تطور آمال التلاميذ ومخاوفهم تجاه المستقبل الدراسي

22 نوفمبر , 2015

 

يضع علم النفس آمال الأطفال ومخاوفهم في إطار ما يسمى “الأنا المرغوبة” و”الأنا غير المرغوبة”، والذي يشير إلى مفهوم عام آخر وهو “الأنا الممكنة”، هناك مجموعة كبيرة من “الأنا الممكنة”، وهي تعبّر عن أوصاف الأشخاص وتصوّراتهم عن ذواتهم في المستقبل.

السياق النّظري في علم النفس

يعود ظهور هذا المفهوم إلى المتخصصتين في علم النفس Hazel Markus  و Paula Nurius في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1986 ويشير إلى التصورات التي من الممكن تكوينها عن الأنا/الذات في المستقبل، أي إنها مجموعة من المعارف التي تسمح للشخص بتخيلّ مستقبله، وقد تظهر على شكل أهداف، آمال، مخاوف أو انتظارات ورغبات تخصّ المستقبل. يمكن للأنا الممكنة أن تتضمن عناصر مصدرها التجربة الحالية أو الماضية والتي يرغب الشخص في الحفاظ عليها في المستقبل، ولكنها تبقى مستقلة بشكل واضح عن الأنا الحالية التي يعيشها في الزمن الحاضر، وبالتالي يمكن القول بأن “الأنا الممكنة” هي عبارة عن جسر يربط بين الأنا الحاضرة، الماضية والمستقبلية، كما أنها لا تنحصر في كونها نوايا فقط، بل تلعب دور “الأهداف”، المشاريع والخطط التي يرغب الشخص في تحقيقها أو الابتعاد عنها.

في الواقع، حين يقول مراهق بأنه يرغب في “أن يكون لديه أصدقاء” أو يرغب في “قضاء الكثير من الوقت مع والدته”، فإنه يقوم بتحديد هدف شخصي يمكن أن يسير نحوه.

أشارت Erikson  سنة 2007 إلى الصعوبة التي يواجهها الباحثون في تحديد مفهوم “الأنا الممكنة”، والذي غالباً ما يكون إما شرحاً فضفاضاً جدّاً، أو محدوداً للغاية.

التعريف الفضفاض ينصّ على أن الأنا الممكنة هي “تصوّر عن الذات في المستقبل”، في حين ينصّ التعريف المحدود على أنها “الإحساس بالمستقبل” أو “الانتظارات حول ما سيحدث”، لذلك تقترح Erikson أن يتم تعريفها على أنها “تصوّر حول الذات في المستقبل، يتضمن درجة من التجربة كَفاعل في الوضعية المستقبلية”.

يتحدث Markus و Nurius عن أبعاد مختلفة في مجموعة “الأنا الممكنة”، ومنها : الأنا المتعلقة بالواجب، الأنا المثالية، الأنا المرغوبة، الأنا المُنتظرة، والأنا غير المرغوبة، هذه المفاهيم مُتقاربة نوعاً ما، ومنذ سنة 2000 تهتم الدراسات بالأنا المرغوبة والأنا غير المرغوبة.

تمثّل الأنا المرغوبة ما يُراد تحقيقه، أي الآمال التي نملكها عن أنفسنا ونريدها للمستقبل، مثل النجاح، الإبداع، الثراء، وهي الرغبات الشخصية، سواء كانت واقعية أم لا، وفي معظم الحالات هي العناصر الإيجابية حول المستقبل، أما الأنا غير المرغوبة، فهي عكس ذلك، تجمع التصورات التي لا يرغب الشخص بأن يعيشها في المستقبل، وبالتالي هي عناصر سلبية.

معظم الأبحاث حول “الأنا الممكنة” اهتمت بدراسة المراهقين والشباب في أعمار مبكرة، وتعتبر الدراسة التي قام بها Cross  و Markus سنة 1991  حول 173 شخص تتراوح أعمارهم ما بين 18 و 26 سنة مرجعاً في هذا المجال لأنها أثبتت أن بعض المواضيع تظهر في فترات عمرية معينة وتختفي فيما بعد، كالوظيفة والتعليم، في حين أن مواضيع كالعائلة تظلّ ثابثة مهما كان العمر.

عموماً، كلما زاد العمر، ينقص عدد “الأنا المرغوبة” و “الأنا غير المرغوبة” بطريقة مُلفتة.

يفسّر الكُتاب والباحثون هذه الظاهرة على أنها إشارة إلى التكيف النّفسي الصعب الذي يدفع بالشخص إلى التركيز على “أنا” واحدة، والتخلي عن الأشكال الأخرى من الأنا الممكنة، كما أن الدراسة أثبتت أن عدد “الأنا المرغوبة” دائماً أكبر من عدد “الأنا غير المرغوبة”، يمكن تفسير هذا بكون المستقبل غالباً ما يتم تصوره بطريقة إيجابية، وليس بطريقة سلبية.

في الواقع، تشكّل “الأنا الممكنة” وخصوصاً “الأنا الدراسية الممكنة” مصدر اهتمام كبير في الإطار الأكاديمي لأنها من الممكن أن تشكّل مُتغيراً نفسياً يلعب دوراً كبيراً في عملية التّعلم. وهذا الدور الذي تلعبه يجعلها تتصدر عملية التعلم، بحيث أنها ما قد يدفع ويحفز التلميذ على التعلم أو لا يحفزه.

هناك العديد من الدراسات التي أثبتت في هذا المجال أن هناك روابط وعلاقات بين الرّغبات الشخصية على المستوى الدراسي “الأنا الدراسية المرغوبة” والنتائج الدراسية الفعلية للشخص، وقدرته على التعلم.

ومن هنا يستنتج الباحثون أن “الأنا الممكنة” تساعد على تطوير المؤهلات الدراسية حين تكون دقيقة وإيجابية، وأنا تلعب دور المحفّز.

كما أشار Thiébaut سنة 1998 إلى أنه كلما كان مستوى احترام الذات وتقييمها لدى التلميذ مرتفعاً، كلما زادت قدرته على توقع مستقبله الدراسي بطريقة متفائلة، كما تصبح الانجازات الدراسية والأكاديمية جيدة.

دراسة تطبيقية        

قامت دراسة فرنسية بتتبع 124 تلميذاً طيلة 3 سنوات دراسية، 48% منهم إناث، و 52% ذكور، العمر المتوسط بين 8 سنوات ونصف وعشر سنوات ونصف، طريقة إتمام الدراسة كانت عبر طرح أسئلة على التلاميذ، وتكوين قاعدة بيانات تجمع أجوبتهم في كل مرة. الأسئلة كانت تتعلق بالآمال والمخاوف التي يشعرون بها تجاه المستقبل، مثلاً: ماذا تريد أن تصبح بعد عام من الآن؟ بعد عامين؟ بعد ثلاثة أعوام؟ كيف ستقوم بفعل هذا لكي تحقق ما تريده؟

أثبتت نتائج هذه الدراسة أنه كلما كان العمر مبكراً كلما زاد تعلق الآمال والمخاوف بالدراسة، وكلما كان لها تأثير كبير على المستقبل الفعلي للتلميذ، هذا معناه أن الآمال تنخفض مع التقدم في العمر، في حين ترتفع المخاوف.

خلاصة

أكد الخبراء في هذا المجال التربوي والنفسي أنه من الضروري الاعتماد على مفهوم “الأنا الممكنة” والتعمق فيها لأجل فهم رغبات ومخاوف التلاميذ في سنة مبكرة، وبالتالي محاولة توجيهها في اتجاه يؤدي للنجاح الدراسي، قبل أن يتقدم في العمر وتتغلب عليه المخاوف التي تؤدي به للفشل.


المصدر

ص.126-132



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

Seba aburiya منذ سنتين

موضوع رائع

أضف تعليقك