المعلمون بُناة الأمة وعلى البلدانِ النامية أن تستثمر فيهم بشكلٍ سليم

19 ديسمبر , 2017

المقال الأصلي: Teachers are nation-builders. Developing countries must invest in them properly

عندما بدأتُ حياتي المهنية مدرسًا في باكستان منذ 20 عامًا، قال لي صديق أبي: “كنا نتوقع منك أشياءً عظيمة يا ضياء الدين؛ فقد أصبحت مجرَّد معلمٍ في حين كان بإمكانك أن تصبح قائدًا سياسيًّا أو شرطيًّا ذا منصب رفيع”.

فأخبرت الرجل بأنني إن استطعت إلهام أحد تلاميذي هذا العام ليصبح قائدًا، بالإضافة إلى تلميذٍ آخر العام المقبل، وتلميذ كل عام لبقية حياتي المهنية، فسأكون شديد الفخر بمساهمتي في مجتمعنا.

أريد تذكير العالم بأنَّ التربويين هم بُناة الأمة، وإذا كنا نهتم حقًّا بمواطنينا وبمستقبل مجتمعاتنا وبلداننا وعالمنا، فعلينا أنْ نُقدم دعمنا الكامل للمعلمين المُدَرَّبين تدريبًا جيدًا.

 

ولكن كثيرًا ما يتجاهل قادتنا دور المعلمين في خلق مواطنين صالحين، وفي تنمية الاقتصاد، وفي تحسين الصحة العامة، وفي غير ذلك، إذ يتقاضى المعلمون في معظم البلدان النامية، أجورًا ضعيفة – وأحيانًا لا يؤجرون على الإطلاق، وقد وصل الأمر إلى أنَّ آلاف المعلمين الموجودين اليوم في ثلاثة عشر ولاية مختلفة بنيجيريا، وهي أغنى دولة في أفريقيا، لم يتقاضوا رواتبهم منذ أشهر مضت.

أما بوصفي طالبًا في باكستان أتذكَّر مروري بجانب غرفة المدرِّسين وسماعي لحديثهم عن عدم امتلاكهم ما يكفي من المال لأخذ أطفالهم إلى الأطباء أو شراء الدواء لهم.

 

أتمنى أن يُعامل المعلمون يومًا ما بدرجةٍ عالية من التقدير مثلما يُعامل الأطباء والمهندسون وعلماء الكمبيوتر، ولكن هل سيُفضِّل أفضل الطلاب وألمعهم أن يصبحوا معلِّمين إن علموا أنَّ اختيارهم لتلك المهنة سيتسبب لعائلاتهم في معاناةٍ اقتصادية؟

 

تًقدّر اليونسكو أنَّ هناك حاجةً إلى 69 مليون معلم جديد لإلحاق الأطفال المتسربين من التعليم بفصولٍ دراسية بحلول عام 2030.

وكثيرًا ما تتعامل الحكومات مع نقص المعلمين عن طريق خفض المعايير المطلوبة للحصول على الوظيفة؛ إذ يجب على البلدان النامية توظيف المزيد من المعلمين بشكل كبير لتلبية الاحتياجات المتزايدة – ولكنَّ المؤهلين من المعلمين فقط هم من يستطيعون إعداد أطفالنا ليكونوا القادة الذين نحتاج إليهم.

 

في هذا الصيف سافرتُ أنا وابنتي مالالا إلى مايدوغوري بنيجيريا – مسقط رأس جماعة بوكو حرام، والتقينا بتربويين وقادة متفانين في محاولاتهم لإبقاء الأطفال في المدارس وسط التفجيرات وعمليات الاختطاف المتكررة، كما التقينا أيضًا بمدرِّسٍ بالكاد يستطيع القراءة والكتابة وقد أراد مساعدة طلابه، لكنه لم يكن مؤهلًا تعليميًّا وتدريبيًّا ليمنحهم المهارات التي يحتاجونها للازدهار.

 

يقلُّ عدد الراسبين عندما تستعين المدارس بمعلمين مُدَرَّبين، بالإضافة إلى أن الأطفال يكتسبون مهارات التفكير النقدي بديلًا للتلقين والتحفيظ، والأرجح أنَّ أولياء الأمور يبقون على أبنائهم في المدارس إذا ما رأوا أنهم يتعلمون بالفعل، ولكن إذا تُرك الأمر لمعلِّمين لم يتلقوا تدريبًا جيدًا، ويتقاضون أجورًا ضعيفة؛ فسيدفع هذا المزيد من الأسر لإرسال أطفالهم إلى العمل أو الزواج المبكر بدلًا من التعليم.

 

يقول بعض القادة إنهم ببساطة لا يستطيعون توظيف معلمين مُدَرَّبين تدريبًا جيدًا؛ فأولئك القادة لا يدركون أن جودة التعليم تؤثر بشكل مباشر على النمو الاقتصادي وعلى ازدهار البلاد؛ فعلى الدول الفقيرة التي تريد أن تصبح غنية أن تستثمر في التعليم؛ إذ يبدأ الاستثمار في التعليم لا محالة بالمعلِّمين الأكفاء.

 

كما علينا أيضًا أن نُشجِّع المعلمات ونزيد من توظيفهنَّ وتدريبهنَّ؛ ففي بعض المجتمعات المحلية، ولا سيما المناطق التي يُعَدُّ فيها تعليم الإناث مفهومًا جديدًا نسبيًّا، يشعر الآباء بالقلق إزاء إرسال بناتهم إلى المدارس؛ نظرًا لأن المدرسين ذكور.

 

ولكن بعيدًا عن تخفيف مخاوف الآباء، فوجود النساء في الفصول الدراسية يؤدي إلى استمرار الفتيات في الدراسة لمراحل أبعد؛ إذ تُثبت بيانات اليونسكو أن النسبة المئوية للمعلمات في التعليم الابتدائي ترتبط بزيادة الفتيات الملتحقات بالتعليم الثانوي.

 

وفي مقاطعة ننكرهار بأفغانستان، لا يوجد سوى 1400 معلِّمة من بين 15500 معلِّم. وهذا هو السبب في دعم صندوق مالالا لـ”التعليم من أجل أفغانستان”، وهي منظمة محلِّية تكثِّف جهودها لتوظيف الموهوبات والمتحمسات من الخرِّيجات في الفصول الدراسية المكتظة بالطلاب في جميع أنحاء البلاد.

 

التعليم هو المفتاح لبناء عالم أكثر أمانًا وصحةً وثراءً؛ فقد اتفق مختلف زعماء البلدان في جميع أنحاء العالم، في الجمعية العامة للأمم المتحدة في الشهر الماضي، على زيادة الاستثمار في التعليم؛ فلا مناص من البدء بالمعلمين.

 

وأقول لمن يقرأ هذا الآن من المعلمين:

لقد اخترت أكثر المهن المجزية في العالم، فرغم مرورك بأيامٍ صعبة، أعدك بأنك سترى يومًا ما نتيجة الوقت الذي قضيته في إلهام الأطفال. يتصل بي أحيانًا أولئك الطلاب الذين تعلموا على يدي منذ سنوات عديدة؛ فهم الآن بالغون ويقودون مجتمعاتهم وأنا شديد الفخر بهم.

 

تخيل أنَّك زرعتَ شجرة في ساحة المنزل الخاصة بك – قصيرة وصغيرة وضعيفة الجزع – ثم ابتعدت عن ذلك المنزل ولم تشاهد الشجرة وهي تنمو، وحينما كنت تتنزه في يومٍ من الأيام مررت بالحي القديم الخاص بك، ورأيت منزلك السابق، وقد بدا الآن مختلفًا؛ فأمام المنزل هناك شجرة قوية وطويلة لها العديد من الفروع والأوراق الجميلة، ستقف حينها للحظات في ظلها الواسع لتتذكَّر الفسيلة الصغيرة التي زرعتها قبل سنوات، وهذا هو التدريس.

 

والجدير بالذكر أنَّ ضياء الدين يوسفزي وابنته مالالا قد قاوما حظر طالبان على تعليم الفتيات في وطنهما باكستان سلميًّا، وقد عمل ضياء الدين، لمدة 18 عامًا، مدرسًا ومديرًا للعديد من المدارس، وهو الآن مستشار خاص للأمم المتحدة في مجال التعليم العالمي، كما أنه مؤسس صندوق مالالا الذي يدافع عن حق الفتيات في تلقِّي تعليم مجاني آمن وعالي الجودة لمدة 12 عامًا من حياتهنَّ.

 

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك