تربية الأطفال في الدنمارك، أطفال من طراز خاص!

29 مايو , 2017

الهندسة الاجتماعية تبدأ في مراكز الرعاية الصباحية

 الدنمارك تعتبر مكانًا جيدًا جدًا لتنشئة الأطفال، فساعات العمل قصيرة. كما أنه لا بأس إطلاقًا في مغادرة العمل في الساعة الثالثة أو الرابعة عصرًا لاصطحاب أطفالك من المدرسة. علاوة على أن الدنمارك توفر برنامجًا جيدًا للصحة في الطفولة المبكرة. فهناك ممرضة تزور طفلك الرضيع، ولاحقًا يبدأ في زيارتك طبيب لإجراء فحوصات منتظمة. أما إذا أُصيب الطفل بالزكام، فلا بأس في أن تغادري العمل وتلزمي منزلك للعناية به!

وقطعًا هناك نظام الرعاية الصباحية. صحيح أنه ليس مجانيًّا، ولكن أسعاره معقولة. كما أنه سيكون من المحبذ أن تتمكني من ترك طفلك في مكان آمن مع أناس مدربين بينما تذهبين للعمل. في بعض الدول هناك الكثير من الخلاف حول ذهاب الأطفال الصغار لمراكز الرعاية الصباحية، أو الجلوس في المنزل مع والديهما!

ولكن هذا الخلاف ليس واردًا في الدنمارك، فـ 97% من الأطفال يذهبون لتلك المراكز، بما فيهم أطفال العائلة الملكية. فالأمير “كريستيان” ذي العشرة أعوام ــ والذي من المنظور أن يكون ملك الدنمارك المستقبلي ــ ذهب لمركز رعاية. كل الأطفال إذن يذهبون لمراكز الرعاية، ذلك لأن هيكل الضرائب في الدنمارك يقتضي بكل بساطة أن يعمل كلا الوالدين.

مركز الرعاية عبارة عن هندسة اجتماعية

يعد مركز الرعاية نوع من الهندسة الاجتماعية. فهو يعمل على صنع جو من المساواة وروح المجتمع وهو الأمر الذي يقدره الجميع في الدنمارك. فمركز الرعاية يُعتبر الخطوة الأولى لجعل طفلك دنماركيًّا أكثر من أي مكان وفدت منه. فمركز الرعاية يعرض لـ”قانون جانتي”The Jante Law. وهذا القانون يقوم على أساس أنك لست أفضل من أي أحد، كما أنه لا بد أن تشعر “بالخجل” لمجرد محاولتك بأن تكون كذلك! ففي الدنمارك، الطموح يعتبر أمرًا مُحرجًا!

ففي مرة ذهبت إلى المركز لآخذ ابنتي. وكان الوقت حينها ربيعًا ولم تكن قد انتهت بعد من عمل قصر الرمل، فوقفت إلى جانبها أنتظر. ثم لمحت طفلًا صغيرًا كان على وشك أن يبدأ بناء قصره الخاص من الرمال، فما كان مني إلا هتفت مشجعة إياه: هيا! يمكنك فعل ذلك! إنك تحسن هذا العمل! كم أنت ولد رائع! وبينما أنا كذلك أقبلت نحوي إحدى مديرات المركز وهي تهز برأسها علامة النفي، ثم قالت: “أعتقد أن الطفل يعرف أنه يحسن هذا العمل!”

 

لا منافسة في التعليم

قانون جانتي” هو قانون يُطبَّق في جميع نُظم التعليم في الدنمارك. فلا يوجد في الدنمارك تعليم “للنخبة “، كما لا توجد برامج للمتفوقين أو الموهبين. فإذا كان طفلك متفوقًا على أقرانه في مادة معينة، فمسؤوليته في هذه الحالة تكمن في مساعدة أقرانه الأقل منه ليرتقوا بمستواهم!

وبالتالي، فإنه إذا حدث ووفدتِ من مجتمع تنافسي كما هو الحال في الولايات المتحدة، وبريطانيا، والصين والهند، فالصدمة لا ريب ستكون كبيرة بعض الشيء. فلا توجد منافسة في التعليم الدنماركي، والأطفال يعملون معًا في مجموعات. كما أن المدارس التنافسية والتي يتوجب عليك “المحاربة” لإلحاق أطفالك بها غير موجودة. بالإضافة إلى أن اختبارات المستوى لا تبدأ قبل سن الخامسة أو السادسة عشرة. كما يتم إجراء القليل من الامتحانات أثناء الدروس بصورة يومية.

من جهة أخرى، فإن المدارس الدنماركية تَعتبر حياة الطفل الاجتماعية هي الأهم، فعلى سبيل المثال: هل لهذه الطفلة أصدقاء؟ هل تستطيع التعامل مع غيرها من الأطفال في الفصل؟ هل يحب ذاك الطفل الذهاب إلى المدرسة؟ هل هو متأقلم مع جوها؟ باختصار، يؤمن نظام التعليم الدنماركي أنه إذا كان الطفل مرتاحًا اجتماعيًّا في المدرسة، ويرغب بالذهاب إليها، فالتفوق الأكاديمي سيتبع ذلك تلقائيًا.

 

الأطفال لا يقرؤون حتى سن الثامنة أو التاسعة

لا يبدأ تعليم للقراءة للأطفال في المدراس قبل سن الثامنة أو التاسعة. وقد يبدو الأمر محرجًا إذا ما قمت بزيارة أحدهم، فأبناء عم طفلك الذين من نفس عمره يستطيعون قراءة المجلد الثالث لـ”هاري بوتر”، بينما يقرأ طفلك قائمة طعام “ماكدونالدز” بصعوبة. بيد أن الأطفال الدنماركيين سيتمكنون من مواكبة غيرهم من الأطفال في النهاية.

كذلك ضعي في اعتبارك أن نظام التعليم في الدنمارك يُعتبر من أفضل الأنظمة على مستوى العالم. كما أنه مرحب به في بعض شركات التكنولوجيا الحيوية الضخمة، والأبحاث الطبية، وشركات معدات الصوت الراقية، فهو نظام فعال إلى حد كبير.

وبناءً على نظام التعليم ذاك، فإن الأطفال الدنماركيون ينشؤون واثقين بأنفسهم ومؤهلين لتحمل المسؤولية. وهكذا يُتوقع منهم حتى في سن غضة القدرة على حل مشكلاتهم دون إشراك الكبار. ففي الدنمارك، من الطبيعي جدًا أن تجد طفلًا في سن العاشرة يتنقل في الحافلة العامة أو في القطار من وإلى المدرسة وحده!

 

أطفال ذو خبرة

لقد قابلت سيدة من الهند وكان لها أخت هاجرت إلى الدنمارك، وأنجبا أطفالهما في نفس الوقت. وهكذا تربى ولد هذه السيدة في الهند، بينما نشأ ابن خالته في الدنمارك. كبر الطفلان الآن وصارا شابين في العشرينات، وكلاهما جامعيان. بيد أن تلك السيدة رأت أن ابن أختها الذي نشأ في الدنمارك كان أكثر نضجًا وثقة بنفسه، وأقدر على إدارة شؤون حياته من ولدها. ابنها كان جيدًا فيما يتعلق بالموضوعات الأكاديمية، ولكن ابن خالته كان جيدًا في هذا الأمر كذلك، بالإضافة إلى كونه أكثر خبرة.

لذا، إذا قمتِ بتنشأة طفلل في الدنمارك، يجب عليك أن تملكي القدرة للسير مع التيار. بالطبع لا يتوجب عليك أن تتخلي عن ثقافتك بالكامل. ولكن المثير للسخرية هو أنه قد اتضح لي أن الأمر ينتهي بأننا نعلم أطفالنا الثقافة كما نعرفها نحن، وليس ما هي عليه الآن.

فمثلًا، نشاهد في منزلي العديد من الأفلام الأمريكية القديمة التي شاهدتها أنا حين كنت طفلة صغيرة. فأنا أحب “لوسي”، و”برادي بنش”، وهي برامج جيدة، ولكن تكون النتيجة أن تأخذ طفلتي انطباعًا كلاسيكيًّا عن الثقافة واللهجة الأمريكية. فبالأمس مثلًا سمعتها تقول “Groovy” (بمعنى رائع)، ولكنني لا أظن أن أحدًا في الولايات المتحدة استخدم هذه الكلمة منذ السبعينات. فأنا أشعر أنني أربي طفلة في الدنمارك “المعاصرة”، وفي نفس الوقت، هي تنشأ في عصر الولايات المتحدة “التي كانت” منذ أربعين عامًا!

المقال الأصلي

RAISING KIDS IN DENMARK: SOCIAL ENGINEERING BEGINS IN DAY CARE

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك