فلسفة التدريس: ماذا تفعل كي تصبح مدرسًا حقيقيًا؟

2 يوليو , 2018

 المقال الأصلي: A Philosophy of Teaching

 

فور إفصاح أغلب المعلمين عن فلسفاتهم التدريسية ستدرك، إن تحرّيت الصدق في حكمك، أنهم لا يمتون للتدريس بصلة. فأولئك المعلمون عادةً ما يكونوا في رحلتهم الأولى للبحث عن عمل بعد عام أو اثنين، في أفضل الأحوال، كمساعدين أو كمدرسين مساعدين.

نادرًا ما يكتب أصحاب الخبرات الكبيرة من العلمين فلسفاتهم التدريسية، ما لم يُضطرّوا للبحث عن عمل. ولكن ربما ينبغي عليهم كتابة ذلك.

صيغت فلسفتى في التدريس على مدار أكثر من 32 عامًا، 26 عاما منهم كمدرس. عندما كنت طالبًا، درست في كلية خاصة للفنون الحرة وفي جامعة إقليمية متوسطة الحجم. وقمت بالتدريس في جامعة كبيرة، وفي كلية في مجتمع ريفي صغير، وفي كلية في مجتمع حضري كبير، وفي كلية تقنية في الضواحي.

مثل جميع العاملين في هذه المهنة قد جئت إلى العمل بعدد من الأفكار المسبقة، تستند جزئيًا إلى الملاحظات الجيدة وسيئة لمن علّموني، وجزئيًا على تصوري لكيفية عمل الأشياء في عالم مثالي. أثبتت معظم هذه المفاهيم أنها غير صحيحة أو غير عملية، ولا تزال بقية المفاهيم رهن الحكم.

بالإضافة إلى ذلك، بما أنني قضيت أيضًا 11 عامًا في الإشراف على أعضاء هيئة التدريس، فقد تأثرت فلسفة التدريس الخاصة بي بشكل عميق بتجارب زملائي. إذ كان من وافر حظي أن عايشت بعض أفضل المعلمين في العالم وتعلمت منهم. لقد عرفت أيضًا بعض أعضاء هيئة التدريس الذين كان إسهامهم الرئيسي في تطوري هو تقوية إصراري على ألا أفعل – مطلقًا – أشياء معينة.

يرجى ملاحظة أنني لا أقصد من مشاركة فلسفتي أنها النهج القاطع أو أنني أشجع أي شخص آخر على تبنيها، لكنني ببساطة أشارك ما أصبحت مؤمنًا به.

 

طلاب الكلية هم طلبة البالغين، وقد كتبت عن تلك الحقيقة البديهية ببعض العمق في أغسطس 2010 في مقال (“مرحباً بك في فصلي الدراسي”)، لكن تلك المقالة تحتاج إلى إعادة النظر باعتبارها عنصر من عناصر فلسفة أكثر شمولًا.

 

يميل الناس إلى أن يتأرجح مستواهم حول ما هو مُتوقّع منهم. كن واضحًا في أنك تعتقد أن الطلاب أغبياء، وستجدهم، أغلب الظن، يتصرفون وفقًا لذلك. تصرف وكأنك تتوقع منهم أن يسيئوا التصرف، وسيشبه فصلك في الأغلب منطقة حرب. ولكن إذا أخبرت الطلاب مقدمًا بأنك تعتبرهم بالغين وعاملتهم وفقًا لذلك، فسيحاول معظمهم الارتقاء إلى مستوى ما أعلنته. وقد كان هذا هو الحال بالتأكيد في فصلي على مر السنين.

 

إن معاملة الطلاب كالبالغين تعني أن تسمح لهم بالحريات التي يستمتع بها البالغون – أن يتأخروا عن الصف أو على سبيل المثال أن يفوتونه تمامًا أو أن يغادروا مبكرًا إذا كان هذا هو ما يحتاجون إليه. في الوقت ذاته، فإنك توضح أنهم، كبالغين، مسؤولون عن كل ما يُدرس في الفصل الدراسي، سواء كانوا في الفصل في حين دُرِّس أم لا.

 

لهذا النهج آثار عميقة على كل جوانب إدارة الفصول الدراسية، من الانضباط إلى الحضور إلى تسليم الفروض المتأخرة. ويحب الطلاب ذلك لأنهم يفكرون في أنفسهم كبالغين ويقدّرون أن ينظر إليهم كذلك. (واحدة من أكثر ما يحتقره طلاب الكلية هو أن يُعاملوا كما لو كانوا لا يزالون في المدرسة الثانوية). كما أنه أمر جيد للمدرسين أن يضعوا مسؤولية “المواكبة” على عاتق الطلاب، حيث تنتمي.

 

التدريس هو فن الأداء

أتمنى لو أنني كنت من صاغ هذه العبارة، أو على الأقل على علم بمن فعل ذلك. فأنا أعرف فقط أنها أصبحت واحدة من معتقداتي الأساسية.

 

إن مفهوم المعلم باعتباره مؤدي، أو باعتباره “ناقل المعرفة”، قد خفت في السنوات الأخيرة، رغم أن الحقيقة هي أننا ناقلوا المعرفة. فأداؤنا – أي كيفية تدريسنا – لا يقل أهمية البتة عما نُدرّسة.

 

علاوة على ذلك، تعتمد كيفية تجاوب طلابنا معنا – وبالتالي مع موضوعاتنا – إلى حد كبير على جودة الأداء الذي نقدمه في الصف يومًا تلو الآخر. هل تريد إشراك طلابك وجذب انتباههم وتحفيزهم على بذل المزيد والمزيد؟ انتبه إذن إلى درجات الصوت ولغة الجسد، تمامًا كما يفعل الممثل. تدرب على توقيتك وتلاعب مع مستمعينك وأضف بعض الفكاهة واجعل الأمر ترفيهيًا.

 

لا يعني هذا أن تجعل نفسك محور الفصل طوال الوقت. إذ يمكن أيضًا أن تكون مناقشات الصف والعمل الجماعي والاستراتيجيات الأخرى التي لا تتمحور حول المعلم فعالة، لكن عندما يرفع الستار ويحين وقتك عليك أن تبهرهم.

 

قد يولد المعلمون العظماء هكذا، لكن المعلمون الجيدون يُصنعون. فالقدرة على أن تصبح معلمًا عظيمًا – معلمًا يلهم الطلاب ويتواصل معهم دون عناء كيفما يبدوا – هي موهبة، موهبة فطرية مثل القدرة الموسيقية أو البراعة الرياضية.

 

كأي موهبة أخرى، يمكن لهذه الموهبة أن تُبدد أو أن تُستخدم بشكل جيد. أفضل المعلمين هم أولئك الذين يتحلون بالموهبة ويعملون بجد على مدى سنوات عديدة لتطويرها – على الرغم من أننا غالبًا ما نتجاهل العمل الشاق لأنهم يجعلون الأمر يبدوا وكأنه سهلًا.

 

ولكن ماذا عن أولئك الذين قد لا يكون لديهم “الموهبة”، أو على الأقل لا يملكونها بنفس الدرجة؟ هل يمكنهم أيضًا أن يصبحوا معلمين عظماء؟ ربما لا، لكن يمكنهم أن يصبحوا معلمين جيدين.

 

هناك أيضًا نوع أكثر وضوحًا من الحمق يتمثل في الشخص الذي يسيء للطلاب ويحرجهم أمام زملائهم في الصف. وهو الذي يجيب على الأسئلة بتكبر وغطرسة بل وازدراء معلن؛ وهو الشخص الذي تأتي استجاباته الطبيعية على أي موقف بشكلٍ متشدد للغاية.

 

عندما كنت مديرًا تعاملت في بعض الأحيان مع مدرسين بهذا الشكل، مثل المدرس الذي تسبب في تأخير تخرّج طالب لفصلٍ دراسي كامل لأنه لم يقبل فرضه الذي تأخر ساعة واحدة عن موعد استحقاقه. عادةً ما كنت أحاول إقناع هؤلاء الناس بالعقل إلا أنهم غالبًا ما كانوا محصنين ضد صوت العقل. في النهاية، رغم أنني لم أحب ذلك، فقد كنت أدعمهم نظرًا لكونهم يتبعون السياسة الأكاديمية بشكلٍ حرفي. وقد كنت أراهم كحمقى.

 

أنا على دراية تامة بالمدرسة التي تقول إن على المعلمين التصرف كالحمقى من أجل مصلحة طلابهم. العالم مليء بالحمقى، وهذه الفلسفة ترى – نظرًا لأن معظم رؤساءهم للأسف سيكونون حمقى – أننا ملزمون بصفتنا معلميهم بزرع الحمق فيهم من أجل إعدادهم للعالم الحقيقي. ومن هنا يأتي النهج المتشدد والتفسير الصارم للسياسة ورفض التهاون في أي شيء.

 

لم أقتنع يومًا ما بتلك الفلسفة. وفقًا لخبرتي، فإن معظم الناس الذين يتبنونها لا يعرفون شيئًا عن “العالم الحقيقي”. فهم يحاولون تبرير كونهم حمقى فحسب. كما أنني لا أؤمن البتة بأن مثل هؤلاء قد يكترثون بالفعل لاهتمامات الطلاب. في بعض الأحيان، يحتاج الطالب إلى تعلم درس صعب في المسؤولية الشخصية. لكن كل طالب يحتاج إلى استراحة بين الحين والآخر، إذ لن يحصل معظمهم على تلك الوظائف في هذه الشركات الكبرى التي نريدها بشدة إذا لم نتهاون معهم في بعض الأحيان.

 

بالإضافة إلى ذلك، أنا لا أشغل وقتي في التفكير في ما إذا كان الطلاب يستفيدون مني أم لا. فهدفي هو مساعدة الطلاب على النجاح بينما لا يزال مستواهم معقولًا. إن استفاد البعض من ذلك، وانتهي بهم الأمر إلى الشعور بالألم – نظرًا لأن رؤسائهم في العمل أو معلميهم الآخرون ليسوا على نفس القدر من التفهّم – فهذه مسؤوليتهم وليست مسؤوليتي.

 

كل ما تحتاج إليه هو الحب. حسنًا، ربما ليس هذا كل ما تحتاجه لتكون معلمًا جيدًا. إلا أنه يساعدك في الحصول على درجة متقدمة، وربما بعض المعرفة الفعلية بموضوع الدراسة. ولكن في التعليم، كما هو الحال في العلاقات الإنسانية الأخرى، يقطع القليل من الحب أشواطًا طويلة.

 

عندما أتحدث عن الحب أعني أولًا وقبل كل شيء حب الطلاب. بالطبع لن تشعر بمشاعر مودة قوية تجاه كل طالب، ولكن ربما يكون هذا جيدًا أيضًا. فسيكون هناك بعض الطلاب الذين لن ينالوا إعجابك على الإطلاق، وهو أمر ليس بالغريب.

 

لكن المعلم الجيد يجب أن يحب الطلاب بشكل عام، يحبهم كمجموعة. أود أن أوضح تلك النقطة لأنني كنت أعرف العديد من المعلمين الذين يكرهون طلابهم، بل ويحتقرونهم. يمكنك معرفة ما يقولونه عن الطلاب عند محادثتهم على انفراد.

 

كلما سمعت أحد أعضاء هيئة التدريس يتكلم باستمرار عن مدى غباء الطلاب أو عن كونهم غير مهذبين، أقول في قرارة نفسي “لماذا تفعل ذلك؟” ولا عجب في أن تُظهر تقييماتهم التدريسية أن الطلاب من ناحيتهم كذلك لا يهتمون بأولئك المعلمين كثيرًا.

 

كذلك عندما أتحدث عن الحب، فأنا أشير إلى حب المادة العلمية. لقد كان لدينا جميعًا أولئك المدرسين الذين يبدوا عليهم الملل في محاضراتهم، والانزعاج من فروضهم، واللامبالاة تجاه نقاشات الصف. وكذلك كان لدينا معلمين استطاع شغفهم تجاه المادة العلمية أن يؤجج شغفنا نحن أيضًا. بالنسبة للكثيرين منا، كان النوع اللاحق من المعلمين هو من ألهمنا لكي نصبح معلمين.

 

وبالطبع، حتى إذا كنت تحب التدريس بشكل واضح، عامل الطلاب باعتبارهم بالغين، وامنح جائزة الأوسكار لأفضل أداء كل يوم، وقاوم نوازعك الحمقاء. لا يعني هذا أن طلابك سيحبون صفك، لكن في الأغلب ربما لن يكرهونه – أو يكرهونك.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك