تأثير التكنولوجيا على الأدمغة الناشئة

3 ديسمبر , 2015

قبل عشرون عامًا اعتاد الأطفال على اللعب يوميًا خارج المنزل، ركوب الدراجات، كرة القدم، الإستغمائة، والعديد من الألعاب التخيلية التي لا تتطلب تكلفة أو إشراف من الوالدين.

الآن تغير عالم الأطفال كثيرًا، فبينما كان قديمًا يعتمد على البساطة والطبيعة، قضاء الكثير من الوقت مع العائلة، طاولة الطعام هي مكان مركزي لتجمع الأسرة سواء لإعداد الطعام أو تناول الوجبات سويًا أو لتشارك صنع الحرف اليدوية والأعمال المنزلية، بسبب التكنولوجيا أصبحت أسرة القرن الـ 21 الآن متفككة الأساس. الدراسة، العمل، العلاقات الاجتماعية تعتمد بشكل أساسي على استخدام التكنولوجيا في الحصول على المعلومات والتواصل ورسم صورة الحياة التي نعيشها الآن.

الكل يرغب في التأثير الأكثر سرعة، حتى في وسائل الترفيه مثل الهواتف المحمولة، التلفزيون، الإنترنت، ألعاب الفيديو، الكمبيوترات المحمولة واللوحية والتي تتطور بشكل سريع ومذهل وتؤثر بدورها على نمط وشكل حياة الأسر. أظهرت دراسة أجرتها مؤسسة Kaiser في 2010 أن الأطفال في المرحلة الابتدائية يستخدمون وسائل الترفيه التكنولوجية بمتوسط سبع ساعات ونصف يوميًا، كما أظهرت أن 75% من هؤلاء الأطفال يملكون أجهزة تلفزيون خاصة في غرف نومهم، أضافت الدراسة أن 50% من المنازل في أمريكا الشمالية تستخدم التلفزيون طوال اليوم، لتحل “الشاشة الكبيرة” محل طاولة الطعام اليومية قديمًا للحوار والنقاش.

يعتمد الأطفال الآن على التكنولوجيا في أغلب لعبهم، مما يحد بشكل صارخ من التحديات التي تواجه خيالهم وقدراتهم الإبداعية، فضلًا عن التحديات اللازمة لأجسامهم لتحقيق التنمية الحسية والحركية لديهم. فالهيئة المستقرة لحواسهم المستمرة تؤدي إلى تأخير في تحقيق إنجازات تنموية، بجانب تاثيرها السلبي على مهاراتهم الأساسية في عملية التعلم لديهم، فأصبحوا يعانون عند دخولهم إلى المدرسة بسبب عدم قدرتهم على التنظيم الذاتي أو الإنتباه اللازم للتعلم، لتشكل كل هذه العوامل في نهاية المطاف مشاكل في إدارة سلوك الطلاب للمًعلمين داخل الفصول.

إذًا ماهو تأثير التكنولوجيا الحالية على عقول الأطفال النامية ؟

بيولوجيًا يُصعب من عملية التطوير الحسية والحركية والتنظيمية، بالإضافة لملاحظة زيادة الإضطرابات النفسية والسلوكية والحركية والتي تندرج تحت المشاكل الصحية والتعليمية. فالسمنة والسكري على سبيل المثال عند الأطفال أصبحت الأوبئة الوطنية في أميركا وكندا، والتي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بزيادة استخدام التكنولوجيا. بالإضافة لتشخيصات اضطرابات نقص الإنتباه وفرط الحركة، التوحد، اضطرابات التنسيق، التأخر في النمو، صعوبات التعلم، الكلام غير المفهوم، القلق، الإكتئاب، اضطرابات النوم، والتي ترتبط جميعها بالإفراط في استخدام التكنولوجيا وتتزايد بمعدل ينذر بالخطر. وبنظرة عاجلة فاحصة على العوامل الحاسمة لتلبية وتحقيق المعالم التنموية للطفل والتأثير اللاحق للتكنولوجيا على هذه العوامل، من شأنه أن يساعد الآباء والأمهات و المعلمين والأخصائيين الصحيين على فهم أفضل لتعقيدات هذه القضية ويساعدهم في خلق استراتيجيات فعالة للحد من استخدام التكنولوجيا.

يوجد 4 عوامل أساسية لتحقيق تنمية صحية للطفل هي، الحركة، اللمس، الاتصال البشري، والتعرض للطبيعة، هذه العوامل الأربعة والتي يمكننا أن نطلق عليها المدخلات الحسية هي ضمان التطور الطبيعي للمهارات الأساسية نتيجة تعرضه للمواقف المختلفة التي تستدعي تطوير ذهني وحركي وحسي وتنسيق ذاتي للطفل قبل دخوله المدرسة، فالطفل الواحد يحتاج مدة 2 -3 ساعات يوميًا للنشاط التفاعلي مع الطبيعة المحيطة به والتعرض للمواقف التعثر في اللعب للتحفيز الذاتي لأنظمته فهناك التحفيز عن طريق اللمس الذي يرد عن طريق لمس الأشياء، العناق، العمل اليدوي ( كصناعة المجسمات والحفر وتفكيك القطع والزراعة )، فاللعب أمر بالغ الأهمية لتطوير التطبيق العملي، أو أنماط الحركة المخطط لها. التحفيز عن طريق اللمس من شأنه أيضًا أن ينشط النظام السمبتاوي، فيخفض الكورتيزول، الأردينالين، والقلق. أما التعرض للطبيعة ووجود الطفل في مساحات خضراء فهو لا يعمل فقط على تهدئته، بل يخلق لديه حالة تصالح وتشجيع على التعلم.

هناك المزيد من التحليلات حول تأثير استخدام التكنولوجيا المفرط على الأطفال تشير إلى تأثر الأنظمة الحسية السمعية والبصرية بشكل يسبب خلل في الجهاز العصبي بشكل عام فالأطفال الذين يتعرضون للعنف من خلال التلفزيون وألعاب الفيديو لديهم حالة إرتفاع في معدل الأدرينالين وزيادة التوتر، فالجسم لا يستطيع تحديد إذا كان ما يشاهده حقيقة أم لا، يمكننا القول بأن نظامه الحسي في حالة تأهب مستمر للهجوم القادم، والأثر الطويل لهذه الحالة يسبب مستقبلًا ضعف في جهاز المناعة مما يؤدي للعديد من الأمراض الخطيرة والإضطرابات.

ختامًا من المهم لنا جميعًا كآباء ومعلمين ومعالجين العمل سويًا لإيقاظ المجتمع لرؤية الآثار المدمرة للاستخدام المفرط للتكنولوجيا، ليس على صعيد صحي ونفسي وسلوكي فقط. بل أيضًا تأثيره على قدرتهم على التعلم والمحافظة على العلاقات الأسرية.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك