فلتذهب النوايا الحسنة إلى الجحيم!

26 يناير , 2017

ملحوظة: أدناه نص من خطاب ألقاه إيفان إيليتش أمام مؤتمر مشروعات الطلاب في الدول الأمريكية المنعقد في مدينة كويرنافاكا بالمكسيك في 20 نيسان/إبريل عام 1968. يجدر القول بأن هناك في ذلك الخطاب ما يتحدث عن وقائع قديمة، ويجب النظر إليه في السياق التاريخي لعام 1968 وقت إلقائه، على أن بقيته لا تزال محتفظة بتأثيرها.

illichpic

“من بين المحادثات التي حظيت بها اليوم، أثار إعجابي أمران وأود الحديث عنهما قبل الشروع في كلمتي المُعدة. أثار إعجابي علمكم بأن حافز المتطوعين الأمريكيين في الخارج ينبع أغلبه من مشاعر ومبادئ بعيدة عما هو سائد في المجتمع. كما أثار إعجابي بالدرجة ذاتها، الانفتاح على فكرة أن الشيء الوحيد الذي بإمكانكم التطوع من أجله بصورة مشروعة في أمريكا اللاتينية ربما يكون الوهم الطوعي، والتواجد الاختياري دون مقابل.

وأثار انتباهي على النحو ذاته نفاق أغلبكم، ونفاق الجو المسيطر على المكان، الأمر الذي أقوله لكم كأخ لإخوانه وأخواته. أقول ذلك على الرغم من المقاومة في داخلي، على أنه يجب أن يُقال. إن فطنتكم وانفتاحكم على تقييم البرامج السابقة يجعل منكم منافقين؛ لأنكم، أو أغلبكم، قرر قضاء هذا الصيف في المكسيك، ولذلك فأنتم غير راغبين في إعادة تقويمكم لبرنامجكم بما يكفي. أنتم تغلقون أعينكم لأنكم ترغبون في المضي قدمًا، ولن تستطيعوا فعل ذلك إن تأملتم بعض الحقائق.

لعل ذلك النفاق غير مقصود داخل أغلبكم إلى حد بعيد. فعلى المستوى الفكري، أنتم مستعدون لإدراك أن الدوافع التي شرعت العمل التطوعي في الخارج في عام 1963 لا يمكن الاستناد إليها للعمل ذاته في عام 1968. لقد كانت عطلات البعثات عند المكسيكيين الفقراء “أفضل شيء” يمكن للطلاب الأمريكيين الأغنياء فعله خلال هذا العقد. وبرر مثل هذه الرحلات الخيرية الفقر الموجود جنوب الحدود الأمريكية بجانب إغفال كامل للفقر الأكثر سوءًا بالداخل.

واليوم، وجود منظمات مثل منظمتكم مهين للمكسيك. أردت قول ذلك لإيضاح سبب استيائي من الأمر برمته ومن أجل أن تكونوا واعين بأن النوايا الحسنة لا علاقة لها بما نناقشه هنا. لتذهب النوايا الحسنة إلى الجحيم، وهو موقف لاهوتي؛ فأنتم لن تساعدوا أحدًا بنواياكم الطيبة. وهناك قول آيرلندي، هو “الطريق إلى الجحيم محفوف بالنوايا الطيبة”، وهو يلخص الرؤية اللاهوتية ذاتها.

إن الإحباط الذي تشعرون به جراء المشاركة في برامج مؤتمر مشروعات الطلاب في الدول الأمريكية قد يؤدي بكم إلى وعي جديد، وهو أن سكان أمريكا الشمالية أيضًا يمكنهم الحصول على هدية الضيافة دون أدنى قدرة على دفع مقابلها، أي الوعي بأن بعض الهدايا يمكن ألا تتلقوا الشكر عليها.

وإلى كلمتي المُعدة مسبقًا:

السيدات والسادة،

عُرفت خلال الأعوام الستة الماضية بمعارضتي المتزايدة لتواجد كل “فاعلي الخير” من أمريكا الشمالية في أمريكا اللاتينية. أنا واثق من علمكم بشأن جهودي الحالية لتحقيق انسحاب كل جيوش الأعمال الخيرية من متطوعي أمريكا الشمالية إلى خارج أمريكا اللاتينية، ومن بينهم المبشرين وأفراد فرق السلام والمجموعات مثل مجموعتكم، وهي “شعبة” مهمتها الغزو الخيّر للمكسيك. كنتم على علم بهذه الأمور عند دعوتكم لي من بين كل الناس لأكون المتحدث الأساسي لتجمعكم السنوي. أمر عجيب، وليس بوسعي استنتاج سوى أن دعوتكم لي تعني أمرًا من بين ثلاثة:

  • ربما توصل بعضكم لاستنتاج أن مؤتمر مشروعات الطلاب في الدول الأمريكية يجب إما أن يُحل أو أن يبعد العمل التطوعي الموجه لفقراء المكسيك عن الغرض المؤسسي. ولهذا، فربما دعوتموني إلى هنا لمساعدة الآخرين في الوصول للقرار ذاته.
  • وربما أيضًا دعوتموني لأنكم ترغبون في تعلم كيفية التعامل مع الناس الذين يفكرون بالطريقة التي أفكر بها، وكيفية النجاح في الجدال معهم. لقد أصبح من الشائع جدًا دعوة المتحدث باسم حركة “بلاك باور” للحديث أمام نوادي “الليونز”. دائمًا ما توضع “حمامة” داخل نزاع علني لزيادة الروح العدائية الأمريكية.
  • وأخيرًا، ربما وجهتم لي الدعوة آملين بأنكم ستكونون قادرين على الاتفاق مع أغلب ما سأقوله، ثم تمضون في طريقكم بنوايا حسنة وتقضون الصيف في العمل بقرى مكسيكية. إن تلك الاحتمالية الأخيرة تخص هؤلاء الذين لا يسمعون أو لا يستطيعون فهمي.

لم آت إلى هنا للجدال، بل جئت لأخبركم، أو لأقنعكم إن أمكن، وعلى أمل أن أوقفكم عن فرض أنفسكم على المكسيكيين بشكل فيه ادعاء.

لدي ثقة عميقة في النية الحسنة الكبيرة لدى المتطوع الأمريكي. ومع ذلك، فنيته الحسنة تلك عادة ما يمكن تفسيرها بنقص عميق في اللياقة الفطرية. ويعني ذلك أنكم لا يمكنكم مقاومة أن تكونوا مروجين لـ “أسلوب الحياة الأمريكية” الخاص بالطبقة الوسطى خلال مدة العطلة، لأنه أسلوب الحياة الوحيد الذي تعرفونه. ولم يكن من الممكن أن يتطور ذلك المفهوم إلا في وجود دعم من أمريكا، وهو الإيمان بأن أي أمريكي حقيقي يجب عليه مشاركة نعم الرب عليه مع الفقراء. وتفسر فكرة أن كل أمريكي لديه شيء يتبرع به دائمًا السبب وراء تفكير الطلاب في أن بإمكانهم مساعدة الفلاحين المكسيكيين على “التطور” من خلال قضاء بضعة شهور معهم في قراهم.

وبالطبع، فإن تلك القناعة المفاجئة دعّمها أعضاء من مجموعة تبشيرية؛ لم يكن هناك سبب لوجودهم سوى إيمانهم بالقناعة ذاتها، غير أنها أكثر قوة. لقد حان الوقت لتنقوا أنفسكم من ذلك؛ فأنتم والقيم التي تحملونها نتاج مجتمع أمريكي من الناجحين والمستهلكين، بنظام يعتمد على حزبين، وتكافؤ الفرص في التعليم، ورفاهية امتلاك سيارة عائلية. أنتم “مروجون” سواء عن وعي أو بدونه، لأفكار الديمقراطية وتساوي الفرص والتجارة الحرة أمام أناس لا يتسنى لهم الاستفادة من أي منها.

ويحتل النموذج الأمريكي المرتبة الثالثة في الأشياء التي تصدّرها أمريكا الشمالية بعد النقود والسلاح بالترتيب، وهو يظهر في كل محفل بالعالم، سواء في دور المعلم أو المتطوع أو المبشّر أو المنظم المجتمعي أو المطور الاقتصادي، وأيضًا فاعلو الخير في العطلات. وبشكل مثالي، يعرّف هؤلاء الأشخاص دورهم بأنهم يقدمون خدمات، ولكن في الحقيقة ينتهي بهم الأمر إلى تخفيف وطأة ما تسببت فيه الأموال والأسلحة، أو “إغراء” هؤلاء “المتخلفين” بمنافع عالم الرفاهية والإنجاز. وربما تكون هذه هي اللحظة المناسبة لإخبار الأمريكيين أن أسلوب الحياة الذي اختاروه ليس قويًا بما يكفي لتتم مشاركته.

وفي الوقت الحالي، يجب أن يكون واضحًا لكل الأمريكيين أن بلدهم تخوض صراعًا هائلًا من أجل البقاء. لا يمكن أن تبقى أمريكا في ظل عدم اقتناع بقية العالم بأنها النعيم على الأرض. إن بقاء أمريكا يعتمد على قبول من يُطلق عليهم رجال “أحرار” بأن الطبقة الوسطى الأمريكية “نجحت”. لقد أصبح أسلوب الحياة الأمريكية عقيدة يتوجب على كل من لا يريد الموت بالسيف أو النابالم قبولها. إن أمريكا تحارب في كل أرجاء الأرض لحماية وتطوير أقلية تستهلك ما يستطيع غالب الشعب الأمريكي تحمل تكاليفه. إن ما سبق هو مقصد التحالف من أجل تقدم الطبقة الوسطى الذي وقّعته الولايات المتحدة مع أمريكا اللاتينية منذ أعوام مضت. ولكن أصبحت هناك حاجة متزايدة لحماية ذلك التحالف التجاري باستخدام السلاح، والذي بدوره سيتيح للأقلية التي بإمكانها “النجاح” أن تحمي مقتنياتها وما حققته.

ولكن الأسلحة ليست كافية للسماح بحكم الأقلية، إذ تصعب السيطرة على الجموع الهامشية ما لم يتوفر لهم “دين” أو معتقد يشرح الوضع الحالي. وتُمنح تلك المهمة للمتطوع الأمريكي، سواء كان عضوًا في منظمة “CLASP” أو عاملًا في “برامج إحلال السلام” في فيتنام.

تخوض الولايات المتحدة في الوقت الحالي معركة على ثلاث جبهات للتأكيد على مُثُل “الديمقراطية” المولعة بالاقتناء. وأقول إنها “ثلاث” جبهات لأن هناك ثلاث مناطق كبرى في العالم تمثل تحد لصلاحية النظام السياسي والاجتماعي الذي يجعل من الغني أكثر غنى ومن الفقير أكثر هامشية.

ففي آسيا، هناك سلطة قائمة تهدد الولايات المتحدة، وهي الصين. وتواجه الولايات المتحدة الصين بواسطة ثلاثة أسلحة، هي النخب الآسيوية الصغيرة التي لم تستطع فعل ما هو أفضل من تحالفهم معها، وآلة حرب ضخمة لمنع الصينيين من “السيطرة” كما يُقال، وعملية إعادة تعليم إجبارية لمن يُطلق عليهم “المقهورون”. ويبدو أن تلك الطرق لا تأتي بنتائج.

وفي شيكاغو، يبدو أن صناديق مكافحة الفقر وقوات الشرطة والوعاظ ليسوا ناجحين في جهود التأكد من عدم رغبة مجتمع السود في انتظار الاندماج الآمن في النظام.

وأخيرًا، كان التحالف من أجل التقدم في أمريكا اللاتينية ناجحًا جدًا في زيادة عدد الأشخاص الذين لم يكن بمقدورهم أن يكونوا أفضل حالًا، وهم صفوة الطبقة الوسطى الضئيلة، وخلق ظروف نموذجية من أجل ديكتاتوريات عسكرية. وكان هؤلاء المستبدين سابقًا في خدمة ملاك المزارع، ولكنهم حاليًا يحمون المجمعات الصناعية الجديدة. وفي نهاية المطاف، تأتون أنتم وتساعدون المهضوم حقهم لتقبل قدرهم في هذه العملية.

كل ما ستفعلونه في قرية مكسيكية هو خلق فوضى. وأفضل ما سيمكنكم فعله هو إقناع المكسيكيات بأنه يتوجب عليهن الزواج من شاب عصامي وغني ومستهلك، ولا يُكنّ احترامًا للتقاليد مثلكم. وفي أسوأ الظروف، ربما تتسبب روح “التنمية المجتمعية” لديكم فيما يكفي من مشاكل تؤدي لإطلاق النار على شخص بعد انتهاء عطلتكم وعودتكم لأحياء الطبقة الوسطى لديكم حيث تتهكمون أنتم وأصدقائكم على المكسيكيين وتستخدمون الألفاظ العنصرية ضدهم.

أنتم تشرعون في مهمتكم دون أيما تدريب، بينما تنفق فرق السلام مبلغ 10 آلاف دولار على كل عنصر لديهم لمساعدته على التأقلم مع بيئته الجديدة ولحمايته من الصدمة الحضارية. كم هو غريب أن أحدًا لم يفكر في إنفاق المال على تعليم المكسيكيين الفقراء لحمايتهم من الصدمة الحضارية التي سيتعرضون لها بسبب لقائكم!

في حقيقة الأمر، ليس بإمكانكم لقاء أغلبية هؤلاء الذين تدعون أنكم تخدمونهم في أمريكا اللاتينية، حتى وإن كنتم تتحدثون لغتهم، والتي ليس بإمكان أغلبكم تحدثها. سيكون بإمكانكم الحديث مع من على شاكلتكم، وهم المثيل الأمريكي اللاتيني للطبقة الوسطى الأمريكية الشمالية. ليست هناك طريقة أمامكم للقاء المحرومين حقًا، لأنه لا توجد أي أمور مشتركة بينكم من أي نوع تتفقون عليها.

دعوني أفسر لكم ما قلته الآن، وأيضًا دعوني أوضح السبب وراء احتمالية ألا يتفق معي أغلب الأمريكيين اللاتينيين الذين ستلتقونهم.

لنفترض أنكم ذهبتم إلى جيتو أمريكي هذا الصيف وحاولتم مساعدة الفقراء هناك على “مساعدة أنفسهم”. لن يستغرق الأمر كثيراً حتى يبصقوا أو أن يتهكموا عليكم. سيبصق عليكم أو يضربكم هؤلاء الذين سيشعرون بالإهانة من ادعائكم. أما الذين سيفهمون أن ضمائركم السيئة هي التي دفعتكم لتذهبوا إليهم فسيضحكون بتعال. وما تلبثون أن تعرفوا بأنه لا صلة لكم بالفقراء، وبأنكم طلاب جامعيون من الطبقة الوسطى في مهمة بفصل الصيف. ستكونون منبوذين على نحو حاد، سواء كان لون بشرتكم أبيض، كلون وجوه أغلبكم هنا، أو بني أو أسود مثل البعض الذين أتوا إلى هنا بشكل ما.

تمتلئ تقارير عملكم في المكسيك والتي تكرمتم بإرسالها لي بالشعور بالرضا عن النفس. وتثبت تقاريركم عن فصول الصيف السابقة عدم قدرتكم على فهم أن الأفعال الخيّرة التي تؤدونها في قرية مكسيكية ليست أكثر أهمية مما ستكون عليه في جيتو أمريكي. ليس فقط للفجوة بين ما تملكونه وما يملكه الآخرين وهي أكبر من تلك الموجودة بينكم وبين الفقراء في بلدكم، ولكن أيضًا للفجوة بين ما تشعرون به وما يشعر به المكسيكيين وهي أكبر بكثير. هذه الفجوة كبيرة بما يكفي لتجعلكم وأنتم في قرية مكسيكية تتخيلون أنفسكم على الهيئة ذاتها التي رأى المبشّر الأبيض نفسه عليها وهو يقضي حياته في وعظ العبيد السود في مزارع ألاباما. إن حياتكم داخل أكواخ وتناولكم خبر التورتيلا لأسابيع قليلة يجعل مجموعتكم ذات النوايا الطيبة تبدو أكثر روعة.

سيكون الأشخاص الذين ستتمنون التواصل معهم هم بعض أعضاء الطبقة الوسطى. ورجاءً تذكروا وأنتم هناك أني قلت “بعض”، والتي أقصد بها الصفوة القليلة جدًا في أمريكا اللاتينية.

أنتم تأتون من دولة أصبحت صناعية في وقت مبكر، ونجحت في تضمين الأغلبية العظمى من مواطنيها في الطبقات الوسطى. ولا يُعد التخرج في السنة الثانية من الجامعة تميزًا اجتماعيًا، فأغلب الأمريكيين يفعلون ذلك حاليًا. ولكن الشخص الذي لا ينهي دراسته في المرحلة الثانوية يُعد محرومًا.

وعلى النقيض في أمريكا اللاتينية، فنسبة 75% من الناس يخرجون من التعليم المدرسي قبل الوصول للصف السادس. ولهذا، فالأشخاص الذين أنهوا المرحلة الثانوية يشكلون أقلية صغيرة للغاية. وبعد ذلك تذهب قلة قليلة من هؤلاء إلى الإعداد الجامعي، ومن بين هؤلاء الأشخاص ستجدون أندادًا لكم من حيث التعليم.

وفي الوقت ذاته، تشكل الطبقة الوسطى في أمريكا أغلبية، غير أنها صغيرة للغاية في المكسيك. بدأت دولتكم منذ سبعة أعوام وموّلت ما يُسمى “التحالف من أجل التقدم”، وكان “تحالفًا” من أجل “تقدم” نخب الطبقة الوسطى. وحاليًا، ذاع بين أعضاء الطبقة الوسطى أنكم ستجدون أناس جدد يرغبون في قضاء وقتهم معكم، وأنهم سيكونون “شبابًا لطفاء” يرغبون هم أيضًا في تهدئة ضمائرهم المضطربة بـ “فعل شيء جيد من أجل تمكين الهنود المساكين”. وبالطبع، عند لقائكم بأشباهكم من أفراد الطبقة الوسطى من المكسيكيين، سيخبرونكم أنكم تفعلون شيئًا قيمًا، وأنكم “تضحون” من أجل مساعدة الآخرين.

أما الذي سيؤكد تقديركم لأنفسكم فسيكون قسًا أجنبيًا. وبعد كل ذلك، سيعتمد مصدر رزقه وشعوره بالأهمية على إيمانه الراسخ بالمهمة المماثلة لمهمة الصيف الخاصة بكم.

وهناك جدل بشأن اكتساب بعض المتطوعين العائدين علمًا بالضرر الذي تسببوا فيه للآخرين، وبذلك أصبحوا أناس أكثر نضجًا. ومع ذلك، فلم يتكرر ذكر أن أغلبهم كانوا شديدي الفخر بتضحيات الصيف التي بذلوها. وربما يصب في صالح هذه الحجة القول بأن الشباب يجب أن يكونوا منحلين في فترة ما ليعرفوا بأن العلاقة الجنسية أفضل عندما تكون في إطار الزواج بشخص واحد فقط، أو أن أفضل طريقة للتوقف عن تناول عقار الهلوسة هو بتجربته لفترة ما، أو أن أفضل طريقة لفهم أن ما تساهم به في الجيتو لا حاجة له وليس مطلوبًا أن تحاول وتفشل. إن الضرر الذي يتسبب فيه المتطوعون سواء بقصد أو بدون قصد كبير جدًا ليكون ثمنًا لإدراك متأخر أنهم لم يكن يجدر بهم التطوع منذ البداية.

إن كان لديكم شعور بالمسؤولية على الإطلاق، فابقوا هنا وشاركوا في التظاهرات في بلدكم. يمكنكم العمل قبل الانتخابات القادمة؛ إذ ستكونون على علم بما تفعلونه والسبب وراء فعله وكيفية التواصل مع الذين تخاطبونهم. وحال فشلكم، ستعرفون ذلك. أما إن كنتم تصرون على العمل مع الفقراء، ظنًا منكم أنها رسالتكم، فعلى الأقل اعملوا مع الفقراء الذين يمكنهم إخباركم أن تذهبوا إلى الجحيم. ليس من العدل أن تفرضوا أنفسكم على قرية حيث لا تفهمون فيها ما تفعلونه ولا ما يفكر فيه الناس بشأنكم. كما أنه ضار للغاية بالنسبة لكم أن تعرّفوا شيئًا تودون أن تفعلونه بأنه “جيد” أو “تضحية” أو “مساعدة”.

أنا موجود هنا لأقترح عليكم أن تتخلوا طواعية عن ممارسة السلطة الممنوحة إليكم بصفتكم أمريكيين. أنا هنا لأتوسل إليكم بأن تتخلوا بحرية وبتواضع وأنتم في وعيكم عن الحق القانوني لديكم الذي يخول لكم فرض إحسانكم على المكسيك. أنا هنا لأتحداكم للاعتراف بعدم قدرتكم وعجزكم وعدم أهليتكم لفعل “الخير” الذي تنوون فعله.

أنا هنا ألتمس منكم استخدام أموالكم ومراكزكم وتعليمكم في السفر لأمريكا اللاتينية. تعالوا لتشاهدوها، أو لتسلق جبالنا، أو لتتمتعوا بأزهارنا. تعالوا للدراسة، ولكن لا تأتوا للمساعدة.

مصدر



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك