سجناء من أجل العلم

4 مارس , 2016

سياق التجربة

في سنة 1971 أقيمت تجربة سيكولوجية مُبهرة ومثيرة للجدَل أيضًا، في جامعة ستانفورد الراقية في كاليفورنيا، بالو آلتو. وذلك بقيادة البروفيسور “فيليب زيمباردو”، و تُعرف حاليًا باسم “تجربة ستانفورد”.
كانت تهدف إلى فهم “كيف” و “لماذا” تتدهور الحالات في السّجون العسكرية. من هنا وُلدت فكرة إنشاء سجن في مبنى الجامعة. تمّ نشر إعلان قصير يدعو الطلبة الذّكور للمشاركة في هذه التجربة، التي كان من المُقرّر أن تستمر لمدة تتراوح بين أسبوع وأسبوعين، خلال العُطلة، سنة 1971، وذلك مقابل تلقّي 15 دولاراً عن كلّ يوم، ما يعادل 80 دولاراً تقريباً في السنوات الأخيرة.

ظروف التجربة

أجاب أكثر من 70 متطوعًا على الإعلان، وتم اختيار 24 منهم على أساس معايير التوازن النّفسي واللياقة البدنية. وبطريقة عشوائية (رمي العُملة)، تمّ ضمّ 9 منهم إلى مجموعة “السجناء”، و 9 إلى مجموعة “الحراس” و 6 المتبقيين تمّ وضعهم في لائحة البُدلاء.
تم وضع ثلاث زنزانات تحتوي كلّ واحدة منها على 3 سجناء في قبوِ المبنى، حيث تمّ تقسيم الحرّاس إلى ثلاث فرق، تقوم بالتناوب كلّ 8 ساعات.
وقام الباحثون بإحضار بزّات من محلّ ملابس عسكرية، ونظارات شمسية عاكسة لكي يتم تفادي أي تواصل بصري مع الطلبة-السجناء.
وبالنسبة للسجناء، فقد تمّ كلّ شيء بطريقة تجرّدهم من إنسانيتهم، تجعلهم عاجزين، أذلّة، ولا يملكون أنفسهم: في البداية، تم إلقاء القبض عليهم من بيوتهم من طرف الشرطة الحقيقية لـبالو آلتو، التي قبلت المشاركة في التجربة. كلّ طالب خضع لعملية إلقاء القبض عليه، أخذ بصماته الرقمية، والتقاط الصور الشهيرة للوجه والمظهر، قبل قيادته للسجن. ليجد نفسه مرتديًا قبعة ضيقة من النايلون، ليتغيّر شكله ويبدو كما لو أنه قد تمّ حلق شعره، ممنوعاً من كلّ الملابس ما عدا قميصًا ليليًا طويلاً مكتوب عليه رقمه، إضافة إلى صنادل مطاطية غير مريحة، بدل الأحذية، فراش مباشرة فوق الأرض، مع سلسلة تم ربطها في قدميه كي يتذكر في كل لحظة حجم الضغوط التي يمارسها عليه العالم الخارجي.
ورغم أن الحراس المُفترضين كانوا يحملون العصيّ فإنه لم يكن من المفترض بهم استعمالها.
ارتكب الباحثون خطأ عن طريق المشاركة بأنفسهم في التجربة مُتخذين دور مُدراء السّجن، لأنهم لم يكونوا مدركين لمسألة أن الطّلبة سيقومون بأدوارهم كما هي بالفعل.

اليوم الأول

رغم ذلك، لم يحدث أي شيء مميز في اليوم الأول. تم استجواب “فيليب زيمباردو” في مقال نُشر في مجلة الطلبة القُدامى لجامعة ستانفورد، شرح فيه أن “الحراس” كالعديد من الطلبة في ذلك الوقت، كانوا “منتمين للأيديولوجيا المضادة للسلطة. كانوا يشعرون بأنهم يساريون في ملابسهم الموحدة، لم يمارسوا أدوارهم كحُراس إلاّ عندما بدأت ثورة السّجناء.”

انطلاقًا من اليوم الثاني

إننا في صباح اليوم الثاني، حيث سينقلب كلّ شيء. في وقت التناوب، قام السجناء بنزع القبعات من رؤوسهم، والانغلاق على أنفسهم بوضع الأفرشة مقابل الباب.
طلب حرّاس الصباح الثلاثة مساعدة حراس فترة الظهيرة، دون تدخّل حراس الفترة الليلية. بمساعدة أدوات إطفاء الحريق التي استعملوها لرشّ السجناء بثنائي أكسيد الكربون. ثم دخل الحراس للزنزانات الثلاثة وأخذوا الأفرشة منها، وأرغموا السجناء على نزع ملابسهم، مع وضع “قائد” المتمردين في مكان منعزل عن البقية. وبالتالي أحكموا السيطرة من جديد على الوضع. وبسبب وعيهم باستحالة البقاء في فترة الحراسة طيلة 24 ساعة لكي يضمنوا المساواة في العدد مع السجناء، اتفقوا على اللجوء لسُلطتهم لإرغام السجناء على الانصياع.
قام الحراس بتقسيم السجناء لفريقين، فريق “الجيدين” الذي تم التعامل معه بشكل جيد، وتقديم الطعام له، و فريق “السّيئين” المُضطهدين، لكي يصنعوا عدُوّين لكسر التعاون بينهم. وبعد ذلك جمعوا الفريقين معًا كي يشعر البقية بأن فريق “الجيدين” يعملون مُخبرين لصالح الحراس. ولكن لم يتوقفوا عن هذا الحد.
تمّت مناداتهم طيلة ساعات اليوم، منعهم من النوم، ومن استعمال الحمامات، وإرغامهم على القيام بحركات جسدية متتالية… كلّ شيء يمضي بسرعة.
بعد 36 ساعة فقط من التجربة، فقد أحد السجناء صوابه، ولكن لم يسمح له بالخروج في ذلك الوقت (سيخرج بعد وقت لاحق)، وبعد عودته للزنزانة أقنع زملاءه بأنهم في سجن حقيقي.
حتى الصالات التي تم ترتيبها للتواصل مع الآباء والأصدقاء أعطت نتائج مُفاجئة. لأن الأقرباء رغم ملاحظتهم لتردّي الحالة الجسدية والنفسية للسجناء لم يطلبوا إيقاف التجربة، بل تعاملوا معهم كما لو كانوا سُجناء بالفعل.
في أوجه عديدة، يذكّرنا هذا بتجربة “ميلغرام” الشهيرة، التي تم إنشاؤها قبل هذه بعشر سنوات، والتي سلّطت الضوء على درجة الخضوع للسلطة التي يمكننا الحصول عليها من أفراد عاديين.
نظم الباحثون بعد ذلك، لكل السجناء، فُرصة استماع لأجل إطلاق سراح مشروط، يترأسها بطريقة عنيفة شخص كان سجينًا سابقًا بالفعل.
عندما سُئلوا عما إذا كانوا مستعدين للرحيل من السجن مقابل التخلي عن أجرهم من التجربة، عبّر معظمهم عن قبولهم، مُتناسين بأنهم يكفي أن يطلبوا إيقاف التجربة حتى يتم إيقافها بالفعل.
تم رفض جميع طلبات التحرير المشروطة، وعاد الجميع للزنزانات دون أي رفض، وبخضوع تام، غير قادرين على فهم أنهم قد انفصلوا عن الواقع.

نهاية التجربة ونتائجها

أثبتت تجربة ستانفورد بطريقة مُبهرة و مفاجئة، أنه بإمكاننا أن نجعل من شباب متوازنين وبصحة جيدة، خرقًا بالية، أو حُراسًا متحمّسين وساديين، في بضعة أيام.
توقّفت التجربة في 20 أغسطس 1971 بعد مرور ستّة أيام فقط من أصل الأسبوعين المُقررين. يشرح “فيليب زيمباردو” في موقعه الشخصي أن هناك سبَبين لهذا التوقف السابق لأوانه.
أوّلًا، لاحظ الباحثون أن الحرّاس كانوا يصبحون أكثر طغيانًا في الليل لاعتقادهم بأنهم غير مُراقبين، في حين أنه كان يتم تصويرهم وتسجيل ذلك بشكل متواصل. ولكن بدون شك، بفضل “كريستينا ماسلاش”، زوجة زيمباردو المستقبلية، انتهت مأساة السّجناء وانحراف السّجّانين.
في إحدى الأمسيات، انتهت “كريستينا ماسلاش” من عرض رسالة الدكتوراه، وذهبت لزيارة مقرّ التجربة. رأت السجناء مكبّلين بالأغلال، وفوق رؤوسهم أكياس ورقية، وهم يصرخون في وجه الحرّاس. اغرَورقت عيناها بالدّموع، لم تستطع تحمّل المشهد، وخرجت من المبنى، متبوعة بصديقها.

اعترافات “زيمباردو” و “السجين 416”

يروي “فيليب زيمباردو” المشهد قائلاً:” قالت: “إن ما تفعلونه بهؤلاء الأولاد أمر مرعب. كيف لم تروا ما رأيته أنا، ولم تجدوا حلاّ لتلك المعاناة؟” ولكنني لم أكن قد رأيت ما رأته هي. وفجأة، بدأت أشعر بالخجل. عندها فهمت بأن الدراسة حوّلتني إلى مُدير سجن حقيقي. ثم قلت لها:”معك حق. يجب أن نوقف الدراسة.”.”
بعد شهرين من التجربة، أدلى أحد السّجناء، “كلاي“، الرقم 416، بشهادته حول ما كان يشعر به خلال تلك الأيام المعدودة: “بدأت أشعر بأنني أفقد هويتي، أن الشخص الذي كنت أسميه “كلاي”، الشخص الذي وضعني في هذا المكان، الشخص الذي تطوّع لتجربة هذا السجن –لأنه كان سجنًا بالنسبة لي، وسيظل كذلك، ولا أعتبر هذا كتجربة أو مُحاكاة، لأن ذلك كان سجنًا يديره علماء النّفس بدل الدّولة -، بدأت أشعر بأن هذه الهوية، أن الشخص الذي كنته والذي قرّر الذهاب للسجن، كان يبتعد عنّي، لدرجة أنني لم أعد أنا هو، وأصبحت فقط الرقم 416. لقد كنت فعلاً رقمي.”
أخيراً
في سنة 2004، عندما اندلعت فضيحة الممارسات التعذيبية في السجن العراقي “أبو غريب”، من طرف الجنود الأمريكيين، تذكّر جميع من شاركوا في تجربة ستانفورد ما عاشوه، في صيف 1971، في مبنى الجامعة.
في ذلك الوقت حصلت التجربة على ضمانة مجلس البحث المُطبقّ على كائنات بشرية.

“بيير بارتيليمي – Pierre Barthélémy “


المصدر



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك