انتصار غير مُحتمل

27 مارس , 2018

المقال الأصلي: An unlikely triumph

 

كان نظام التعليم العالي الأميركي في قرنه الأول فوضويًّا وغير منظم؛ لقد كان أضحوكة. كيف صعد هذا النظام للهيمنة العالمية؟

 

من وجهة نظر زوار الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر بدا نظام التعليم العالي للبلاد أُضحُوكةً؛ إذ لم يَرْقَ لأَنْ يكون نظامًا من الأساس، إنما مجرد مجموعة متنوعة وعشوائية من المؤسسات التي تدَّعي أنها “كليات” وتنتشر في أنحاء البلاد. كان نظامًا يعوزه التمويل، ومُخيِّبًا للآمال من الناحية الأكاديمية، ويقع في البلدات الصغيرة الممتدة على طول الحدود، ويفتقر إلى وظيفته الاجتماعية الضرورية، وبدا النظام إجمالًا أنه يتجه لوجهة غير معلومة.

لكن بحلول النصف الثاني من القرن العشرين، كان هذا النظام قد انتزع لنفسه مكانة مُهيمنة بين السوق العالمي للتعليم العالي. ومقارنة بمؤسسات مناظرة في دول أخرى، راكم النظام ثروات أضخم، وأنتج معرفة علمية أوسع، وحاز على عدد أكبر من جوائز نوبل، كما جذب نسبة أكبر من الطلاب والأساتذة الموهوبين. وبذلك هيمنت الجامعات الأميركية على التصنيفات العالمية.

 

كيف تحقق هذا التحوُّل الهائل؟ لقد انقلبت سمات النظام التي “بدَت” كسَوْءات في القرن التاسع عشر إلى مَيزات في القرن العشرين. إذ منحه تمويله الحكومي المتواضع، واعتماده على الطلاب، وهالته الشعبية، وكذلك هوسه بكرة القدم، درجةً من الاستقلال سمحت له بالوقوف متماسكًا بين العالم الأكاديمي.

 

وُلِد النظام في ظلِّ ظروفٍ ملتبسةٍ شهدها تاريخ الولايات المتحدة مبكرًا، إذ كانت الدولة ضعيفة والسوق يقوى، بينما كانت الكنيسة منقسمة على نفسها.

 

وبافتقارها للدعم الواسع من الكنيسة والدولة، اللذان عززا ازدهار الجامعات الأوَل في أوروبا العصور الوسطى، كان على الكليات الأميركية الأُوَل الاعتماد بشكلِ كبير على الدعم الآتي من النخب المحلية والطلاب الملتحقين بها القادرين على دفع الرسوم الدراسية. وهم مَن ظهروا إلى الوجود مع منح ميثاق الشركات من حكومة البلاد، لكن هذا الأمر أضفى شرعية فقط على تلك المؤسسات، ولم يقم بتمويلها فعليًّا.

 

 

عادة ما ارتبط الدافع من وراء إنشاء كلية في القرن التاسع عشر بالسعي وراء الربح، بدرجة أكبر من ارتباطه بنشر التعليم الجامعي. على مرِّ الجزء الأكبر من التاريخ الأميركي، كانت الأرض هي المصدر الأساسي للثروة، لكن في بلاد تضم أراضي أكثر من عدد مشتريها، كان التحدي بالنسبة للمُضاربين يكمن في كيفية إقناع الناس بشراء أراضيهم بدلاً من أي أرض أخرى متاحة للبيع. (على سبيل المثال، راكم جورج واشنطن قرابة 50.000 فدان في المقاطعات الغربية، وأنفق كثيرًا من حياته مُحاولاً تسييل ممتلكاته في صورة نقود، لكن دون جدوى.) أصبح الوضع أكثر إحباطًا في منتصف القرن التاسع عشر، عندما شرعت الحكومة الفيدرالية في التنازل عن الأراضي للمزارعين.

أحد الحلول لهذه المشكلة كان إظهار أن الأرض ليست مجرد قطعة في قرية زراعية متربة، ولكن عقار أساسي وسط مركز ثقافي ناشئ. ولا شيء بمقدوره ترجمة الثقافة مثل الكلية. صار على المضاربين “التبرع” بالأرض لإحدى الكليات، فيحصلون بها على ميثاقٍ حكومي، بعد ذلك يبيعون الأراضي المحيطةٍ بها بأسعارٍ أعلى. يُشبه ذلك كثيرًا المطورين العقاريين اليوم الذين يبنون ملعبَ جولف، ثم يفرضون أسعارًا أعلى للمنازل المقابلة له.

 

بطبيعة الحال، لا يُعادل منح حقوق إقامة كلية منزِلَةَ إنشاءٍ فعليٍّ لمؤسسة فعَّالة؛ لذلك سعى المضاربون لإلحاق كلياتهم الناشئة بطائفة دينية ما، الأمر الذي يمنحها مزايا عدة. الميزة الأولى أنها جزَّأت السوق؛ فكلية تنتمي للطائفة الْمَشْيَخية من شأنها أن تمثل عامل جذب للدارسين من تلك الطائفة بدرجة أكبر من كلية تنتمي للطائفة الميثودية في البلدة المجاورة.

 

ميزة ثانية كانت متعلقة بالتوظيف. حتى أواخر القرن التاسع عشر، كان كل الرؤساء تقريبًا ومعظم أعضاء هيئة التدريس في الكليات الأميركية من رجال الدين، وهؤلاء كانوا مصدر جذبٍ على نحوٍ خاص لمؤسسي الكليات لسببين؛ فقد كانوا متعلِّمين بدرجة معقولة، ومستعدين للعمل مقابل أجر زهيد. ومن وقتٍ لآخر، لربما تحمَّست الكنيسة لتقديم بعض المال لدعم أبنائها المكافحين، ومثَّل هذا الأمر الميزة الثالثة.

 

كثيرًا ما تلاقت دوافع الربح والإيمان بداخل نفس الشخص، لتُنتج شخصية أميركية فريدة -رجل الدين- المضارب. كان ج. ب. جرينيل كاهن أبرشية، ترك وراءه الكنيسة التي أسسها في واشنطن دي سي من أجل إنشاء بلدة إلى غرب البلاد كاستثمار قائم على المضاربة. واستقر به المطاف عام 1854 في منطقة بولاية آيوا، وسمَّى البلدة جرينيل، فحصَل على ميثاق بإنشاء كلية، ثم شرع في بيع الأرض بسعر 1.62 دولار لكل فدان. وبدلاً من تشييد كلية من الصفر، أقنع جرينيل كلية آيوا بالانتقال من مدينة دافنبورت وحصولها على اسم كلية جرينيل.

 

تُساعدنا مسيرة تطور الكلية تلك في تفسير أشياء كثيرة عن النمط الناشئ لنظام التعليم العالي الأميركي في القرن التاسع عشر. إذ أن أقل من ربع عدد الكليات كان قائمًا على شريط الأراضي الممتدة بطول الساحل الشرقي حيثُ يعيش معظم الأميركيين. في حين كان أكثر من نصفها يقبع في وسط غرب وجنوب غرب البلاد؛ أي المناطق ذات الكثافة السكانية المنخفضة. إذا كان هدفك جذب الكثير من الطلاب، فلم تكن تلك خطة عمل موفقة، لكنها كانت خطة ناجعة في جذب المستوطنين.

يساعد الموقع الحدودي هو الآخر في تفسير دعم الكنيسة الرمزي للكليات المختلفة. ففي ظل أوضاع الولايات المتحدة التنافسية التي لا توجد بها كنيسة واحدة مُهيمنة، كان الأمر يعتمد على كل طائفة بنفسها؛ لذا أراد الجميع أن يرفع علم طائفته عاليًا في المقاطعات الجديدة خوفًا من ترك أي موطئ قدم للمعارضة. وعن طريق المضاربة على الأرض والتنافسات الطائفية معًا يمكن لنا فهم لماذا، بحلول العام 1880، ضمَّت ولاية أوهايو 37 كلية – بينما كان لدى فرنسا بأكملها 16 كلية فقط.

 

 

كان العدد الضخم لتلك الكليات المؤسِّسَة لافتًا للنظر. ففي عام 1790، عند بداية العِقد الأول من الجمهورية الجديدة، امتلكت الولايات المتحدة 19 مؤسسة تحت اسم كليات أو جامعات. نَمَت أعدادها تدريجيًّا خلال العقود الثلاثة الأولى، لترتفع إلى 50 مؤسسة بحلول عام 1830، ثم بدأت أعدادها تتسارع. بحلول خمسينيَّات القرن التاسع عشر كانت قد بلغت 250 مؤسسة، لتتضاعف مرة أخرى في العقد التالي (563 مؤسسة)، ولتصل إلى ما مجموعه 811 مؤسسة في عام 1880.

جاوز النمو في عدد الكليات إلى حدٍّ كبير النمو في عدد السكان، بما مجموعه 5 كليات لكل مليون نسمة في عام 1790، لترتفع النسبة إلى 16 كلية لكل مليون نسمة عام 1880. وفي ذلك العام، كان لدى الولايات المتحدة ما يعادل 5 أضعاف مما لدى قارة أوروبا بأكملها من الكليات. كان هذا النظام هو أكثر أنظمة التعليم العالي تضخمًا عرفها العالم على الإطلاق.

 

بطبيعة الحال، وكما أحبَّ الزوار الأوروبيون الإشارة للأمر، كان من المبالغة نَعْت غالبية تلك الكليات بمؤسسات تعليمٍ عالي. أولًا، كانت تلك الكليات صغيرة الحجم. ففي عام 1880، كان الحجم المتوسط الذي تتباهى به الكلية هو 131 طالب و10 أساتذة جامعيين، وتمنح الكلية 17 درجة علمية فقط في العام. غالبية تلك الكليات كانت تقع بعيدًا عن مراكز الثقافة والفكر. وكان أعضاء هيئة التدريس من الوُعَّاظ وليسوا باحثين أكاديميين، أما الطلاب فهُم أي شخص بمقدوره دفع الرسوم الدراسية من أجل درجة علمية قيمتها السوقية موضع تساؤل. التحق غالبية الخرِّيجين بالإكليروس أو بمهَن أخرى كانت مُتاحة بالفعل بدون درجة جامعية.

 

على الساحل الشرقي للبلاد، جذب عدد صغير من الكليات –مثل هارفارد وييل وبرينستون وويليام وماري– الطلاب من العائلات ذات الغنى والنفوذ، وخدمت بصفتها مراكز تدريب للقادة المستقبليين. لكن بالقرب من الحدود، لم يكن هناك نُخب ممتدة بجذورها لتترابط معها الكليات، وبذلك كان لديها القليل لتقدمه على طريق التمايز الاجتماعي. وأفضت حقيقة أن كل بلدة أخرى لديها كلِّيتها الخاصة إلى اشتعال منافسة على الطلاب، ما يعني أن الرسوم الدراسية بقيت منخفضة. دفع ذلك الكليات لأنْ تعمل وفق ميزانيات منخفضة، ما أنتج وضعًا من العمل بتجهيزاتٍ فقيرة وأجور محدودة، وكفاحات لجذب الطلاب والأساتذة والإبقاء عليهم، وكذلك حملات مستمرة لجمع الأموال. وعنى ذلك أن الطلاب الملتحقين كانوا منتمين للطبقة المتوسطة بدرجة أكبر من الطبقة العليا، وكانوا هناك من أجل التجربة فضلًا عن التعلُم في ذاته، أما الطلاب الأكثر جدِّية فكانوا هؤلاء الملتحقين على منحة دراسية.

 

 

علامة أخرى على المكانة الوضيعة لتلك الكليات في القرن التاسع عشر أنه كان من الصعب تمييزها عن العدد الكبير للمدارس الثانوية والأكاديميات التي كانت هي الأخرى متوفرة بكثرة على كامل الأراضي الأميركية. بالنسبة للطلاب، كثيرًا ما كان خيارًا أمامهم أن يذهبوا للمدرسة الثانوية أو الكلية، فضلاً عن التعامل مع إحدى المؤسَستين بوصفها مُغذية للأخرى أو رافدًة عنها. ونتيجة لذلك كان متوسط أعمار الطلاب الملتحقين بالمدارس الثانوية والكليات متساوٍ إلى حدٍّ بعيد.

 

بحلولِ منتصف القرن، نشأت أشكال جديدة متنوعة من الكليات العامة إضافة إلى المؤسسات المستقلة التي نُطلق عليها اليوم خاصة.

 

شرعت الولايات في إنشاء كلياتها وجامعاتها الخاصة، بدرجة كبيرة لذات الأسباب التي دفعت الكنائس والبلدات لفعل ذلك من قبل: المنافسة (إذا كان لدى الولاية المجاورة كلية، فأنت بحاجة لواحدة بدورك) والمضاربة على الأرض (دفع المناصرون المحليون المشرِّعين لمنحهم تلك الأرباح الإضافية). علاوة على ذلك، كانت هناك الكليات التي ظهرت للوجود بفضل منح الأراضي الفيدرالية وجاءت لتركز على التعليم العملي بدرجة أكبر من نظيره الكلاسيكي، مثل مجالات الهندسة والزراعة.

 

وأخيرًا جاءت المدارس العادية، التي ركَّزت على إعداد المعلمين لنظام التعليم العام المزدهر. وعلى عكس نظيراتها الخاصة، عملت تلك المؤسسات الأحدث تحت المظلة الحكومية، ولكن ذلك لم يعنِ أنها حظيت بتدفقات تمويل حكومي مستقر. فلم يبدؤوا في الحصول على اعتمادات سنوية مرصودة قبل بداية القرن العشرين. ونتيجة لذلك، مثل المؤسسات الخاصة، كان على المؤسسات العامة تلك الاعتماد على الرسوم الدراسية للطلاب والتبرعات من أجل مواصلة فتح أبوابها، وكذلك كان عليها المنافسة على الطلاب والأساتذة وسط السوق الأوسع المؤسَس بالفعل من قِبل سابقيها من المؤسسات الخاصة.

 

بحلول عام 1880، أصبح نظام التعليم العالي الأميركي كبيرًا للغاية ومتفرِّقًا جغرافيًا، مع إدارة لا مركزية ومستوى معتبر من التعقيد المؤسسي.

ضمَّ هذا النظام بنية متمايزة في وقتٍ مبكر من القرن، ثم طُوِّر وزاد عليها على مرِّ العقود اللاحقة. ربما يبدو من الغريب نعت تلك التشكيلة المتنافرة لحوالي 800 كلية وجامعة بالنظام من الأساس. إذ يتضمَّن “النظام” خطة وشكلًا من الإدارة يُبقي على الأشياء تعمل وفق الخطة، وهذا هو الحال بطبيعة الأمر لدى أنظمة التعليم العالي في غالبية الدول الأخرى، حيثُ تُشرف وزارة من بين الحكومة على النظام وتسهر عليه طوال الوقت. لكن الحال ليس كذلك في الولايات المتحدة.

 

لم ينشأ نظام التعليم العالي في الولايات المتحدة من رَحِم خطة، ولا يوجد هيئة بعينها تُديره. لكنه ظهر للوجود هكذا. غير أنه مع ذلك يُعتبر نظامًا، إذ لديه بناءٌ واضح المعالم ومجموعة قواعد محددة تحكُم أفعال الأفراد والمؤسسات الفاعلة بداخله.

 

وبهذا المعنى، فاعتباره نظامًا سياسيًّا يحكمه دستور أمر يفتقر للدقة، في المقابل، علينا النظر إليه بوصفه نظامَ اقتصادِ سوقٍ نشأ عن تراكم خيارات فردية. فكِّر في الأمر بمنطق الزحف العمراني بدلاً من المجتمع المخطط. فتاريخ هذا النظام ليس بناءً مقصودًا ومخططًا له، لكنه عملية تطورية؛ فأنظمة السوق تظهر للوجود هكذا، إلا أن ذلك لا يمنعنا عن فهم كيف ظهر وكيفية عمله.

 

حاول الناس من قبل أن يفرضوا قدرًا من التكوين والوظيفة المنطقية على النظام. إذ جادل كل الرؤساء الأميركيون حتى أندرو جاكسون بوجود حاجة لإنشاء جامعة وطنية، من شأنها أن تضع معايير أعلى للنظام، إلا أن هذا الجهد ذهب أدراج الرياح جرَّاء الخوف المتفشِّي من خلق حكومة مركزية قوية.

كما حاول عدد من الفاعلين أن يفرضوا رؤيتهم الخاصة عما ينبغي أن تكون عليه غاية النظام. ففي عام 1828، أصدر أساتذة كلية ييل تقريرًا يناصر بشدة المنهج الدراسي الكلاسيكي التقليدي (الذي يرتكز على اللاتينية والإغريقية والدين)؛ وفي خمسينيات القرن نفسه، دفع فرانسيس وايلاند من جامعة براون بأهمية التركيز على العلوم؛ بينما نادى قانون موريل لمنح الأراضي في عام 1862 بكليات “تُدرِّس فروع من المعرفة كتلك المرتبطة بالزراعة والفنون الميكانيكية … من أجل تعزيز التعليم الحر والعملي للمواد الصناعية في المسارات والمهن المتعددة في الحياة”. وفَّرت تلك الرؤى أرضية من الدعم لِطَيف واسع من المهمات البديلة للكليات ضمن نظام متنوع لم يتشبث ويُلازم أيًا منها.

 

كانت مَواطِن ضعف النظام الجامعي ظاهرة للعيان على نحوٍ صارخ. فغالبية الكليات لم تؤسَّس لتعزيز التعليم العالي، كما كان مستوى التعلُّم الذي رَعَوه متواضعًا بطبيعة الحال. احتوت الكليات على بنى تحتية بدائية وافتقدت لمصدر موثوق للتمويل. كان عددها كبيرًا على أن تحظى أيٌّ منها بقدرٍ من التميز، ولم يكن هناك آلية مركزية لترقية بعضها على بعض. فعلى العكس من أوروبا، لم يكن لدى الولايات المتحدة جامعاتٍ ترعاها الحكومة الوطنية أو الكنيسة القائمة، وإنما مجرد تشكيلة من مؤسسات عامة وخاصة هامشية تقع على أطراف الحضارة. يا لها من فوضى!

 

 

لنأخذ كلية ميدلبوري مثالًا، وهي مؤسسة طائفية تأسست عام 1800، وقد أصبحت اليوم واحدة من أبرز كليات الفنون الحرة في البلاد، كما تعتبر واحدة من رابطة “little Ivies“. لكن في عام 1840، عندما وصل رئيسها الجديد إلى الحرم الجامعي (وهو كاهن ينتمي للطائفة المَشْيخية يُدعى بنجامين لاباري، وهو جد جدي)، وَجَدَ المؤسسة في حالة مُضنية، وعلى مدار فترة توليه الرئاسة التي امتدت لـ 25 عامًا لم يتحسَّن الوضع كثيرًا.

في خطاباته إلى مجلس الأمناء، سَرَد قائمة بالمتاعب التي ابتُلي بها بصفته رئيسَ كلية صغيرة في عصره. فقد عمل مُقابل أجر بلغ 1200 دولار في العام (حوالي 32.000 دولار اليوم)، ووجد أن الأمناء لا يطيقون حتى دفعه؛ لذا شرع في الحال في جمع المال من أجل الكلية، وكانت تلك حملة جمع الأموال الأولى التي انخرط فيها من أصل ثمانِ حملات، وقدَّم إسهامًا بلغ 1000 دولار من ماله الخاص والتمس تحصيل العطايا من أعضاء هيئة التدريس القليلين.

 

احتلت المخاوف المرتبطة بالمال الجزء الأكبر من خطابات لاباري (فقد عانى في استقطاب الأساتذة والدفع لهم، ورهن منزله لكي يعوِّض أجره الذي لا يحصل عليه، وسعى دائمًا وراء التبرعات)، إلا أنه اشتكى كذلك من المشاكل الحتمية التي نجمت عن محاولة تقديم مناهج دراسية جامعية متكاملة مع عدد قليل من الأساتذة قليلي الكفاءة:

“لقد قبلتُ برئاسة كلية ميدلبوري، أيها السادة، وأنا على دراية كاملة بأن طاقم الأساتذة محدود العدد وهو ما يستتبع وقوع عبء تدريسي أكبر على شخص الرئيس –  وبأنني ستحرِّكني رغبة لتعزيز الموارد المالية للمؤسسة بقدر المستطاع، وكذلك القيام بمهام التدريس بقدر ما تسمح الظروف، وهي أمور كنت أتوقعها بالضرورة. لكني لم أكن لأتوقع أن مهمة انتشال الكلية من ضائِقتها المالية، ومسؤولية تدبير التمويل اللازم للعمالة ووقف الكتب والمباني وغيرها من الأمور سوف تُلقى جميعها على عاتقي هي الأخرى. لو كان ليَ التنبؤ بما تنتظرونه مني ما كنت لأقبل مُطلقًا بهذا العمل”.

 

في موضع آخر من مراسلاته، أورد لاباري قائمة المواد الدراسية التي كان عليه تدريسها بصفته رئيسًا للكلية: “فلسفة أخلاقية وعقلانية، واقتصاد سياسي، وقانون دولي، وأدلة المسيحية، وتاريخ الحضارة، وكتاب ‘Analogy of Religion’ لجوزيف باتلر”. لم يكن أساتذة الكليات الأميركيون ليطيقوا أن يكون لديهم تخصص ضيق.

 

وباختصار، كان نظام التعليم الجامعي الأميركي في منتصف القرن التاسع عشر مليئًا بالوعود، ومن دون إنتاج. بالرغم من ذلك، تبيَّن أن تلك الوعود كانت استثنائية.

 

إحدى مَواطِن القوة الكامنة كانت احتواء النظام -تقريبًا- على جميع العناصر اللازمة للاستجابة للتوسع السريع المستقبلي في إقبال الطلاب وطلبات الالتحاق المتزايدة. اشتمل النظام على البنية التحتية المادية اللازمة: الأرض وقاعات الدرس والمكتبات ومكاتب الأساتذة والمباني الإدارية وأماكن الإقامة. وهذا الحضور المادي لم يكن متركزًا في مناطق تركز سكاني قليلة، لكنه كان منتشرًا بطول الأراضي على الدولة القارية.

كان لدى النظام أساتذة وهيئات إدارية تقوم بعملها بالفعل، مع توافر برامج ومواد دراسية تُقدَّم، ومواثيق تسمح للكليات بمنح الدرجات العلمية. كان لدى النظام بنية إدارية قائمة وتدابير لتأمين منافذ متعددة للدخل لدعم المؤسسة، إلى جانب أرضية واسعة من التأييد بين المجتمع المحلي والطائفة الدينية الأوسع. كان الشيء الوحيد الذي ينقص النظام هو الطلاب أنفسهم.

 

مَوطِن آخر من مَواطِن القوة تجلَّى في نجاح تلك المجموعة المتباينة من الكليات والجامعات غير المتمايزة إلى حدٍّ بعيد في النجاة من عملية داروينية للانتخاب الطبيعي وسط بيئة تنافسية بشدة. وكما الحال بالنسبة للمؤسسات القائمة على السوق التي لم تتمتع أبدًا برفاهية توفِّر اعتمادات مرصودة لها (كان ذلك الواقع بالنسبة للكليات العامة والخاصة على حدٍّ سواء)، نَجَت الكليات بعد أن لَهثت وراء الدولارات من المتبرعين المحتملين وتسويق نفسها للطلاب المحتملين القادرين على دفع الرسوم الدراسية. كان عليهم أن يكونوا بارعين في الإيفاء بطلبات الفئات الرئيسة المستهدفة من بين أسواقهم الفردية. وعلى نحوٍ خاص، كان عليهم مراعاة ما كان طلابهم المحتملين يسعون إليه في تجربتهم الجامعية، بما أنهم يدفعون الجزء الأكبر من الفاتورة. تحلَّت الكليات أيضًا بدافع قوي لبناء علاقات ممتدة مع خريجيهم، الذين سيصبحون مصدرًا رئيسًا لجذب طلاب جدد ومتبرعين.

 

علاوة على ذلك، جَعَل هيكل الكلية –بوجود مجلس إدارة ورئيس قوي وانعزال جغرافي وأوضاع مالية قائمة بذاتها– منها مؤسسة قابلة للتكيُّف بدرجة مذهلة. فتلك الكليات بإمكانها إدخال تعديلات بدون الحاجة لإذن من وزير تعليمٍ أو الأساقفة. كان الرؤساء هم المديرون التنفيذيون للمؤسسة، ومهمتهم المحددة هي المحافظة على استمرارية الكلية وتوسيع آفاقها. كان عليهم تحقيق أقصى نفع من المزايا المتوفرة لهم بفضل الانتماء الديني والجغرافي، والتأقلم سريعًا مع تحول المواقف بالنسبة لمنافسيهم فيما خص الأمور المؤسسية الرئيسة مثل البرامج والأسعار والنفوذ. أما البديل فكان الخروج عن مضمار السباق. إذ بين عامي 1800 و1850 حدث بالفعل وأن أغلقت 40 كلية فنون حرة أبوابها، بما نسبته 17% من مجموع الكليات وقتها.

 

كانت الكليات الناجحة هي الأخرى راسخة بشدة في بلدات منعزلة عبر البلاد. وقد قدَّمت أنفسها باعتبارها مؤسسات تَعلَّمَ فيها قادة محلِّيون، وخدمت بصفتها مراكز ثقافية لمجتمعاتها. فجاءت أسماء الكليات غالبًا باسم البلدة الحاضنة لها. وكانت الكليات التي نجحت في البقاء بعد منتصف القرن التاسع عشر مستعدة جيدًا للاستفادة من موجة إقبال الطلاب المرتقبة، ومصادر التمويل الجديدة، والمبررات الطارئة للاتحاق بالكلية.

 

احتفظت كليات الولايات المتحدة بهالة شعبية؛ ولأنها كانت تقع في بلدات صغيرة بطول البلاد وأُجبرَت على التنافس مع أقرانها من نفس الحال، فقد أصبحت أكثر انشغالاً ببقائِها من المعايير الأكاديمية. ونتيجة لذلك، لبس النظام الأميركي شخصية تنتمي للطبقة الوسطى بدلاً من الطبقة العُليا. فلم تُرسِل العائلات الفقيرة أبناءها للكلية، لكن عائلات الطبقة الوسطى العادية فعلت ذلك. إذ كان الالتحاق بالكلية سهلًا، والتحدي الأكاديمي متوسطًا، والرسوم الدراسية في متناول اليد.

خلق ذلك أرضية شعبية واسعة للكلية عمل على إنقاذها، في أغلب الأحيان، من نخبوية جامعات مثل أكسفورد وكامبريدج (Oxbridge). إذ كانت الكلية امتدادًا للمجتمع والطائفة، وذات حضور محلي معهود، ومصدرًا للفخر المدني، وتجسيد ثقافي يُقدِّم البلدة للعالم بأكمله. بالنسبة للمواطنين، لم يحتاجوا لأن يكون لديهم فرد من العائلة يتبع الكلية كي يشعروا بانتمائِها لهم. أضحى هذا النوع من الأرضية الشعبية هامًا إلى درجة كبيرة عندما بلغت معدلات الالتحاق بالتعليم العالي مستوياتٍ قياسية.

 

 

سمة أخيرة امتاز بها نموذج الولايات المتحدة للتعليم العالي وهي عمليَّته. فبينما تكوَّن في منتصف القرن التاسع عشر، انطوى نظام التعليم العالي على هذا التوجه العملي نحو بنية ووظيفة الكلية ذات النموذج المعياري. كان نموذج الكلية المبنية على منح الأراضي نتيجة وسببًا في آنٍ واحد للأفضلية الثقافية لفكرة المنفعة.

كان التركيز على الفنون النافعة راسخًا في وجدان تلك المؤسسات، بوصفه تعبيرًا عن جهود الولايات المتحدة لتحويل كلية خيرة المجتمع أو المثقفين إلى مدرسة ترمي إلى غايات عملية، مع تأكيد على إنتاج حاجيَّات وتكسُّب الرزق، بدلاً من تبوُّؤ مكانة اجتماعية أو اكتشاف آفاق ثقافية.

وحدث أن انتشر هذا النموذج على نطاقٍ واسع إلى الأجزاء الأخرى للنظام. لم تكن النتيجة تضمين مواد مثل الهندسة والعلوم التطبيقية في المناهج الدراسية فحسب، بل توجُه الكلية ذاتها لتصبح حلَّالًا للمشكلات لرجال الأعمال وصُنَّاع السياسات. كان مفاد الرسالة: “هذه هي كليتكم، وتعمل من أجلكم”.

 

كل هذه الأمور كانت معروفة جيدًا بين أوساط المستهلكين، لكنها لم تجعل الكليات الأميركية مركزًا للمنجزات الثقافية والشُهرة. بدأ هذا الحال، مع ذلك، في التغيُّر خلال ثمانينيَّات القرن التاسع عشر، عندما وفدت الجامعة البحثية الألمانية إلى المشهد التعليمي الأميركي. في ظل هذا النموذج الناشئ، كانت الجامعة ميدانًا لإنتاج بحث علمي رائد، وقدَّمت تعليمًا في مرحلة الدراسات العليا للنخبة المثقفة.

 

منح النموذج البحثي الجديد نظام التعليم العالي الأميركي المتضخم مؤسسيًّا وغير المميز أكاديميًّا دَفعَة من المصداقية العلمية، والتي كان يفتقر إليها النظام بشكلٍ واضح. ولأول مرة، كان بمقدور النظام أن يقدِّم ادِّعاءً بأنه مركز التعلُّم على أعلى مستوى. وفي الوقت عينه، تلقَّت الجامعات فيضانًا من طلبات الالتحاق، وبذلك تداركت مشكلة أخرى كانت تصيب النموذج القديم –النقص المزمن في الطلاب–.

 

لكن الولايات المتحدة لم تتبنَّ النموذج الألماني جُملة وتفصيلًا. بدلاً من ذلك، تكيَّف النظام مع احتياجات الولايات المتحدة. فكانت الجامعة البحثية في قوة الإضافة، وليس تحولاً.

إذ كانت الجامعة الألمانية مؤسسة نخبوية، ركَّزت بشكل رئيس على التدريس للدراسات العليا والبحث المتقدم، والذي كان ممكنًا فقط بتوافر دعم قوي ومتواصل من الدولة. وبما أن مثل هذا الدعم لم يكن متاحًا في الولايات المتحدة، كان التعليم عند مرحلة الدراسات العليا والبحث العلمي يوجد بمستويات أداء متواضعة فحسب، وفقط إذا طُعِّمَا بالمخزون الهائل الناتج من الكلية الأميركية من مرحلة البكالوريوس. فقد كانت في حاجة إلى الدعم المالي الآتي من عدد كبير من طلاب مرحلة البكالوريوس، الذين دفعوا رسوم دراسية وقدَّموا اعتمادات مالية عن كل فرد لمؤسسات الدولة.

 

كانت أيضًا في حاجة إلى الدعم السياسي والشرعية الاجتماعية التي أتت من سِمَتَيْ شعبية وعملية الكليات الأميركية القائمة. أي أن التعليم المتقدِّم في الدراسات العُليا اعتمد على تجربة في مرحلة البكالوريوس كانت متاحة على نطاقٍ واسع ولم تكن تحتاج إلى متطلبات فكرية كثيرة. بعبارة موجزة، كانت الجامعات بحاجة إلى طلاب. وفي القرن العشرين، جاء الطلاب.

 

بحلول ذلك الوقت، كان نظام التعليم العالي الأميركي في موقف قوة للاستفادة من الإمكانات التي بناها خلال صراعه التنافسي من أجل البقاء في السنوات السابقة. وبالمقارنة مع المؤسسات الأوروبية الأقدم والأكثر تميزًا، تمتَّع النظام بقاعدة عريضة من التأييد العام باعتباره مؤسسة شعبية  قدَّمت الكثير من المنافع العملية. أي أنَّنا نشعر وكأنها مؤسستنا وليست مؤسستهم. ومن أجل البقاء، كان على النظام الحياد عن مساره لجعل الطلاب سعداء، ما عَنى تقديم طيف واسع من وسائل الترفيه الاجتماعية –بما في ذلك رابطات الأخويات والجمعيات النسائية وكرة القدم بطبيعة الحال– وبرنامج أكاديمي غير مُفرط في صعوبته.

كانت الفكرة حَمْل الطلاب على الانغماس تمامًا في المؤسسة لدرجة أن يصبحوا يُعرِّفون أنفسهم بها –ما يُساعد على ضمان أنهم في وقتٍ لاحقٍ من حياتهم سيستمرون في ارتداء ألوان الكلية ويحضرون إلى لقاءات لم الشمل وإلحاق أطفالهم بها وكذلك تقديم تبرعات سخية.

 

إحدى مظاهر الطبيعة الشعبية تلك تراها اليوم في اللغة التي يستخدمها الناس. فالأمريكيون يميلون لاستخدام كلمتي كلية وجامعة بصورة متبادلة. بينما في أي مكان آخر من العالم، تُشير كلمة “جامعة” إلى المستويات العليا من التعليم بعد الثانوي، والتي تمنح درجة البكالوريوس والدراسات العُليا، بينما تُشير كلمة “كلية” إلى شيء أشبه بما يُطلق عليه الأميركيون كلية مجتمعية، والتي تمنح دراسات متوسطة وتدريب مهني. لذلك عندما يقول البريطانيون أو الكنديون عبارة: “أنا ذاهب إلى الجامعة”، فهي تحمل ملمحًا نخبويًّا.

 

لكن بالنسبة للأميركيين، يُعتبر مصطلح جامعة متغطرس ومتعالي بعض التعالي. فهم يفضِّلون استخدام عبارة: “أنا ذاهب إلى الكلية”، سواء كانت تلك المؤسسة هارفارد أو المدرسة التجارية المحلية في بلدتهم. وهذا أمر مُضلل بعض التضليل، إذ أن التعليم العالي الأميركي مُقسَّم طبقيًّا بشكلٍ استثنائي، وتختلف المزايا كليَّةً وفقًا لوضعية المؤسسة. لكنها أيضًا تتميز بشعبيتها، مع تأكيد بأن الكلية تفتح أبوابها للجميع تقريبًا.

 

بالانتقال إلى القرن العشرين، حظيَ النظام بميزة أخرى تمثَّلت في ميل الكليات والجامعات الأميركية للتمتع بدرجة عالية نسبيًّا من الاستقلالية. كانت تلك الميزة أوضح ما تكون في حالة المؤسسات الخاصة غير الهادفة للربح والتي لا تزال تشكِّل غالبية مؤسسات التعليم العالي الأميركي.

فيكون هناك مجلس إدارة يملك المؤسسة ويُعيِّن الرئيس، الذي يخدم بصفته مديرًا تنفيذيًّا، بحيث يضع الميزانية ويُدير الكلية وطاقم أساتذتها. تتلقى الجامعات الخاصة اليوم الكثير من الأموال الحكومية، خاصة من أجل المنح البحثية والمنح والقروض الطلابية، لكنهم لديهم حرية تصرف كبيرة في الرسوم الدراسية وطرق الدفع والمناهج الدراسية وتنظيم المؤسسة. يسمح ذلك للجامعة بالتأقلم سريعًا مع ظروف السوق المتغيرة، والاستجابة لفرص التمويل، وتطوير برامج جديدة، وأخيرًا فتح مراكز بحثية.

 

 

تخضع الكليات العامة للإدارة والتحكم من قِبل الدولة، الأمر الذي يوفر اعتمادات مالية لدعم وظائفها الرئيسة ويقوم كذلك بتشكيل السياسات. ويحد ذلك من المرونة تجاه جوانب مثل الميزانية والرسوم الدراسية وطرق الدفع. إلا أن التمويل الحكومي يغطي جزءًا من إجمالي النفقات فحسب، مع تناقص تلك الحصة كلما صعدت على سُلَّم المكانة المؤسسية. وغالبًا ما تتلقى الجامعات البحثية العامة الرائدة في الولايات المتحدة أقل من 20% من ميزانيتها من الدولة؛ وفي حالة جامعة فيرجينيا، تقل النسبة لأقل من 5%.

بينما تتلقى الجامعات الحكومية المناطقية حوالي نصف تمويلها من الدولة؛ لذا تحتاج المؤسسات العامة لاستكمال تمويلها عن طريق الطرق نفسها التي تلجأ لها المؤسسات الخاصة، عبر الرسوم الدراسية للطلاب والمنح البحثية والرسوم مقابل الخدمات والتبرعات. ويمنحهم ذلك قدرًا معقولًا من الحرية في تتبع خطى المؤسسات الخاصة في التأقلم مع السوق والسعي وراء الفرص. من ناحية أخرى، تتمتع الجامعات البحثية العامة بقدر عظيم من الاستقلالية عن سيطرة الدولة. بل إن الجامعات العامة التي احتلت صدارة التصنيف لفترة طويلة –مثل جامعة كاليفورنيا وجامعة ميشيغان– لها استقلاليتها المكفولة في دستور الدولة.

 

لقد تبيَّن أن الاستقلالية تحظى بأهمية كبيرة من أجل نظام تعليم عالي حيوي وصحي. وأن الجامعات تعمل بأفضل شكل بصفتها مؤسسات ناشئة، بحيثُ تأتي المبادرة من أسفل، فيسعى الأساتذة وراء فرص بحثية، وتطور الأقسام برامج دراسية، ويُطلق الإداريون معاهد ومراكز للاستفادة من الإمكانات المتاحة في البيئة المحيطة.

يسعى التخطيط المركزي من قِبل وزراء الدولة للتعليم العالي إلى دفع الجامعات باتجاه الأهداف الحكومية، لكن هذا الشكل الفوقي من صنع السياسات يميل إلى إخماد الأنشطة الريادية لأعضاء هيئة التدريس والإداريين الذين يكونون أعلم بمجالهم وأكثر انسجامًا مع طلبات السوق. يمكن لك أن تقدِّر حجم الأثر العائد على جودة الجامعة جرَّاء استقلاليتها عن الدولة.

أجرَت الاقتصادية بجامعة ستانفورد كارولين هوكسبي وزملاؤها دراسة قارنت بين التصنيفات العالمية للجامعات ونسبة التمويل الذي تحصل عليه الجامعة من الدولة (مستخدمين مراتب محسوبة بواسطة جامعة شانغهاي جياو تونغ). ووجدوا أنه عندما ترتفع نسبة التمويل الآتي من الدولة في الميزانية بمعدل درجة واحدة مئوية، يهبط تصنيف الجامعة بمعدل 3 مراتب. وبالعكس، عندما ترتفع نسبة التمويل في الميزانية الآتية من المنح التنافسية بمعدل درجة واحدة مئوية، يرتفع تصنيف الجامعة بستة مراتب.

 

في القرن التاسع عشر، أرغم الدعم القليل من الكنيسة والدولة الكليات الأميركية على التحول إلى نظام تعليم عالي ناشئ، فكان النظام هزيلاً وقادرًا على التكيُّف ومستقلًا ومُراعيًا للمستهلك، وعلاوة على ذلك، كان معتمدًا على نفسه بصورة جزئية وغير مركزي بدرجة واسعة.

 

وفَّرت تلك البدايات المتواضعة للنظام السمات الجوهرية التي ساعدته على أن يُصبح النظام الرائد على مستوى العالم. وبذلك احتلت مجموعة الكليات غير المميزة تلك أعلى التصنيفات العالمية. وبحلول القرن الحادي والعشرين، شكلت الجامعات الأميركية ما مجموعه 52 جامعة من بين أعلى 100 جامعة في العالم، و16 جامعة من بين أعلى 20 جامعة. وكان نصف عدد الحاصلين على جوائز نوبل في القرن الحادي والعشرين باحثين وعلماء في المؤسسات الأميركية.

في الوقت عينه، تحوَّل الرصيد المالي للنظام الذي كان بالكاد يسد الرمق إلى ثروة ضخمة. فاليوم نجد الجامعة الأميركية ذات الوقف المالي الأكبر، وهي جامعة هارفارد، لديها 35 مليار دولار؛ في حين الجامعة ذات الوقف المالي الأكبر في أوروبا هي جامعة كامبريدج، بما مجموعه 8 مليار دولار. بينما الوقف المالي الأكبر على مستوى القارة الأوروبية يعود إلى مؤسسة جديدة، وهي الجامعة الأوروبية المركزية بإجمالي 900 مليون دولار، بفضل تبرع من ]رجل الأعمال الهنغاري المولد جورج سوروس. وذلك من شأنه أن يضع الجامعة الأوروبية المركزية في المركز رقم 103 في الولايات المتحدة، بعد جامعة بارنديز.

 

إنها قصة الصعود من الهاوية إلى العالمية كما نرى. فلم يعُد نظام التعليم العالي الأميركي أضحوكة، بل أصبح موضع حسد من كل العالم. ولسوء الحظ، مع ذلك، بما أنه نظام نشأ من دون خطة، فلا يوجد نموذج يقدمه للآخرين ليتَّبعوه. إنه نظام حادث نشأ في ظل ظروف فريدة: عندما كانت الدولة ضعيفة، والسوق يقوى، والكنيسة منقسمة على نفسها؛ وعندما كان هناك الكثير من الأرض ومشترون أقل؛ وكذلك عندما كانت المعايير الأكاديمية منخفضة. حظًّا موفقًا في محاولتكم تكرار هذا النموذج في أي مكان آخر في القرن الحادي والعشرين.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك