تاريخ مختصر للتعليم، لفهم المدارس.. علينا رؤيتها من المنظور تاريخي (ج1)

15 أبريل , 2016

لدى رؤيتنا للأطفال في كل مكان وهم ملزمون قانونيًا بارتياد المدرسة، وأن غالبًا كل المدارس مهيكلة على الأساس ذاته، وأن مجتمعنا يتكبد قدر كبير من المشاكل والتكاليف لتوفير مثل هذه المدارس، فنحن نتجه بشكل طبيعي لافتراض وجود سبب جيد ومنطقي لكل ذلك. ربما لم يكن لينمو الأطفال ويصبحوا بالغين أكفاء لو لم نجبرهم على الذهاب للمدرسة، أو لو كانت تُدار المدارس بشكل مختلف. ربما تمكن بضع أشخاص أذكياء من فهم ذلك كله وأثبتوه بطريقة ما، أو ربما اختبروا طرق تفكير بديلة حول تنمية الطفل والتعليم وفشلت.

قدمت في مقالات سابقة دليل على نقيض ذلك. وعلى وجه الخصوص، وتحدثت في مقالتي يوم 13 أغسطس عن مدرسة “سادبري فالي”، التي كان الأطفال يتعلمون فيها بأنفسهم داخلها طيلة 40 عامًا بطريقة تعتمد على فرضيات مغايرة لتلك الموجودة بالتعليم العادي. وأظهرت دراسات المدرسة وخريجيها أن الأطفال العاديين والمتوسطين تعلموا من خلال لهوهم واستكشافهم، ودون توجيه أو حث من البالغين، وأصبحوا بالغين فاعلين في المجتمع. وتوفر المدرسة مكان فاخر يمكن الأطفال من اللهو والاستكشاف والتعرف على الديمقراطية بشكل مباشر بدلًا من توجيههم أو حثهم، وهو ما تفعله بتكلفة فليلة وبمشاكل أقل لكل المشاركين عن إدارة المدارس العادية. إذا، فلم ليست كل المدارس هكذا؟

إن كنا نرغب في فهم السبب وراء حال المدارس العادية، فعلينا التخلي عن فكرة كونها ناتج ضرورة منطقية أو رؤية علمية، وأنها نتاج تاريخي.

إن التدريس بصورته اليوم يمكن أن يصبح منطقيًا فقط إن نظرنا إليه من منطور تاريخي. ولذلك، ففي سبيل إيضاح السبب وراء حال المدارس اليوم، أقدم لكم هنا بشكل مختصر ملخص لتاريخ التعلم منذ بداية الخليقة وحتى الآن.  قد يستخدم أغلب العلماء المتخصصين في تاريخ التعلم تعبيرات مختلفة عن تلك التي استخدمها هنا، ولكني أشك في رفضهم للدقة بشكل شامل بالمقال. في الحقيقة، لقد استخدمت كتابات هؤلاء العلماء لتساعدني على تطوير المقال.

في البداية، علّم الأطفال أنفسهم طيلة مئات الآلاف من الأعوام من خلال اللهو الموجه ذاتيًا والاستكشاف.

وحول ما يتعلق بالتاريخ البيولوجي لجنسنا، فالمدارس مؤسسات حديثة، فقد عاش البشر كصيادين وجامعي ثمار لمدة مئات الآلاف من السنوات وقبل ظهور الزراعة. وفي مقالي يوم 2 أغسطس، لخّصت الدليل من علم الإنسان “الأنثروبولوجي” أن الأطفال في ثقافات الصيد وجمع الثمار تعلموا ما كانوا بحاجة لتعلمه قبل أن يصبحوا بالغين فاعلين من خلال لهوهم واستكشافهم. وخلال فترة تطورنا كصيادين وجامعي ثمار، ظهرت الدوافع القوية لدى الأطفال للهو والاستكشاف لخدمة أغراض التعلم. وسمح البالغين في ثقافات الصيد وجمع الثمار للأطفال بحرية غير محدودة غالبًا للعب والاستكشاف اعتمادًا على أنفسهم، لأنهم أدركوا أن هذه الأنشطة هي الطرق الطبيعية التي يتعلم من خلالها الأطفال.

وبظهور الزراعة، والصناعة لاحقًا، أصبح الأطفال عمالًا بالسخرة، وتم قمع اللعب والاستكشاف. وتحول التعنّت من كونه فضيلة إلى رذيلة يجب التخلص منها.

وشكل اختراع الزراعة منذ 10 آلاف عام مضوا في بعض بقاع العالم ولاحقًا في مناطق أخرى، تغييرًا في أسلوب حياة الناس. لقد كان الصيد وجمع الثمار أسلوب حياة فيه مهارة ومعرفة كثيفة، ولكن ليس عملًا كثير. وحتى يكون البشر صيادين أو جامعي ثمار ذوي تأثير، كان لزامًا عليهم الحصول على معرفة واسعة بالنباتات والحيوانات التي يعتمدون عليها وعلى الأراضي التي جابوها، وكان لزامًا عليهم أيضًا تطوير مهارة كبيرة في صناعة واستخدام آلات الصيد وجمع الثمار. كان يتحتم عليهم أن يكونوا قادرين على المبادرة وأن يكونوا مبدعين في إيجاد الأطعمة وألعاب التعقب. ورغم ذلك، فلم يكن عليهم أن يعملوا لساعات طويلة، وكان العمل الذي يؤدونه ممتعًا وليس كئيبًا. وأشار المتخصصون في علم الإنسان إلى أن مجموعات الصيد وجمع الثمار التي درسوها لم تفرق بين العمل واللهو، وبالضرورة كانت حياتهم لهوًا.

وغيّرت الزراعة من كل ذلك بشكل تدريجي. فمع الزراعة، تمكن الناس من إنتاج طعام أكثر، ما سمح لهم بإنجاب أطفال أكثر. كما سمحت الزراعة للناس – أو أجبرتهم – على الحياة في مساكن دائمة حيث كانوا يزرعون محاصيلهم بدلًا من حياة الترحال، الأمر الذي سمح لهم بحيازة الملكية. ولكن هذه التغيرات طرأت بكلفة كبيرة في العمل، ففي حين حصد الصيادون وجامعي الثمار بمهارة ما أنبتته الارض، فقد كان على الفلاحين أن يحرثوا الأرض ويزرعوها ويعتنون بحيواناتهم وهكذا. واستلزمت الزراعة الناجحة ساعات طويلة من العمل غير المحترف والمتكرر، والذي أنجز الأطفال جزء كبير منه. وبوجود عائلات كبيرة، كان على الأطفال أن يعملوا في الحقول للمساعدة في إطعام أقرباءهم الصغار، وإلا كان عليهم أن يعملوا بالمنزل للمساعدة في العناية بهم. لقد تغيرت حياة الأطفال تدريجيًا من مطاردة اهتماماتهم بشكل آخر إلى قضاء وقت أطول في العمل الذي كان يخدم العائلة باسرها.

ونجم عن الزراعة وملكية الأرض وتراكم الأملاك للمرة الأولى في التاريخ تباينًا جليًا في الطبقات. وأصبح الأشخاص الذين لم يتملكوا أراضي معتمدين على أولئك الذين يملكون، واكتشف ملاك الأراضي أن بمقدورهم زيادة ثراءهم بتمكين الآخرين من العمل لديهم، فتطورت أنظمة الاسترقاق وأشكال أخرى من العبودية. وأصبح باستطاعة الأغنياء أن يزيد ثراءهم بمساعدة الآخرين الذين يعتمدون عليهم من أجل العيش. وبلغ أوج كل ذلك مع الإقطاعية في العصور الوسطى، عندما بات المجتمع هرميًا بشكل حاد، يعلوه بضعة ملوك ولوردات ويستقر في أسفله جموع العبيد والأقنان. وفي هذا الوقت كان أغلب الناس وضمنهم الأطفال من الرقيق، وكانت الدروس الرئيسة التي كان يتوجب على الأطفال تعلمها هي الطاعة وقمع إرادتهم، وإظهار التبجيل للوردات والسادة، وكانت الروح المتمردة تؤدي إلى موت صاحبها.

ولم يكن يساور اللوردات والأسياد في العصور الوسطى وخز ضمير بسبب إيذاء الأطفال لإخضاعهم. فعلى سبيل المثال، أوصت محكمة فرنسية في إحدى الوثائق بأواخر القرن الـ14 أو بدايات القرن الـ15، صيادي النبلاء بوجوب “اختيار طفل خادم بعمر السابعة أو الثامنة” وأن “هذا الطفل يجب ضربه حتى تكون لديه رهبة مناسبة من عدم طاعة أوامر أسياده”. وضمت الوثيقة قائمة لعدد مذهل من الأعمال الروتينية التي يقوم بها الطفل يوميًا، وأشارت إلى أنه سيخلد للنوم بطابق فوق كلاب الصيد حتى يقوم على رعاية احتياجاتها.

ومع قيام الصناعة وطبقة برجوازية جديدة، انحسرت الإقطاعية بشكل تدريجي، ولكن ذلك لم يحسن من معيشة أغلب الأطفال على الفور. واحتاج مالكو الأعمال عمالًا مثلما احتاج مالكي الأراضي، يستطيعون القيام بعمل كثير بقدر الإمكان في مقابل تعويض بسيط. ويعلم الجميع بشأن الاستغلال الذي تبع ذلك ولا يزال يحدث في مناطق عدة بالعالم، فالناس ومن ضمنهم الأطفال كانوا يعملون أغلب الساعات التي كانوا مستيقظين بها طيلة أيام الأسبوع في ظروف وحشية من أجل العيش.  وانتقلت عمالة الأطفال من الحقول التي كان بها على الأقل آشعة شمس وهواء نقي وبعض الفرص للهو، إلى المصانع المظلمة والمزدحمة القذرة. وفي إنجلترا، كان مراقبو الفقراء يبعثون بالأطفال المدقعين بالفقر إلى مصانع، يتلقون فيها معاملة العبيد، وتوفي عدة آلاف منهم سنويًا بسبب الأمراض والجوع والإرهاق. ولم تمرر إنجلترا حتى القرن الـ19 تشريعات تحد من عمالة الأطفال، ففي عام 1883على سبيل المثال، سُنّ قانون جديد يحظر على مصنعي الغزل والنسيج من تشغيل الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 9 أعوام، وحدد عدد ساعات العمل في الأسبوع إلى  48 ساعة للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 10 إلى 12 عامًا، و69 ساعة للذين تتراوح أعمارهم بين 13 إلى 17 عام.

خلاصة القول، كان تعليم الأطفال لعدة ألوف من السنين بعد اختراع الزراعة، وإلى درجة كبيرة، مسألة سحق لعناد الأطفال لجعلهم عمال جيدين. فالطفل الجيد هو ذلك المطيع، والذي يقمع أو تقمع غريزة اللعب والاستكشاف ويؤدون واجب تنفيذ أوامر السادة البالغين. ولحسن الحظ، فمثل ذلك النظام التعليمي لم يكن ناجحًا بشكل كامل. إن غرائز اللعب والاكتشاف لدى البشر قوية لدرجة أنها لا يمكن التخلص منها بشكل تام داخل الأطفال، ولكن بالتأكيد كانت فلسفة التعليم خلال تلك الحقبة تمثل النقيض للفلسفة التي عمد إليها الصيادين وجامعي الثمار لمئات الآلاف من السنوات.

ولعدة أسباب، بينها الديني والعلماني، صعدت فكرة التعليم الإلزامي والشامل، وانتشرت تدريجيًا. وكان مفهوم التعليم يقوم على التلقين.

ولمّا تقدمت الصناعة وأصبحت أكثر آلية بعض الشئ، انخفضت الحاجة لعمالة الأطفال في بعض أنحاء العالم. وبدأت فكرة أن الطفولة يجب أن تكون وقت للتعلم في الانتشار، فتم تطوير المدارس من أجل الأطفال كأماكن للتعلم. وتطورت فكرة ممارسة التعليم الإلزامي الشامل العام بشكل تدريجي، منذ بدايات القرن الـ16 وحتى القرن الـ19. وحظت الفكرة بتأييد الكثيرين، الذين كانت لهم أفكار حول الدروس الواجب على الأطفال تعلمها.

ونبع جزء كبير من دافع التعلم الشامل من البروتستانتية المستجدة، فقد أعلن مارتن لوثر أن الخلاص يعتمد على قراءة كل واحد الخاصة للإنجيل. وعلى ذلك، فلم يغب عن لوثر وجوب تعلم كل شخص للقراءة وأن الإنجيل يمثل الحقائق المطلقة، وأن الخلاص يعتمد على فهم هذه الحقائق. وروّج لوثر وقادة الإصلاح الآخرين التعليم العام كواجبًا مسيحيًا من أجل إنقاذ الأرواح من العذاب الأبدي. وبحلول نهاية القرن الـ17، كانت لدى ألمانيا التي احتلت مرتبة الريادة في تطوير التعليم، قوانين في أغلب مدنها تتطلب ذهاب الأطفال للمدرسة، ولكن الكنيسة اللوثرية هي التي كانت تدير المدارس وليس الدولة.

وفي أمريكا بأواسط القرن الـ17، أصبحت ماساتشوستس أول مستعمرة تفرض التعليم، وكان السبب المعلن عنه بوضوح هو لتحويل الأطفال لتطهريون جيدون. وبدءًا من عام 1690، تعلم الاطفال في ماساتشوستس والمستعمرات المحاذية لها قراءة “نيو إنجلاند بريمير” والذي كان يُعرف بالعامية باسم “الإنجيل الصغير في نيو إنجلند”. وتضمن ذلك الإنجيل مجموعة صغيرة من الأغاني لمساعدة الأطفال على تعلم الأبجدية، فبدأت بـ”في سقوط آدم أذنبنا كينا” وانتهت بـ”زكا تسلق الشجرة من أجل رؤية ربه”. وتضمن الكتاب أيضًا الصلاة الربانية والعقيدة والوصايا العشرة، ودروس متنوعة صممت من أجل زرع الخوف من الله في الأطفال، إلى جانب شعور بالواجب تجاه آباءهم.

ورأى أرباب الأعمال التدريس كوسيلة لإنتاج عمال أفضل، وكانت أكثر الدروس أهمية بالنسبة لهم هي الدقة في المواعيد وتنفيذ الأوامر وتحمل ساعات طويلة من العمل الشاق، وأيضًا قدرة ضئيلة على القراءة والكتابة. ومن وجهة نظرهم – والتي ربما لم يشرحوها – كلما كانت المناهج التي تُدرس بالمدارس مملة كلما كان ذلك أفضل.

 

المقال الأصلي



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك