المشاكل النفسية أثناء التوجيه لدى التلميذ ودور المستشار التوجيهي في تجاوزها

28 نوفمبر , 2015

قامت دراسة كندية باستجواب 15 مستشارًا(ة) تويجيهيًا(ة) من مؤسسات تعليمية مختلفة بهدف فهم تصوّراتهم حول ظاهرة التردد في اختيار التوجيه التعليمي أو المهني لدى التلاميذ في المرحلة ما قبل الثانوية، وفيما يلي ترجمتنا لأهم النتائج التي وصلت إليها الدراسة.

شكوك حول مستوى النّضج المِهني – النّفسي – للتلاميذ

على هذا المستوى، أثبت المستشارون التوجيهيون الذين ساهموا في الدراسة أن انعدام النضج المهني للتلاميذ يعود لصغر سنّ التلاميذ في المرحلة الإعدادية (ما قبل الثانوية) للأسباب التالية:  عدم اكتمال تطوّر الهوية الشخصية لدى التلميذ، ومحدودية معرفته بذاته وتجاربه الشخصية.

يبدو أن شكوك المستشارين التوجيهيين حول مستوى النضج المهني لدى التلاميذ متأثرة بشكل كبير بالإطار التحليلي النّظري الذي اكتسبوه من تكوينهم الجامعي حيث تمّ تدريسهم مختلف المُقاربات والنظريات التطويرية والتنموية فيما يخص التوجيه المدرسي. على سبيل المثال نذكر التأثير الكبير لأعمال “دونالد إ. سوبر” – باحث شهير في علم النفس التنموي على مستوى التوجيه المهني – على مهنة الموجّه المدرسي عبر العالم، قام هذا الباحث بتفسير مفاهيم كالنضج المهني، مفهوم الذات (صورة الذات)، أدوار الحياة، التأثيرات العائلية والسوسيو-اقتصادية، المراحل التنموية التي تتضمن المهامّ التطويرية التي يجب تحقيقها حسب تقسيمات الأعمار التقريبية، في علاقتها مع تطور المسيرة الدراسية.

يتضمن علم النفس التنموي تلك الميزة الأساسية التي تسمح له بفهم الشخص الذي يحتاج التوجيه من خلال المراحل التنموية التي تجاوزها أثناء أهم فترات تطوره في الحياة الشخصية والمهنية. وفي جانب آخر، من المهم تجنّب الاعتماد فقط على المقاربة التنموية لأن الأفراد (التلاميذ في هذه الحالة) لا يمرّون دوماً بنفس المراحل في الوقت ذاته.  في الحقيقة، هناك اختلافات بين الأفراد لأن علم النّفس البشري معقّد جدّاً. تحت هذه الشروط، نشير إلى أهمية الانتقائية في استعمال المقاربات والنظريات المختلفة في إكمال وإغناء المقترحات التي من الممكن أن يقدمها المستشار التوجيهي للتلاميذ في طور التوجيه.

 

التّردد أمام قرار التوجيه “أسبابه وَ دور المستشار التوجيهي في معالجته”  

يتنافس مستشارو التوجيه حول تحديد مختلف ردود الأفعال العاطفية والسلوكية التي يلاحظونها لدى التلاميذ والطلاب المتردّدين أمام عملية الاختيار التوجيهي المدرسي.

و من بين ردود أفعال أخرى، يشيرون إلى عدد من أنواع القلق من بينها القلق أمام اتخاذ القرارات، والذي يعتبر عابرًا فقط. والقلق الإشكالي الذي يحول دون اتخاذ القرار حول المستقبل الدراسي والمهني ما يشير إلى ضرورة معالجته عند مستشار نفسي.

وهكذا فإن عامل القلق كردّ فعل عاطفي يشلّ عملية اتخاذ القرار التوجيهي لدى بعض التلاميذ، في حين يؤخّرها فقط لدى البعض الآخر.

من هنا يظهر أن دور المستشار التويجهي هو محاولة فهم درجات القلق التي تمنع التلميذ من اتخاذ القرارات التوجيهية الصائبة، لأجل مساعدته على الخروج من هذه الحالة النفسية بالتدريج عبر عدة وسائل: تمارين الاستبطان (محاولة سبر أغوار الذات والتركيز على الوعي الداخلي)، اختبارات القياس النّفسي، المعلومات المدرسية والمهنية…إلخ.

بعض المستشارين التوجيهيين أكّدوا أن فقدان الثقة بالنفس مصدر واضح لهذا التردد في الاختيار التوجيهي الذي يؤدي إلى ردود أفعال عاطفية وسلوكية مثل مُراكمة المعلومات بطريقة غير منظمة، الإحساس بالارتباك تجاه المستقبل والحفاظ على التشوهات المعرفية (أفكار غير واقعية) حول الذات والواقع المحيط بالتلميذ. لذلك أكد عدد كبير من المتخصصين في علوم التربية والتعليم على خطر فقدان الثقة بالنفس وصعوبة فهم الذات والواقع، وتأثيرها السلبي على الاختيارات التوجيهية للتلاميذ.

في الجانب نفسه، يتحدث هؤلاء المستشارون التوجيهيون عن التلاميذ الذين يقومون ببناء اختياراتهم التوجيهية في آخر لحظة بسبب حالة الطوارئ التي تُلزمهم بالاختيار قبل فوات الأوان، عكس البعض الآخر ممن يأخذون الوقت الكافي للتفكير والتخطيط للمستقبل. حتى إن بعض التلاميذ يحاولون تجاهل موضوع التوجيه تماماً لأنهم يعيشون حالة نفسية تجعلهم يخافون من ارتكاب خطأ توجيهي قد يدفعون ثمنه في المستقبل. كما أن مجموعة أخرى من التلاميذ لا تستطيع اختيار أي توجيه بسبب تراكم المعلومات المشتتة حول كلّ مسار وكلّ وظيفة، دون البحث المعمق في كلّ واحدة منها. معظم الدراسات تصبّ في هذا المجال، حيث تقوم بتحديد أسباب التردد والخطأ في الاختيار كما رأينا في الفقرات السابقة، وتؤكد على خلفيتها النفسية و العاطفية.

لهذا فإن المستشار التوجيهي الذي من البديهي أنه خضع لبرنامج تكويني صلب في الاستشارة، يجب أن يكون قادراً على تفكيك ردود الفعل المختلفة التي يُظهرها التلاميذ لأجل فهم أفضل للأسباب الحقيقية التي تقف وراء عدم القدرة على الاختيار الصحيح، كما يعتبر من الضروري أيضاً أن يرفعوا مستوى وعي التلاميذ بهذه المعيقات النفسية والسلوكية و العاطفية من حيث تأثيرها على الاختيار الذي يجب أن يقوموا به.

من بين أهم الوسائل والبرامج التي من الممكن أن يعتمد عليها المستشار التوجيهي لمساعدة التلاميذ على الاختيار هناك: الاستشارات الفردية و الجماعية، الاستبطان لمحاولة فهم الذات بشكل أفضل، اختبارات القياس النفسي، التفكير في أساليب الأكثر أهمية للمساعدة على اتخاذ القرارات الصائبة، اللقاءات المباشرة مع المتخصصين في المجالات المحددة، ثم توفير الوثائق الكافية حول سوق الشّغل والمسارات التكوينية المتوفرة.

نشير أيضًا إلى أن المستشار التوجيهي يجب أن يتمكن من استعمال أساليب مختلفة في آن واحدة، وذلك حسب كلّ حالة على حدة. مثلاً، اختبارات القياس النفسي التي تحدد الشخصية والاهتمامات لن تفيد في مساعدة تلميذ يعاني من الاكتئاب، لأنه في هذه الحالة تنقص اهتمامات الشخص بسبب المزاج المكتئب، في حين أن نفس الاختبارات قد تأتي بنتائج ممتازة في حالة تلميذ تنقصه المعرفة بالذات والنضج النفسي.

 

في هذه المرحلة، سوف نذكر أهم نظريات بعض الكتّاب والباحثين في علوم التربية والتعليم :

الكاتب أو الباحث     النظرية
John D. Krumboltz 1992  

من واجب المجتمع أن يساهم في تمكين الأفراد من أساليب اتخاذ القرارات.  

 

Forner (2001)

غياب منهجية واضحة في اتخاذ القرارات قد يؤدي إلى التردد.  

 

Petersonو  Sampsonو   Reardonو  Lenz (1996)

معرفة الذات والبحث عن المعلومة المدرسية والمهنية خطوتين أساسيتين في عملية اتخاذ القرارات.  

 

Gati و  Krauss وOsipow (1996)

نقص المعلومات حول الذات (القدرات الشخصية، القيم والاهتمامات)، حول الوظائف المهنية ومجالات التكوين والدراسية، وحول المناهج المستعملة في اتخاذ القرارات وطرق الحصول على المعلومات هي أسباب أخرى للتردد الذي يسبب مشاكلَ للتلاميذ.  

 

Mitchell و Krumboltz (1996)

ينطلقان من نظرية التعلم الاجتماعي للتأكيد على أن التلاميذ أو الطلبة من الضروري جداً أن يقوموا بالتّحري حول مختلف التخصصات في الميدان مباشرة من المكان الذي تتم ممارستها فيه لكي يستطيعوا مواجهة الحقيقة التي غالباً ما تفقدها الأفكار المسبقة مصداقيتها. لذلك من المهم أن يرى التلاميذ في مرحلة مبكرة كيفية ممارسة كلّ وظيفة عن طريق زيارة الشركات وأماكن العمل.  

 

Guay و Senécal   و  Gauthier و Fernet (2003)

تتأثر شخصية التلميذ بعلاقاته العائلية وعلاقات الصداقة وبالتالي يؤثر ذلك على معرفته بنفسه وإحساسه بالمسؤولية والاستقلالية. لذلك لا يجب على الأصدقاء أو أفراد العائلة أن يمارسوا أي نوع من أنواع الوصاية على التلميذ وأن يساعدوه على معرفة أن الاختيار يعود له في نهاية المطاف.  

 

    المصدر   



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك