إلى المعرفة على أنها سلعة يمكن التخلص منها إذ أنها لا معنى لها إلا عند اختبارها. وهو ما يساهم في عملية الانتقاص من قيمة التعلّم.

 

لا تخفى فوائد الغش على أحد – تحسين الدرجات في بيئة لا يتيح الفشل فيها فرصة للتعلّم إذ فهو وصمة عار. عندما يخفق الطلاب في الإجابة بشكلٍ جيّد في الاختبار، فلا يوجد سبب قد يدفعهم لمراجعة إجاباتهم إذ أنهم لن يُختبروا فيما اختُبروا فيه مرة أخرى. غير أن الاختبار نفسه تعسفي إلى حدٍ كبير، وغالبًا ما يكون بلا مغزى. وتكرّس منظمات مثل فيرتيست مجهوداتها لنشر البحوث التي تكشف عن مشاكل ممارسات الاختبارات السيئة.

 

تدور الحجج الرئيسية ضد الغش في المدرسة حول كونه غير أخلاقي وأنه يعزز العادات السيئة ويؤثر على احترام الذات من خلال تحقيق مثاوب غير مستحقة. لم يعد الحديث عن أي من ھذه المخاوف منطقيًا بأي حال من الأحوال إذ أنها لا تضع البيئة المحيطة في عين الاعتبار. يُحاوَط الأطفال بشكلٍ روتيني ويُزَج بهم قسرًا في مؤسسة يتعرضون فيها لتسلسل هرمي يشغلون هم قاعدته. تمامًا كالرهينة، يتم احتجازهم حتى إذا لم يقيّدوا بشكلٍ جسدي. فهم محرومون من أي سلطة على حياتهم، بما في ذلك القدرة على متابعة مصالحهم، كما يتعرضون لوابل من الاختبارات التي لا مفر من عواقبها الوخيمة في حال جاءت الإجابات خاطئة.

 

حفظ الأخلاق هو جزء من عقد غير مكتوب لكونك مشاركًا واعيًا في المجتمع. إلا أنه ليس على الطلاب الملتحقين بالمدرسة ضد إرادتهم والذين يُنتقص من احترامهم بشكلٍ دوري الالتزام بالقواعد الأخلاقية لظالميهم. الغش هو فعلٌ للمقاومة، وينبغي تشجيع أفعال مقاومة القوى القمعية والاحتفاء بها، بدلاً من اعتبارها “عادة سيئة” أو فعل غير أخلاقي. إن القلق بشأن احترام الذات الذي يسلط مركز دراسة الطفل الضوء عليه باعتباره “أسوأ الأضرار” يفتقر تمامًا لأى دعم علمي.

 

إذا كان الطلاب يشعرون بسوء حيال الغش، فذلك لأن البيئة قد خلقت مجموعة من الظروف تجعل من الغش أمر ضروري ومُبرَر. لهذا السبب نفسه، يفتخر العديد من الطلاب بغشهم. فغالبًا ما يتطلب الغش إبداعًا في تنفيذه وكذلك براعة في تجنب المراقبين.

كما يعد الغش أيضًا بيان بالازدراء ضد مؤسسة تعسّفية وقمعيّة. لهذه الأسباب يمكن للغش أن يكون مصدرًا للفخر وسببًا في تعزيز احترام الذات. وبالنظر إلى ما ذُكر آنفًا، فالغش ليس مجرد شيء يفعله العديد من الطلاب؛ بل هو شيء يجب على جميع الطلاب في المدارس الإلزامية القيام به، إذ أن الغش هو واجب أخلاقي.

 

ليس هناك أضلّ من معاقبة الطلاب على الغش. يجب أن يكون الناس أكثر قلقًا على الطالب الذي لا يغش. فأولئك هم الذين يبدو أنهم استوعبوا اضطهادهم، ومن المحتمل أنهم يفتقرون إلى المهارات اللازمة للاحتشاد والتكتّل ضد انتهاكات السلطة التي ترتكبها الهيئات الحاكمة. وينبغي الاعتراف بالغش باعتباره السليل الضروري والمنطقي للمؤسسات التعسفية والقهرية. فليست معاقبة الطلاب الذين يغشون إلا إساءة استخدام للسلطة الاستبدادية. إذ في مجتمعٍ صحي، لن ينصب توبيخ الناس وشعورهم بالعار إلا على أولئك الذين يجبرون الأطفال على تحمل تلك البيئة التي لا تستقيم إلا بالغش.

 

للمقال الأصلي، اضغط هنا.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك