دراسة: كيف يؤثر عالم الإعلان المتغير على الأطفال؟

9 أبريل , 2019

المقال الأصلي: Children and the Changing World of Advertising

نبذة مختصرة

أدت المخاوف بشأن قدرة الأطفال على فهم الرسائل الإعلانية وتقويمها بشكل كامل إلى تحفيز البحث الجاد والنقاش الحاد بين العلماء وقادة الأعمال ودعاة الاستهلاك وصانعي السياسات العامة لأكثر من ثلاثة عقود. وقد طُرحت خلال ذلك الوقت بعض الأسئلة شديدة الجوهرية حول نزاهة التسويق للأطفال، ومع ذلك لا يحظى العديد من تلك الأسئلة بإجابات حتى اليوم. مع تزايد ظهور وسائل الإعلام الإعلانية والعروض الترويجية والنداءات الإبداعية في السنوات الأخيرة، تطورت قضايا جديدة أيضًا. تقدم هذه الورقة أساسًا لمزيد من التدقيق في بعض الأسئلة الرئيسة في هذا المجال، وتقترح طرقًا يمكن من خلالها توظيف الأبحاث المعنية بالإعلان للأطفال لإلقاء الضوء عليها.

مقدمة

بات الإعلان دائم الحضور في حياة معظم الأطفال الأمريكيين. إذ تشير التقديرات إلى أن الأطفال يقضون حوالي 4 ساعات يوميًّا في مشاهدة التلفزيون ويتعرضون لما يصل إلى 25000 إعلان تجاري في العام الواحد (Federal Communications Commission, 2003; Kunkel, 2001).

وقد زادت وسائل الإعلام الناشئة، مثل الإنترنت، من نطاق إعلاناتها، لتوفر فرصًا جديدة لاستهداف هذا الجمهور الشاب. إذ ان حوالي 88٪ من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و 14 عامًا يستخدمون أجهزة الكمبيوتر، و53٪ منهم لديهم إمكانية الوصول إلى الإنترنت (U.S. Department of Education, 2003).

وقد حفز القلق بشأن قدرة الأطفال على فهم وتقييم رسائل البيع تلك على إجراء بحث جاد ونقاش حاد منذ أوائل السبعينيات. يتجسد هذا النقاش في الجدل القائل بأن الإعلان للأطفال هو أمر غير عادل بطبيعته. يؤكد النقاد أنه غير عادل لافتقار الأطفال إلى المهارات المعرفية والخبرات الحياتية اللازمة لمقاومة تلك الادعاءات المُقنِعة. من ناحية أخرى جادل المؤيدون بأنه غالبًا ما تكون هناك مبالغة بشأن نقاط الضعف لدى الأطفال وأنه من خلال تقديم المعلومات عن المنتجات تساعد الإعلانات كلًّا من الآباء والأمهات والأطفال على اتخاذ خيارات أكثر استنارة.

اتسع نطاق هذه المناقشة في السنوات الأخيرة مع ظهور أماكن إعلانية أكثر تعقيدًا؛ إذ يتعرض الأطفال الآن للإعلان في وسائط متعددة لكل منها نقاط قوة خاصة كأداة للإقناع. ونتيجة لذلك فهم يواجهون تحديات جديدة من حيث قدرتهم على تفسير وتقويم الرسائل التجارية، ونظرًا لقلة الأدلة التجريبية المباشرة؛ فإن استجابة الأطفال لهذه البيئة الإعلامية المتغيرة لا يعد أمرًا واضحًا.

تقدم هذه الورقة أرضية لمزيد من الدراسة لبعض القضايا الرئيسة التي تظهر في هذا المجال، وتقترح طرقًا يمكن من خلالها توظيف الأبحاث المعنية بالإعلان للأطفال لإلقاء الضوء عليها. إذ أنه من خلال فهم أعمق للقدرات التنموية للأطفال، يمكننا البدء في معالجة الأسئلة الأخلاقية الأوسع نطاقًا حول ما إذا كانت تصرفات المسوقين عادلة أم لا.

ولكن قبل الالتفات إلى هذه المشكلات، من المفيد أن نستعرض بإيجاز النطاق الحالي للإعلانات التي تستهدف هذا الجمهور الشاب.

الأطفال باعتبارهم غنيمة للسوق

لطالما أدرك المسوقون الإمكانات الاقتصادية لسوق الأطفال؛ إذ تشير التقديرات الأخيرة إلى أن الأطفال يُصرف عليهم حوالي 24 مليار دولار من الإنفاق المباشر كل عام، إلى جانب كونهم عاملًا في صرف 500 مليار دولار إضافية في المشتريات العائلية (McNeal, 1998).

كما يُنظر إلى الأطفال أيضًا باعتبارهم سوقًا مستقبليًّا، وبالتالي فهم غالبًا ما يُستهدفون من قبل الحملات الترويجية التي تعمل على ترسيخ العلامات التجارية عند الأشخاص في عمر مبكر (e.g., Moore et al., 2002).

في عام 2002، أُنفق حوالي 15 مليار دولار أمريكي في الولايات المتحدة على الاتصالات التسويقية التي تستهدف الأطفال بشكل مباشر (Center for Science in the Public Interest, 2003). ويشمل ذلك الإعلانات التلفزيونية والإعلانات المطبوعة ومواضع المنتجات والترويج للمبيعات وتصميم التعبئة والعلاقات العامة والتسويق داخل المدارس.

لا شك في أن التلفزيون لا يزال الوسيلة الأكثر فعالية للوصول إلى الأطفال. إذ يشاهد الأطفال في الولايات المتحدة ما يقرب من 5 ساعات من الإعلانات التلفزيونية كل أسبوع في المتوسط.

كما تشير دراسة حديثة أُجريت على مجموعة من الـمراهقين (تتراوح أعمارهم ما بين 9 إلى 14 عامًا) في سبعة بلدان إلى أن هؤلاء الشباب يرون إلى التلفزيون باعتباره المصدر الوحيد والأكثر أهمية للمعلومات عن المنتجات (Lindstrom and Seybold, 2003).

وتمثل إعلانات الألعاب وحبوب الإفطار والحلوى والوجبات الخفيفة أكثر من 75٪ من جميع الإعلانات التجارية التي تُعرض خلال برامج صباح يوم السبت (Macklin, 2003)، من خلال قنوات مثل Nickelodeon وCartoon Network.

إلى جانب ذلك، يتعرض الأطفال لمجموعة أكبر بكثير من المنتجات عبر الإعلانات التلفزيونية؛ لأنهم يميلون أيضًا إلى أن يكونوا مشاهدين منتظمين خلال ساعات وقت الذروة.

في دراسة المراهقين المشار إليها أعلاه، سُئل المشاركون عن السيارات والأزياء والهواتف المحمولة: كان الأطفال على دراية تامة بمختلف العلامات التجارية في فئات المنتجات تلك كما أبدوا آراءهم عنها.

ومن جانبها تشير دراسات استخدام وسائل الإعلام إلى أن وسائل الإعلام الجديدة مثل الإنترنت لا تحل محل المشاهدة التلفزيونية بل تأتي مكملة لها (Montgomery, 2001). تظهر إعلانات العلامات التجارية الفردية الآن في كثير من الأحيان في وسائط متعددة؛ إذ تحاول كل من تلك العلامات التجارية الاستفادة من المزايا الخاصة بقناة الاتصالات تلك.

تأثير الإعلان على الأطفال

ينطوي النقاش حول الأطفال على نقاط ضعف الأطفال الخاصة بهم. وتتراوح المخاوف بشأن الأطفال الصغار ما بين القلق من عدم قدرتهم على مقاومة جهود البيع المحددة إلى الخوف من أنهم قد يتعلمون قيمًا اجتماعية غير مرغوبة كالمادية نظرًا لافتقادهم لمهارات التفكير النقدي المتطورة (Macklin, 2003). أصدر مركز علوم المصلحة العامة (CSPI) مؤخرًا تقريرًا تفصيليًا يشير إلى أن المشاكل الصحية المتنامية مثل السمنة في مرحلة الطفولة والوجبات الغذائية السيئة يمكن ربطها بالإعلان عن الأطعمة الغنية بالدهون والسكر الموجهة إلى هذا الجمهور صغير السن (Center for Science in the Public Interest, 2003). وقد دفعت هذه الأنواع من المخاوف التي لطالما وُجدت إلى إجراء أبحاث جادة في السبعينيات وأوائل الثمانينيات، وقد ركز الكثير منها على تأثير الإعلانات التلفزيونية. فيما خُصِّص اهتمام أقل بكثير للبحث في هذا الموضوع في السنوات الأخيرة رغم نمو طرق التواصل التسويقية التي تستهدف الأطفال الآن.

بالاعتماد على معالجة المعلومات ونظريات المراحل التنموية، درس الباحثون ما يستوعبه الأطفال من الرسائل التجارية وتحت أي ظروف يقتنعون بمحتواها وكيف تتغير استجاباتهم عند نضجهم (see Roedder, 1999 for a review). من بين أهم المبادئ الأساسية التي انبنى عليها هذا البحث هو أن الأطفال الأصغر سنًّا يختلف فهمهم العام لغرض الإعلان مقارنةً بالأطفال الأكبر سنًّا، كما يختلفون بعضهم عن بعض في كيفية نشر هذه المعرفة عند الاستجابة لإعلانات معينة؛ إذ يجب أن يحصل الأطفال على اثنين من مهارات معالجة المعلومات الرئيسة على الأقل لتقييم الإعلانات. أولًا، يجب أن يكونوا قادرين على التمييز بين المحتوى التجاري وغير التجاري. ثانيًا، يجب أن يكونوا قادرين على معرفة حقيقة أن الإعلان ينتوي إقناعهم، وعليهم أن يستخدموا هذه المعرفة لتفسير تلك الرسائل التي تستهدف البيع.

بحلول سن الخامسة تقريبًا يمكن لمعظم الأطفال التمييز بين الأعمال التجارية والبرامج التلفزيونية (e.g., Blatt et al., 1972). إذ يعبر الأطفال الصغار عن ذلك من خلال توضيح أن الإعلانات التجارية أقصر أو أكثر تسلية من البرامج. ومع ذلك فإن هذا التفريق الإدراكي لا يعني بالضرورة أن الأطفال قادرون على تحصيل فهم تصوُّري بأن المحتوى الإعلاني مستقل عن وسائل الترفيه المحيطة به (Kunkel, 1988). وهكذا ينظر الباحثون وصانعو السياسات إلى قدرة الطفل على إدراك نية الإعلان المُقنعة باعتبارها أحد المعالم المهمة. في عمر الثامنة تقريبًا يكون لدى معظم الأطفال فهم مبدئي على الأقل لحقيقة استهداف الإعلان لبيع المنتجات (e.g., Macklin, 1987; Roberts, 1982). على نحو تقليدي، فقد افتُرِض أنه بمجرد أن يفهم الأطفال الغرض الإقناعي للإعلان؛ فسيصبحون أكثر تشككًا به ومن ثم سيصبحون قادرين على مقاومة جاذبيته (Federal Trade Commission, 1978; Rossiter and Robertson, 1974). وهكذا يتمتع الإعلان بالقدرة على تشكيل تفكير الأطفال إلى أن يكتسبوا الدفاعات المعرفية والسلوكية.

لطالما كان الأطفال الأصغر سنًّا بصفة عامة عرضة بشكل خاص للخطر، إذ أن احتمالية فهمهم للنية الأساسية للإعلان أقل، فهم يميلون إلى تصديق ادعاءات الرسائل، كما أن لديهم مواقف أكثر إيجابية حول الإعلان. من ناحية أخرى يعترف الأطفال الأكبر سنًّا (ممن تتراوح أعمارهم بين 10-12 سنة) بأن الإعلان لا يعبر دائمًا عن الحقيقة، فهم أكثر ميلًا للتعبير عن وجهات النظر المتشائمة بخصوص الإعلانات (e.g., Boush et al., 1994; Robertson and Rossiter, 1974). ومع ذلك قد لا يكون الفهم العام والموقف المتشكك كافيين.

أما الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و12 سنة لا يميلون إلى استحضار معرفتهم بمحاولات التأثير المقنعة عند مشاهدة إعلان تجاري في التلفزيون، ما لم يتم تذكيرهم بذلك صراحة (Brucks et al., 1988)، وبالتالي، فإن وجود الدفاعات المعرفية والسلوكية لا يعني بالضرورة استخدامها، وهو ما ثبت كونه فارقًا حاسمًا.

ذمة السوق

لطالما اتُخذت إجراءات للتنظيم الذاتي وإجراءات حكومية على مر السنين في محاولة لخلق حماية خاصة لهذا الجمهور الضعيف. ومع ذلك فإن القيود الحكومية التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية على الإعلان للأطفال تعد أقل مقارنةً بمعظم الدول الغربية الأخرى.

تحدد لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC) عدد دقائق الإعلانات التجارية المسموح بها خلال البرامج التلفزيونية للأطفال. كما تحظر أيضًا الإعلانات التجارية طويلة المدة والبيع من خلال محاورة المشاهير وتأكيدهم على منتجات معينة للإعلان عنها وهو الأمر الذي يجعل من الصعب على الأطفال التمييز بين المحتوى البرنامجي والتجاري (Federal Communications Commission, 2003).

وتضيف هيئات البث فواصل بين البرامج التلفزيونية والإعلانات التجارية بحيث يستطيع صغار الأطفال التمييز بينهم. في مساحة إجراءات التنظيم الذاتي، تؤدي وحدة مراجعة إعلانات الأطفال (CARU) دورًا رئيسًا في الترويج لشكل مسؤول من الإعلان يستهدف الأطفال دون سن 12 عامًا.

تنشر CARU إرشادات تنظيم ذاتي مفصّلة للمعلنين، وتقوم بمراقبة وتقييم شاملين للإعلانات الموجهة للأطفال والتي تظهر في جميع وسائل الإعلام (Children’s Advertising Review Unit, 2003). عند العثور على إعلان مضلِّل أو غير دقيق، تسعى CARU إلى التعاون التطوعي مع المُعلِن لحل المشكلة. تؤدي CARU دورًا محترمًا للغاية في نظام التسويق. ورغم القيمة الكبيرة لهذه الآلية ذاتية التنظيم في حل الحالات الفردية فهي لا تعالج المسألة الأكثر جوهرية حول ما إذا كان الإعلان للأطفال أمرًا منصفًا على أي حال (Kunkel, 2001).

قبل أكثر من 20 عامًا اقترحت لجنة التجارة الفيدرالية (FTC) قاعدة تنظيمية تجارية كانت تمنع بشدة أو تحظر جميع الإعلانات التلفزيونية للأطفال (FTC, 1978). إذ جادلت اللجنة بأن الإعلان للأطفال الصغار الذين لا يفهمون نية البيع هو أمر بطبيعته غير عادل ومخادع، كما ينص القسم الخامس من قانون (FTC). كانت المعارضة السياسية لهذه القاعدة سريعة وقوية، وفي عام 1980 منع الكونغرس أي إجراء آخر نحو تبني هذه القاعدة المقترحة. وبعد تنفيذ طلب الكونغرس، تضاءل إلى حد كبير البحث العلمي والاهتمام بتأثيرات إعلانات الأطفال. وهو ما عكس تناقضًا ملحوظًا مع الجهد البحثي المكثف الذي كان مكرسًا لهذا الموضوع في السبعينيات.

تتمثل إحدى النتائج الرئيسة لهذه الأحداث في أن القضايا الأساسية التي أُثيرت حول قدرة الأطفال على الفهم والدفاع عن أنفسهم ضد الإعلانات لم تُحل بالكامل. وهو الأمر الذي لا يعد مقتصرًا على نقاش إعلانات الأطفال، إذ أن هناك أسئلة مهمة أخرى تتعلق بحماية المستهلك قد تم تجاهلها (وتركت دون حل) بمجرد أن حوَّل الباحثون اهتمامهم إلى حدود جديدة (Andreasen, 1997).

الخلط بين الإعلان والترفيه

مع تنوع المشاهد الإعلامية التي يواجهها الأطفال، أصبحت الخطوط الفاصلة بين الإعلان والترفيه غير واضحة على نحوٍ آخذ في التزايد. ينطبق هذا على وسائل الإعلام جميعها؛ فعلى سبيل المثال أصبحت الإعلانات التلفزيونية تركز بشكل متزايد على الترفيه وتكوين الصور، وغالبًا ما تكون مرتبطة ببعض الألعاب الجذابة على مواقع الإنترنت وبعض الأنشطة من خلال شخصيات تلك العلامة التجارية.

في أغلب الأحيان تشتمل مجلات الأطفال على ألغاز أو ألعاب أو كوميكس أو مقالات افتتاحية يرعاها المعلنون. كما أن الروابط الترويجية أو الترويج للمنتجات من خلال الأفلام يزيد من صعوبة التمييز بين الإعلان والترفيه المصمَّم للأطفال. إذ أن كلًّا من الألعاب والملابس والأطعمة تقدم تعزيزات ملموسة في هذا الأمر.

وبصورة أعم فإن مواقع الويب التي تحظى برعاية تجارية وتحتوي على الألعاب والمسابقات والعروض الترويجية المصممة للأطفال تملأ جنبات الإنترنت. وتشير التقديرات إلى أن 98٪ من مواقع الأطفال تسمح الآن بالإعلانات، وأن أكثر من ثلثي مواقع الويب المصممة للأطفال تعتمد على الإعلانات بصفتها مصدرًا رئيسًا للإيرادات (Neuborne, 2001).

يعد الأطفال مستهلكون جاهزون لهذه الاتصالات التسويقية: حوالي 64٪ من الأطفال (ما بين سن 5 إلى 14 عامًا) ممن يقومون بالوصول إلى الإنترنت يقومون بذلك لتشغيل الألعاب (U.S. Department of Education, 2003).

ينتشر الآن استخدام “advergames الألعاب الإعلانية في مواقع الويب المصمَّمة للأطفال وكذلك المواقع الأخرى التي يزورها الأطفال. تدمج هذه الألعاب التفاعلية التي يرعاها المعلنين رسائل العلامة التجارية في مغامرات ملونة وممتعة وسريعة الخطى (see, for example, Nabiscoworld.com or McDonalds.com).

تمثل العلامات التجارية جزءًا لا يتجزأ من الألعاب سواء مثَّلت مشاهد في تلك الألعاب أو جوائز أو كنزًا سريًّا بداخلها؛ وعليه فإن العلامة التجارية تَرسخ في الوعي من خلال اللعب، كما يشجع ذلك على تكرار زيارة تلك الألعاب.

يمكن أن توفر ألعاب الإنترنت ومسابقاته تفاعلًا أكثر تعمقًا مع رسالة العلامة التجارية مقارنةً بالرسالة التي تصلنا من خلال الإعلانات التقليدية. وتشير التقديرات إلى أن زوار مواقع الألعاب عبر الإنترنت يقضون 26 دقيقة في المتوسط في لعب تلك الألعاب (Fattah and Paul, 2002). كما يمكن للألعاب التفاعلية أن تُشرك الأطفال بشكل فعَّال في تجربة استهلاك بحيث يصبح المستهلك مغمورًا في ذلك الوسط (e.g., Ferrazzi and Benezra, 2001).

على نطاقٍ أوسع فإن شبكة الإنترنت لديها القدرة على تقديم رسالة العلامة التجارية بطريقة تجعل المستهلكين يرونها باعتبارها معلومة قد تحصَّلوا عليها من تجربتهم المباشرة الخاصة مع المنتج لا من إعلان (Klein, 2003). وتشير الأبحاث الأكاديمية التي أُجريت على مجموعة من البالغين إلى أن المحتوى المُقنِع للويب يوفر تجارب افتراضية للمنتج مما يؤدي إلى مواقف أكثر إيجابية وأكثر موثوقية للعلامة التجارية من تلك التي تسفر عنها الاتصالات التقليدية (e.g., Li et al., 2003).

فعندما تقدم هذه المواقع أشياء ترفيهية أيضًا، يصبح المستهلكون أكثر تفضيلًا للعلامات التجارية التي يرونها (Raney et al., 2003). لذا بدلًا من جذب انتباه الأطفال لمدة ثلاثين ثانية من خلال إعلان تلفزيوني، يمكن للمعلن الآن إشراك الأطفال لعدة دقائق في هذه الوسائط التفاعلية القوية.

بالرغم من ادعاءات الصحافة التجارية بأن الأطفال قد أصبحوا أكثر تبصّرًا وأذكى في أحكامهم على السوق (e.g., Lindstrom and Seybold, 2003)، ليس هناك الكثير من الأدلة التي تشير إلى أن فهم الأطفال للإعلان وكيفية عمله هو أمر يمكن تسريعه بشكل أكبر من قدراتهم المرتبطة بنقاط محددة في تطورهم الإدراكي.

لذا فإن التمييز بين الإعلان والترفيه قد بات أكثر صعوبة بالنسبة للطفل في هذه البيئة السائلة. على سبيل المثال، عندما يلعب الأطفال ‘Lifesavers Boardwalk Bowling’ أو ‘Oreo Dunking Game’ فكيف ينبغي عليهم رسم الخط الفاصل بين الإعلان التجاري والمحتوى؟ هل يوجد مثل هذا الخط؟

عندما ينجح الترفيه في الإقناع

بناءً على ما سبق فإن الاتصالات التسويقية التي تستهدف الأطفال قد أصبحت أكثر اندماجًا مما كانت عليه في الماضي: إذ أن الإعلانات والترفيه وتجربة العلامة التجارية باتت أمورًا تعزز بعضها بعضًا، بل تسري بعضها في بعض. هل من المحتمل أن يعتمد الأطفال على فهمهم للقصد الترويجي للإعلان رغم محاوطتهم بوسائط تواصل متعددة؟ ما الدور الذي يؤديه الترفيه في عملية الإقناع؟ تطرق عدد قليل جدًّا من الدراسات إلى الآثار المشتركة للإعلان مع المحفزات التسويقية الأخرى.

أحاول هنا الإبلاغ بإيجاز عن نتائج دراستين تجريبيتين أجريتا مع أطفال تتراوح أعمارهم بين 7 و 11 عامًا إذ أنهما يقدمان بعض الأفكار حول هذه المسألة. من خلال الجمع بين كل من المقابلات المطوَّلة والتجريب، صُممت هاتين الدراستين للكشف عن كيفية تفكير الأطفال في الإعلانات وكيف يربطون ما يرونه في تجاربهم اليومية بالمنتجات.

تشير النتائج إلى أن الأطفال الأكبر سنًّا (الذين تتراوح أعمارهم بين 11 و12 عامًا) قد ينجذبون في الواقع بشكل أكبر إلى الترفيه الذي توفره الإعلانات مقارنةً بالأطفال الأصغر سنًّا (الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و8 سنوات)، كما أن هؤلاء الأطفال الأكبر سنًّا من المرجح أن يسمحوا لتلك الإعلانات بتشكيل تفسيراتهم لاستخدام المنتج (see Moore and Lutz 2000 for more detailed findings).

في الدراسة الأولى، أُجريت سلسلة من المقابلات المطوَّلة (من 45 إلى 130 دقيقة) مع 60 طفلًا تتراوح أعمارهم بين 7 و12 عامًا. كشفت هذه المقابلات عن وجهتي نظر متباينتين ظاهريًّا، الأولى سطحية إلى حد ما ومرتكزة على المنتج (الأطفال الأصغر سنًّا)، والثانية أكثر شمولًا، مع التركيز بشدة على الأبعاد الإبداعية (الأطفال الأكبر سنًّا).

ركَّز الأطفال الصغار في المقام الأول على الإعلانات بصفتها معلومات عن العلامات التجارية ذات الصلة الشخصية بحياتهم اليومية. وقد اقتصرت تعليقاتهم بشكل عام على العلامات التجارية التي يمتلكونها بشكل شخصي، أو يسعون للحصول عليها في المستقبل. في حين أنهم غالبًا ما رُفضوا الإعلانات الأخرى بشكلٍ سريع لعدم اهتمامهم الشخصي بهذه الأبعاد.

أما الأطفال الأكبر سنًّا فقد كان لهم منظور مختلف؛ إذ كانوا ينظرون إلى الإعلان بصفته وسيلةً للترفيه ومصدر للمعلومات عن العلامة التجارية. وقد كان الإمتاع الذي يقدمه الإعلان ومدى ابتكاره أو مدى كونه دراميًّا هو ما يلفت انتباههم. فقد فُتِن الأطفال الأكبر سنًّا بطريقة تكوين الإعلانات، وسبب استخدام بعض التقنيات الإبداعية بعينها. إذ كانوا قادرين على اكتشاف مستويات متعددة من المعنى في الإعلانات التي تستخدم المبالغة والخيال.

وهكذا كانت رؤيتهم أكثر ثراءً وأوسع نطاقًا من رؤية الأطفال الأصغر سنًّا؛ فقد تمكنوا من فهم واستيعاب المعنيين الحرفي والمجازي الموجودين في العديد من الإعلانات. ومع ذلك، فإن تصوراتهم غالبًا ما كانت محفوفة بالمفاهيم الخاطئة.

ونظرًا للغياب النسبي للخبرة عند بعض الأطفال الأكبر سنًّا فيما يخص السوق فقد اعتقدوا أن الإعلانات من المفترض أن تحتوي على عناصر خيالية، مما يمنح المعلنين رخصة إبداعية حقيقية فيما يقولونه عن علاماتهم التجارية. وقد كان الأطفال يميلون إلى وصف المشكلات الحقيقية باعتبارها مجرد أخطاء أو هفوات بريئة ما لم يتجاوز المُعلن بشكلٍ مفرط الخط الفاصل بين المبالغة والخداع المتعمد.

أُجريت تجربة للتحقق من المركزية الظاهرة للترفيه بالنسبة للأطفال الأكبر سنًّا. شارك في الدراسة ٧٢ طفلًا، متمثلين في فئتين عمريتين، طلاب الصف الثاني (من ٧ إلى ٨ سنوات) وطلاب الصف الخامس (من ١٠ إلى ١١ عامًا). كان الهدف من هذه الدراسة الثانية هو تقويم ما إذا كان الإعلان يمكن أن يؤثر على تصورات الأطفال حول تجارب استخدام المنتج.

للوهلة الأولى، قد يبدو أن التجربة المباشرة مع المنتج قد تطغى على أي آثار محتملة لمشاهدة إعلان ما عن هذا المنتج. فما هو الأثر المحتمل الذي يمكن أن يحدثه التعرض بشكل مسبق لإعلان المنتج بمجرد أن يتناول الطفل هذا المنتج في يده؟ كانت نتائج هذه الدراسة مثيرة للاهتمام. على عكس ما قد توحي به النظرية، كان الأطفال الأكبر سنًّا في هذه الدراسة هم من استمروا في التأثر بالإعلان عند استهلاكهم للمنتج، وبخاصةً أبعاده المتعلقة بالترفيه.

نتيجةً لتقديرهم للإبداع ومعرفتهم بالنية الجوهرية للإعلانات، كان الأطفال الأكبر سنًّا أكثر انفتاحًا على المعلومات والأفكار الجديدة. إذ كان الأطفال الأكبر سنًّا في الأغلب يفسرون تجربة استخدام المنتج بشكل إيجابي عند استمتاعهم بمشاهدة إعلانه. لم يكن هذا هو الحال مع الأطفال الأصغر سنًّا الذين بدا أنهم يواجهون صعوبة في فهم الأدلة التجريبية بشكل إدراكي في ظل الخيال والغلو المستخدمين في الإعلانات. إذ قد اعتمدوا على استخدام المنتج كأساس أولي لأحكامهم.

وبالتالي قد يتسبب التطور المعرفي المتزايد لدى الأطفال الأكبر سنًّا وكذلك قد تتسبب معرفتهم وخبرتهم في الإعلان في زيادة قابليتهم للمحتوى التجاري في بعض المواقف. إن حقيقة أن الأطفال الأكبر سنًّا أكثر انتباهًا للترفيه في الإعلان، وأنهم أكثر قدرة على دمج ما يتعرضون له عبر وسائل الإعلام المتعددة يشير إلى أن استمرار القلق له ما يبرره بالنسبة لهذه الفئة العمرية. وبفضل قدرتهم على دمج خيال الإعلان مع واقع العلامة التجارية، رغم عدم استعدادهم لنشر دفاعاتهم بشكل تلقائي، فقد يكون هؤلاء الأطفال بشكل خاص عرضة لتأثير الإعلان. إذ أنه من خلال تعتيم الحدود بين الإعلان والترفيه، يمكن للمعلنين ببساطة أن يطغوا على الدفاعات التي ما زال الأطفال في طور بنائها.

ويعتقد بعض ممارسي التسويق على الأقل أن هذا هو الحال بين الأطفال الأكبر سنًّا، والذين يُفترض كونهم أكثر تطورًا:

أثبتت عملية الإعلان أنها واحدة من أكثر الأدوات فاعلية في مجال التسويق للمراهقين … فالترويج المتنكر في صورة ألعاب ومجلات وكوميكس يجعل من الصعب على المراهقين التشكك في الرسائل الإعلانية (Lindstrom and Seybold، 2003، p. 225).

يعد غياب الفرق بين الإعلان والترفيه، وهو ما يستهدف الأطفال، قضية اجتماعية وسياسية وأخلاقية تستحق اهتمامنا الجماعي؛ فلا تزال الإعلانات التي تستهدف الأطفال تتوسع في نطاقها ومستواها وتعقيدها. ومع الانتهاء بعد بضع سنوات من عملية الانتقال إلى التلفزيون الرقْمي، فإن فرصة حدوث الاندماج المسيَّل بين المحتوى التلفزيوني والمواقع التجارية على شبكة الإنترنت ستزداد بشدة؛ لذا فثمة حاجة الآن إلى إجراء أبحاث تجريبية لفهم كيفية تفاعل الأطفال مع طوفان الإعلانات التي تتسلل بالفعل إلى حياتهم اليومية.

كما حان الوقت كذلك لإحياء جدل عام بشكل رسمي حول نظامنا الإعلامي المعقد ودوره في حياة الأطفال.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك