تاريخ مختصر للتعليم، لفهم المدارس.. علينا رؤيتها من المنظور تاريخي (ج2)

15 مايو , 2016

هذا هو الجزء الثاني من مادة “تاريخ مختصر للتعليم، لفهم المدارس.. علينا رؤيتها من المنظور تاريخي ” لمراجعة الجزء الأول: انقر هنا.

مع تبلور الأمم وتحولها لتصبح أكثر مركزية، رأى القادة الوطنيين التعليم كطريقة لإنتاج وطنيون جيدون وجنود مستقبليون. وبالنسبة لهم كانت الدروس الأكثر أهمية هي أمجاد الوطن والإنجازات المدهشة وفضائل مؤسسي الدولة وقادتها الأخلاقية، وضرورة الدفاع عن الأمة من القوى الشريرة في أي مكان.

وفي هذا السياق يجب أن نضيف الإصلاحيون الذين اهتموا بالأطفال، والذين تتردد رسائلهم بعاطفة في آذاننا اليوم. هؤلاء أناس رأوا المدارس كأماكن لحماية الأطفال من قوى الضرر في العالم الخارجي، ولمنح الأطفال الأساس الأخلاقي والفكري الذي يحتاجون إليه ليصبحوا بالغين شرفاء وأكفاء. ولكن هؤلاء أيضًا كانت لهم أفكارهم حول ما يجب أن يتعلمه الأطفال. فكان لزامًا على الأطفال تعلم دروس أخلاقية وتخصصات مثل اللغة اللاتينية والرياضيات، والتي تمرن عقولهم لتحولهم إلى علماء.

ولذلك، كل من شارك في تأسيس أو مساندة المدارس كانت لديه وجهة نظر واضحة بشأن ماهية الدروس الواجب على الأطفال تعلمها فيها.

ولم يؤمن أحد تمامًا أن ترك الأطفال لآلياتهم حتى في ظروف تعلم مهيأة سيجعلهم يتعلمون الدروس ذاتها التي يعتبرها البالغين مهمة للغاية. كلهم رأوا أن التدريس هو غرس وزراعة حقائق بعينها وطرق تفكير في عقول الأطفال. وكانت طريقة الغرس الوحيدة المعروفة وقتئذ وحتى الآن هي التكرار الإجباري واختبار الذاكرة فيما تم تكراره.

ومع قيام التعليم المدرسي، بدأ الناس بالتفكير في التعليم كعمل للأطفال. وانتقلت إثر ذلك أساليب القوة الحازمة التي كانت تُستخدم لإجبار الأطفال على العمل بالحقول والمصانع بشكل طبيعي جدًا إلى الفصل الدراسي.

إن تكرار الدروس وحفظها يُعد عملًا مرهقًا للأطفال، الذين تحثهم غرائزهم بشكل مستمر على اللعب بحرية واستكشاف عالمهم الخاص. ومثلما يتكيف الأطفال بسهولة مع العمالة في الحقول والمصانع، فلم يتكيفوا بسهولة أيضًا مع التعليم المدرسي، وهو ما لم يكن مفاجئًا للبالغين المشاركين. وفي هذه الحقبة من التاريخ، أصبحت فكرة قيمة عناد الأطفال في طي النسيان تمامًا، فقد اعتقد الجميع أنه يجب التخلص من ذلك العند لدى الأطفال لكي يتعلموا في المدارس، واعتقدوا أن استخدام كافة أنواع العقاب أمر جوهري في عملية التعليم. وفي بعض المدارس كان يُسمح للأطفال باللعب في أوقات محددة (الفسحة)، لتمكينهم من تنفيس ما بداخلهم، ولكن اللعب لم يكن يُعتبر وسيلة للتعلم. وفي الفصل الدراسي، كان اللعب عدوا للتعلم.

وانعكس موقف بارز لإدارات المدارس بالقرن الـ18 بشأن اللعب في قواعد “جون ويسلي” للمدارس الويسلية، والتي تضمنت جملة “وبما أننا لا توجد لدينا أيام للعب، فنحن لا نسمح بأي وقت للعب في اليوم، لأن ذلك الذي يلهو وهو طفل سيلهو وهو بالغ”.

وانتقلت الأساليب القاسية التي استخدمت طويلًا لإجبار الأطفال على العمل بالمزرعة أو المصنع إلى المدرسة لإجبار الأطفال على التعلم. وكان بعض مدراء المدارس الذين لا يتلقون أجورًا كافية وغير المدربين ساديين بشكل واضح، فقد احتفظ أحد المديرين في ألمانيا بسجل للعقوبات التي طبقها في فترة 51 عامًا من التدريس وتضمنت “911527 ضربة بقضيب، و124010 ضربة باستخدام عصا، و20989 ضربة بالمسطرة، و136715 ضربة باليد، و10235 ضربة على الفم، و7905 لكمة إلى الأذن، ومليون و118800 ضربة موجهة إلى الرأس”، ومن الواضح أن المدير كان فخورًا بالتدريس الذي أنجزه.

وفي كتاب سيرته الذاتية، وصف الوزير البارز في ماساتشوستس بالقرن الـ18 جون بيرنارد، باستحسان كيف تعرض للضرب وهو صغير بشكل منتظم من مديرينه. لقد كان يتعرض للضرب بسبب دافعه غير القابل للمقاومة للعب، وكان يُضرب في حال فشل هو أو أقرانه بالفصل الدراسي في التعلم. ولأن برنارد كان نبيهًا، فقد أوكلت له مهمة مساعدة الآخرين على التعلم، عندما كانوا يفشلون في قراءة درس ما بشكل مناسب كان يتعرض للضرب. وكانت شكواه الوحيدة هي من تعمد أحد  أقرانه في الخطأ بالدرس حتى يشاهده وهو يتعرض للضرب. ووجد بيرنارد حلًا لهذه المشكلة وهي “ضربة” بعد انتهاء اليوم الدراسي، وتهديده بضربات أخرى في المستقبل، وكان ذلك بالأيام الخوالي.

وفي الآونة الأخيرة، أصبحت أساليب التعليم أقل قسوة، ولكن الفرضيات الأساسية لم تتغير. ويستمر تعريف التعليم كعمل للصغار، ويُستخدم فيه الحزم لإجبار الأطفال على القيام بهذا العمل.

وفي القرنين الـ19 والـ20، تطور التعليم العام بشكل تدريجي وأصبح ما نعرفه اليوم بالتعليم التقليدي. وأصبحت أساليب الانضباط أكثر إنسانية أو على الأقل أصبحت أقل عنفًا، وأصبحت الدروس أكثر علمانية وتوسع المنهج الدراسي مع توسع المعرفة، فشمل قائمة متزايدة من المواد ، وتزايد عدد ساعات وأيام وأعوام التعليم الإلزامي بشكل متواصل. وحلت المدرسة تدريجًا مكان العمل الميداني والعمل بالمصنع والأعمال المنزلية كعمل أساسي للأطفال.

وكما يقضي البالغين 8 ساعات من اليوم في محل عملهم، يقضي الأطفال 6 ساعات في المدرسة، إضافة لساعة أو أكثر لإنجاز الفروض المنزلية، وغالبًا ساعات أكثر في الدروس خارج المدرسة. وبمرور الوقت، أصبحت حياة الأطفال محددة ومنظمة بشكل متزايد من خلال المنهج المدرسي، ويُحدد الأطفال غالبًا حول العالم بعامهم الدراسي في المدرسة كما يُصنف البالغين بأعمالهم أو وظائفهم.

أصبحت المدارس اليوم أقل قسوة مما كانت عليه سابقًا، ولكن بعض الجوانب لم تتغير، فالتعليم عمل شاق يُجبر الأطفال في بعض الأحيان على القيام به وليس شئ سيحدث بشكل طبيعي من خلال الأنشطة التي يختارها الأطفال بأنفسهم. ويتم تحديد الدروس المعينة الواجب على الأطفال تعلمها من خلال معلمين مهنيين وليس بأيدي الأطفال، ولذلك فالتعليم لا يزال حتى اليوم مثلما كان عليه سابقًا مسألة غرس (من خلال المعلمين الذين يميلون لتفادي هذا المصطلع، ويستخدمون مصطلحات بشكل خاطئ مثل “اكتشاف”).

إن المعلمين الأكفاء اليوم قد يستخدمون “لهو” كوسيلة لجعل الأطفال بستمتعون ببعض دروسهم، وقد يُسمح للأطفال ببعض الوقت للهو في الفسحة (وهو ما تقل مدته في الآونة الأخيرة)، ولكن لهو الأطفال يُعتبر غير كاف كأساس للتعليم. إن الأطفال ذوي الدافع القوي للعب الذي لا يجعلهم يجلسون لتلقي العلم لا يتم ضربهم، ولكن بدلًا من ذلك يخضعون للعلاج.

المدارس اليوم مكان يتعلم فيه الأطفال أن الصيادين وجامعي الثمار لم يعرفوا التفريق بين اللعب والعمل. يقول المعلمون “عليكم بإنجاز أعمالكم ثم يمكنكم اللعب”. ومن الواضح بحسب هذه الرسالة، أن العمل الذي يضم كل التعليم المدرسي هو شئ لا يرغب في إنجازه أحد إلا وهو مجبر، وأن اللهو الذي لا يرغب الإنسان إلا فيه له قيمة قليلة نسبيًا.

ربما يكون ذلك هو الدرس الأساسي لأسلوبنا في التعليم، فإن لم يتعلم الأطفال أي شئ في المدرسة، فسيتعلمون الفرق بين العمل واللهو، وأن التعليم عمل وليس لعب.

لقد حاولت في هذا المقال أن أشرح تاريخ البشرية الذي أدي لتطور المدارس كما نعرفها اليوم.

 المقال الأصلي



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

رنا داود منذ 3 سنوات

الجزء الاول والثاني من المقالة ممتاز وددت لو كان هناك مصادر لمن أراد التوسع في هذا الموضوع ، شاكرين جهودكم

أضف تعليقك