جنون ٦ علماء تحول لحقيقة بعد سنوات!

7 يونيو , 2016


gross-clinic“تَمر الحقائق بثلاث مراحل، السخرية، المُعارضة بقوة، ثم التسليم ببديهية الحقيقة” – آرثر شوبنهاور
دائمًا ما يملك العالِم قدرًا كبيرًا من الشك، وأحيانًا بعض الجنون والارتياب، الذين يتم قبولهم علميًا، ولكن هناك بعض العلماء وُصفوا بالجنون التام نظرًا لاقتراحاتهم ونتائجهم العلمية، وتم اكتشاف صحتها في نهاية المطاف، بل وتُوج مجهودهم بجوائز عالمية كجائزة نوبل اعترافًا بأهمية هذه النتائج العلمية في حياتنا.
نستعرض سويًا في هذا المقال المُترجم، ٦ نماذج لعلماء وباحثين، غيّروا عالمنا للأفضل باكتشفاتهم ونتائجهم العلمية التي وُصفت بالجنون عند تقديمها للعالم.


ويليام هارفي – William Harvey

william-harvey

كان أول من وصف الدورة الدموية في القلب والدماغ والشرايين والجسم بشكل كامل في القرن السابع عشر الميلادي، وافترض لأول مرة أن الدم يمر في القلب وليس الكبد كما كان يُعتقد سابقًا.
استغرق قبول تلك الفرضية وقت كبير في المجتمع العلمي في ذلك الوقت، ومع ذلك نشر الطبيب الإنجليزي “ويليام” فرضيته في كتاب “حركة القلب والدم” في معرض فرانكفورت للكتاب سنة 1628.
تعرض “ويليام”  للهجوم من المجتمع العلمي الذي كان تحت تأثير فرضيات “جاليوس” أحد أطباء وفلاسفة القرن الثاني الميلادي، والذي أعتقد بأن الكبد يُكون الدماء من المواد الغذائية ويرسلها عن طريق الجانب الأيسر من القلب والرئتين، وبرُغم عدم صحة هذا الأمر، إلا أن العلماء ظلوا لأكثر من 1500 عام مؤمنين بصحته، وحاربوا فرضيات “ويليام” مما أدى لانعزاله في سنواته الأخيرة، مُفضلًا  الابتعاد عنهم، وذُكر عنه قوله: “من الأفضل في الكثير من الأحيان أن تنّمي حكمتك في منزلك بشكل خاص، بدلًا من نشرها مع المجتمع الذي سيسلب منك السلام والهدوء لباقي حياتك.”


جريجور مندل – Gregor Mendel

gregor-mendel

لا يبدو الاسم غريبًا، هل تتذكره من الصفوف الدراسية في المرحلة الثانوية؟
ربما عرفته بكونه مندل هو الأب الروحي لعلم الوراثة الحديث، ولكن ماذا تعرف عنه أيضًا؟
اهتم جريجور مندل أو الراهب أغسطينوس المورافي في  أوقات فراغه بتهجين نبات البازلاء، ولم تلق تجاربه اهتمام وتقدير كبير في ذلك الوقت، على الرغم من ذلك ساعدته تلك التجارب على تقديم وصف الجين السائد والجين المتنحي، وكان الاعتقاد السائد قبل ذلك الوصف، أن الجينات تنتقل بين الأجيال من خلال المزج بينها.
(كنوع من التوضيح، إذا كان لون عين والدك أزرق، ولون أعين والدتك خضراء، ولون عينيك أنت أزرق، بالنسبة لمندل اكتساب عينيك لهذا اللون نتيجة لتفوق جين والدك على جين والدتك، أي أن اللون الأزرق أصبح جين سائد، واللون الأخضر جين متنحي.
أما بالنسبة للعلماء قبل اكتشاف مندل، فاكتساب عينيك للون الأزرق ناتج من مزج الجينين سويًا، أي الأزرق + الأخضر = الأزرق)
توفى مندل في سنة 1884، ولكن الاعتراف الحقيقي باكتشافه تلى وفاته بسنين عديدة في بداية القرن العشرين، وتم تعريف أفكاره باسم (علم الوراثة الحديثة).

أجناتس سيملفيس – Ignaz Semmelweis

semmelweis

لم تكن قواعد النظافة العامة مثل غسيل اليدين واستخدام المطهرات المضادة للبكتيريا، وغيرها من القواعد التي أصبحت بروتوكول في المستشفيات، أمرًا شائعًا مثل الآن. فلم يدرك الأطباء قبل القرن الـ 19 أن البكتيريا تنتشر من خلال عدم وجود نظام صحي أو تطهير وكان يُعتقد بأن الأمراض تنتج بسبب الهواء الفاسد، وغالبًا ما كان يتعامل طلاب الطب مع الأطفال حديثي الولادة بعد الكشف والتعامل مع الجثث الملوثة دون غسل أيديهم.
عمل أجناتس في ذلك الوقت كطبيب في مستشفى فيينا، تحديدًا في فترة أربعينيات القرن التاسع عشر، وشملت مهامة التدريس، والتفتيش، وحفظ السجلات، وكان لمستشفى فيينا سمعة سيئة بشكل خاص لمعدل الوفيات المرتفع للأمهات بسبب حمى النفاس، والذي وصل لـ 10% من الأمهات، في مقابل معدل 4% فقط في أحد المستشفيات القريبة، مما دفع أجناتس للبحث لتحديد أسباب الفارق بين هذه المعدلات وانتشار الحمى بين السيدات، فلاحظ أن الأطباء في مستشفى فيينا لا يقومون بغسل أيديهم بعد فحص الجثث ويتعاملون مباشرة مع الأطفال حديثي الولادة، وبالرغم من عدم معرفته عن الجراثيمن إلا أنه افترض أن قلة النظافة هي أحد أسباب الوفيات، وعندما استخدم الأطباء والممرضات محلول الكلور الجيري في غسل أيديهم، انخفضت نسبة الوفيات إلى 1-2%.

صورة لمستشفى فيينا العام سنة 1784

صورة لمستشفى فيينا العام سنة 1784


بدا واضحًا أن غسل اليدين من الأمور البديهية اللازمة لكل طبيب وممرضة لتجنب الوفيات غير الضرورية الناتجة عن التلوث، ولكن هذا الشأن لم يرضي الأطباء في باقي الدول الأوروبية، حيث شعر العديد من الأطباء بالإهانة من أفكار أجناتس وإظهارهم كقذرين، ومنعهم غرورهم من الاعتراف بصحة الأفكار، ونظرًا لعدم تقديم أجناتس أي تقارير رسمية تفيد بأن تطهير اليدين سبب لإنقاذ الأرواح من التلوث، رفض العالم الطبي أفكاره تمامًا واعتبرها مصدر للإحراج.
أدى ذلك الرفض الشديد لإدمان أجناتس الكحول واكتئابه وانعزاله، وكتب عدة رسائل تهاجم بعنف الأطباء الذين قاموا برفض أفكاره ووصفهم بـ “القتلة غير المسؤلين” و “الجهلة”، وفي نهاية حياته تم وضعه في مستشفى للأمراض العقلية، وبعد تلك النهاية المآساوية بعقود أُثبتت صحة أفكار أجناتس مع ظهور نظرية الجراثيم على يد “لويس باستر” و “جوزيف ليستر”.

 

 

ويليام ب. كولي – William B. Coley

william-coley

في أواخر القرن التاسع عشر، اقتصر علاج السرطان على إزالة الأنسجة والخلايا السرطانية بالجراحة، فلم يتم اكتشاف العلاج الكيميائي أوالإشعاعي أو العقارات الدوائية، حتى مجيء “ويليام كولي” الباحث في مجال السرطان وجراح العظام في مستشفى نيويورك للسرطان، والذي عثر على اكتشاف غريب من شأنه تمهيد الطريق لعلاج مناعي حديث، يعمل على إثارة الجهاز المناعي لمهاجمة الخلايا السرطانية، بعد ملاحظته لأحد المرضى الذي تماثل للشفاء من السرطان بعد اصابته بالبكتيريا العنقودية المقيحة المسببة لالتهاب الحلق، وأدى هذا الحدث لمحاولة كولي وضع نظرية حول عدوى ما بعد الجراحة التي ساعدت في الشفاء بعد أن أثارت الجهاز المناعي ضدها.  
في نهاية القرن التاسع عشر قام بتجربة ما يسمى بـ (سموم كولي) عن طريق حقن مرضى السرطان بمزيج من البكتيريا الميتة، وتحديدًا العنقودية لتحفيز أجهزتهم المناعية، واحتفظ بسلسلة من التقارير بشأن هذه الحالات، ولكنها لم تلق القبول من أقرانه، واعتبروها خطيرة ومجنونة!
توفى كولي في سنة 1936 من دون معرفة أن اكتشافه وتجاربه  بعد ذلك ستؤدي إلى ولادة علم جديد باسم “المناعة الحديثة”.

فرانسيس بيتون روس – Francis Peyton Rous

francis-peyton-rous

عمل بيتون روس كطبيب شرعي، واكتشف أن الفيروسات قد تلعب دورًا في تطوير أنواع معينة من السرطان، وفي عام 1911 أثناء عمل “روس” في جامعة روكفلر في مدينة نيويورك، لاحظ أن السرطان المنتشر بين الدجاج يمكن أن ينتقل للدجاج السليم عن طريق حقن خلايا الدجاج المريض في الدجاج السليم.
لم ينل اكتشاف “روس” مكانته المستحقة إلا بعد مرور أكثر من 50 عامًا في سنة 1966 عندما مُنح جائزة نوبل في الطب.
ولعبت أبحاثه الأولية بشأن انتقال الأورام السرطانية دورًا هامًا في دراسة السرطان من خلال الفيروسات، حيث ذُكر أن نحو 20% من السرطانات البشرية تنتقل من خلال الفيروسات، كما أوضحت لنا كيف يُمكن أن تتحول الخلايا السليمة إلى خلايا سرطانية مرة أخرى.

باري مارشال – Barry Marshall

barry-marshall-and-robin-warren

قد لا يُحسب باري عالمًا مجنونًا بين أقرانه كالأمثلة التي سبق ذكرها، ولكنه أقدم على أفعال جنونية لإثبات فكرته، فعمل على اكتشاف كيفية غزو جرثومة المَعدة أو “بكتيريا الملوية البوابية – Helicobacter pylori bacteria” للأمعاء، ووجد أنها تسبب كلًا من قرحة وسرطان المعدة.
كيف فعل هذا؟ حسنًا، الأمر غريب بعض الشيء! علينا العودة لثمانينيات القرن الماضي، عندما كان الاعتقاد السائد عند الأطباء بأن قرحة المعددة تنتج بسبب الإجهاد والضغط. لم يرضى مارشال بهذا الاعتقاد واقترح استخدام المضادات الحيوية لعلاج قرحة المعدة، فرفض زملائه هذا الاقتراح، واقتصرت تجاربه في هذا الشأن على القرود فقط، حيث مُنعت من التطبيق على البشر، فما كان من مارشال إلا أن قام بالخطوة الأكثر خطورة أو ربما غباءًا عندما مزج جرثومة المعدة بالمرق وقام بشربها، فأصيب بقرحة المعدة وبهذا أثبت لزملاءه أن السبب في الإصابة هو البكتيريا وليس الضغط والإجهاد.
وأشار لهذا الأمر في أحد المقابلات التي تمت معه في مجلة ديسكوفر، فأوضح أن قرحة المعدة قبل القرن العشرين لم تكن بالمرض ذو الأهمية عند الأطباء، فسبب حدوثه هو الإجهاد، وقصته تُعتبر مثال لعدم ارجاع أسباب الأمراض لمجرد الإجهاد أو التعب، ويجب على كل عالم أن يذهب لأقصى حد لإثبات فكرته ومقاومة التسليم بالأفكار الراسخة في الأذهان.



المصادر
Mad Scientist: 6 Scientists Who Were Dismissed As Crazy, Only To Be Proven Right Years Later



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

عبدالرزاق الزبيري منذ سنة واحدة

معلومات ثرية تستحق القراءة والاطلاع والتأمل

أضف تعليقك