في مديح ديوي

27 يونيو , 2018

كان يعلم كيف نحمي الديمقراطية، ليس من خلال الروتين والقواعد لكن بتنشئة أطفال ذوي عقول حرة. دعونا لا ننسى ذلك.

 

هل كنت تتعلّم في مدرسة عامة بالولايات المتحدة وقمت بدور في مسرحية المدرسة أو خرجت في رحلات ميدانية أو تنافست ضمن فريق رياضي؟ هل كان لديك معلم مفضّل قام بتصميم منهجه الدراسي الخاص، لنقُل، حول الحرب الأهلية أو ساعدَك على إيجاد شغفك واهتماماتِكَ الخاصة؟ هل أخذت دروسًا لم تكن أكاديمية بذاتِها، لكنها مع ذلك فتحت عينيك على مناحي مختلفة من الخبرة البشرية مثل إصلاح السيارات؟ هل قمت بالاشتراك في مشاريع تطلّبت منك تخطيطًا وإبداعًا؟ إذا كانت إجابتك على أيٍ من هذه الأسئلة نعم، إذًا فأنت من المستفيدين بثورة جون ديوي التربوية.

 

طرح ديوي فلسفة التعليم التي غيّرت العالم في كتاب “الديمقراطية والتربية”، الذي تحل علينا هذا العام ذكرى مرور مائة عام على نشره. لاشك أن تأثير ديوي بعيد المدى، إلا أن أفكاره التربوية تعرّضت للهجوم على مدى جيل على الأقل. دشّن تقرير وزارة التعليم الأميركية “أمة في خطر” (عام 1983) صعود جبهة مضادة لأفكار ديوي، تحت الاسم المضلّل بعض الشيء لحركة “إصلاح التعليم”.

 

جاء التقرير مُحذّرًا من أن دولًا أخرى بسبيلها للتفوق على الولايات المتحدة في الثروة والنفوذ جرّاء “موجة انحطاط متنامية” تكتنف المدارس في الولايات المتحدة. وتكمن المشكلة، وفقًا للتقرير، في أن التعليم الأميركي يشبه “قطعة القماش المرقّعة؛ كونه غير متماسك وعتيق”. ترمي حركة إصلاح التعليم إلى إحلال هذا “الترقيع” –  الناتج في الأغلب عن مجالس المدارس المحلية والمعلمين والآباء – بنظام موحّد بدرجة أكبر ومبني على معايير قومية.

 

كثيرًا ما تزعّم اليمين السياسي الحملة المناهضة لإرث ديوي. في عام 1897، وصف ديوي “عقيدته التربوية” باعتبارها “فردانية” و”اشتراكية” لأنها ترى الحاجة لاحتضان المواهب والاهتمامات الفريدة لكل طفل وسط مجتمع يوفّر الرعاية والدعم. بالنسبة لكلٍ من مجتمع الأعمال والمحافظين ذوي القيم التقليدية، فشلت أفكار ديوي التربوية في تدريب العمال، وكذلك في غرس قيم ليبرالية، أو حتى اشتراكية.

 

ولنأخذ مثالين فقط على الأمر، فقد حاولت كلًا من غرفة التجارة الأميركية ومعهد Heartland؛ وهو مركز أبحاث محافظ يتلقى تمويله من تشارلز كوك، تطهير نظام التعليم الأميركي من عناصره التقدُمية. وعلى نحوٍ مُماثل، وقّع الرئيس جورج دبليو بوش عام 2002 قانون عدم ترك أي طفل دون تعليم، وهو إجراء مناهض لأفكار ديوي، إذ يفرض على الولايات تطبيق إصلاح تعليمي مبنيّ على الاختبارات.

 

كانت حركة إصلاح التعليم ناجحة، من ناحية ثانية، لأن الكثير من الديمقراطيين أيضًا فاعلين متحمسين فيها. في عام 1989، نظّم بيل كلينتون، وكان وقتها حاكم ولاية أركنساس، قمة التعليم في جامعة فرجينيا والتي بدأت عملية صياغة معايير تعليم قومية. وشجّع السيناتور تيد كيندي أعضاء الكونغرس الديمقراطيين على التصويت لصالح قانون عدم ترك أي طفل دون تعليم. في عام 2009، أشرفت إدارة باراك أوباما على برنامج المنح التنافسي “سباق نحو القمة“، والذي حفّز الولايات على تبنّي معايير الأساس المشترك في الرياضيات واللغة الإنجليزية.

 

في حين تدعم المرشحة الرئاسية هيلاري كلينتون مبادرة الأساس المشترك وبنود أخرى كثيرة لحركة إصلاح التعليم، مثلما هو الحال مع مرشحتها لوزارة التعليم ليندا دارلينغ-هاموند. واليوم، يرفع القليل من الديمقراطيين ذوي التوجه القومي صوتهم دفاعًا عن أفكار ديوي المثالية للتعليم التقدُمي.

 

لماذا يهمُنا الأمر إذن؟ يدفع التعليم التقدُمي الأطفال لمباشرة ومتابعة اهتماماتهم الخاصة والتعبير عن أنفسهم وسط مجتمعهم. في القرن العشرين، شاركت مجموعات الشباب تلك في الحركات المناهضة لحرب فيتنام والمدافعة عن الحقوق المدنية. هؤلاء هُم مَن أسّسوا منظمة السلام الأخضر وحركة طلاب من أجل مجتمع ديمقراطي، واستمعوا إلى فرقة البيتلز وحضروا مهرجان وودستوك، كما أسّسوا مجتمعات فنية ومحلات بقالة عضوية. ورغم أن ديوي لم يكن من أتباع ثقافة البيت أو الهيبيز ولم يكن هو ذاته شخصية عامة في تيار الثقافة المضادة، إلا أن فلسفته التعليمية شجّعت الشباب على المحاربة من أجل عالم يجد فيه الجميع الحرية والوسائل اللازمة للتعبير عن ذواتهم. إن حركة إصلاح التعليم لا تعني جعل الأطفال يخضعون لاختبارات ذات معايير موحدة فحسب؛ بل إنها تعمل على سحق الروح المتمردة التي تُمثل إزعاجًا في أغلب الوقت للنُخب السياسية والاقتصادية.

 

بالنسبة لمَن يرون أن الديمقراطية ينبغي أن تُصبح نمط حياة بدلاً من كونها محض آلية لاختيار القادة، وأن المدارس تقوم بوظيفة مدنية ضرورية بتعليم الأطفال كي يصبحوا بالغين مستقلين، فالوقت قد حان كي نستعيد رؤية ديوي التي قدّمها في كتابه الديمقراطية والتربية. يستعرض الكتاب رؤية ملهمة لأطفال يتعلمون التعبير عن شخصياتهم بطرق تُثري المجتمع. يُعلّمنا ديوي أن الأطفال يعرفون عن الديمقراطية برؤيتهم للمربّين والمواطنين يتّخذون قراراتٍ هامة داخل مدارسهم، بدلاً من اتّباع الأوامر الآتية من أعلى. كما يُريَنا أن دعاة التعليم التقدمي يمكن أن ينتصروا أحيانًا، حتى إذا كان الإصلاحيون يحظوْنَ باهتمام وانتباه الأغنياء والنافذين، مثلما هو الحال اليوم.

 

وُلد ديوي عام 1859 في مدينة بيرلنجتون بمقاطعة فيرمونت، وحصل على شهادة الدكتوراه من جامعة جون هوبكنز في بالتيمور، قبل أن يبدأ مسيرته الأكاديمية بشكل أساسي في مؤسستين: جامعة شيكاغو وجامعة كولومبيا في نيويورك. في بداية عمله، تصدّى ديوي لمشكلة التوفيق بين المثالية المطلقة والفلسفة الطبيعانية. من ناحية، شارك ديوي تطلّعات هيجل بتجاوز الانقسامات التي تفصل الفرد عن المجتمع، والعقل عن العمل، والعقل عن القلب. ومن ناحية أخرى، اعتقد أن عمل تشارلز داروين دفع الفلاسفة لإعادة التفكير في الافتراضات الأساسية، بما فيها إذا كان العقل ملكة خالصة أم وسيلة لوصف الذكاء البشري الذي يُبحر على نحوٍ ناقص في العالم المادي. جاء عمل ديوي في الفترة المبكرة من مسيرته المهنية مُكرّسًا للتفكير في أمر هذا التحدي من أجل بلوغ مَذهَب يُسمّى بأسماءٍ شتى؛ الذرائعية أو الوظائفية أو البراغماتية.

 

مع ذلك، وفي عام 1894، واجه ديوي مُعضلة أضفت غاية جديدة على عمله الفلسفي: اختيار مدرسة لأطفاله. في خطاب إلى زوجته أليس، كتب ديوي: “عندما تفكرين في الآلاف المؤلفة من الصغار الذين عمليًا يجري تدميرهم بطريقة غير متعمّدة، إن لم تكن متعمّدة، في مدارس شيكاغو كل عام، فالأمر كافي لدفعك لأن تخرجي إلى الهواء الطلق وتصرخي في الشوارع مثل جيش الخلاص“. بعد ذلك بوقت قصير، ساعد ديوي في افتتاح المدرسة المختبرية لجامعة شيكاغو حيثُ عملت أليس فيما بعد مُدرّسة وناظرة، والتحق بها أربعة من أطفاله. في السنوات الأخيرة، أقدم كل من أوباما، الذي كان سيناتور وقتها، وعمدة شيكاغو رام إيمانويل ووزير التعليم السابق آرني دونكان على إرسال أبنائهم إلى المدرسة المختبرية ذاتها.

 

بالنسبة لديوي، رغم ذلك، لم يكن من الكافي أن يضمن تلقّي أطفاله تعليمًا جيدًا. ودفع بأن مستقبل الديمقراطية في الولايات المتحدة متوقف على أن يتوفّر تعليم متكامل وذو طابع شخصي لكافة الأطفال وليس فقط لهؤلاء الأغنياء أو الأذكياء أو ذوي الحسب والنسب. يرى مذهب ديوي التربوي أن:

“التعليم هو الوسيلة الأساسية للإصلاح والتقدم الاجتماعي”.

 

يمكن للمدارس أن تعلم الطلاب والمجتمعات كيفية ممارسة الاستقلالية وجعل الديمقراطية حقيقة واقعة. وحتى أن اسم المدرسة المختبرية يشي بأن ديوي أراد للأفكار التي يجري تطويرها هناك أن تنتشر بين صناع السياسات والباحثين في التعليم. ما كان غير مقبولاً حينها هو نظام تعليم ذو مستويين يعزز الانقسام الطبقي والعرقي.

 

رؤية ديوي تلك وضعته في صراع مع أرباب الصناعة والإداريين الذين آمنوا بأن المدارس ينبغي لها بشكلٍ أساسي إعداد الغالبية العظمى من الأفراد لـ “سوق العمل”. في عام 1915، تبادل ديوي طرح الحُجج علانيةً على صفحات مجلة The New Republic مع دافيد سنيدن، مفوض التعليم لولاية ماساتشوستس.

ذهب سنيدن إلى أن المدارس ينبغي عليها تدريب الأطفال على نوعية الوظائف المحتمل أن يعملوا بها بعد تخرّجهم. ردّ ديوي بأن التعليم المهني لا ينبغي أن “يُؤقلم” العمال على الاقتصاد، بل أن يُعلّم الأطفال كيف تجري الأمور بحيث يُمهّدوا الطريق لديمقراطية صناعية. شرّع قانون سميث هيوز (1917) ومبادئ الكاردينال للتعليم الثانوي (1918) لسياسات وقوانين تبدو داعمة لرؤية سنيدن عن التعليم المهني للجماهير.

 

ربح ديوي والتيار التقدمي، رغم ذلك، امتيازًا حاسمًا من تيار التعليم المهني. إذ أراد سنيدن مدارس منفصلة لهؤلاء الذين يلتحقون بالجامعات عن هؤلاء الذين مصيرهم العمل في المزارع أو المصانع. ما جرى في النهاية، بدلاً من ذلك، هو أن المدارس العامة أضافت مطارح لصناعة الأخشاب وورش عمل لتعليم تكنولوجيا السيارات وأشياء من هذا القبيل. حققت تلك التسوية جزئيًا رؤية ديوي. على المستوى الفلسفي، سعى ديوي للتغلب على ثنائية العقل والجسد، وعلى المستوى التربوي، سعى للتقريب بين الفنون الحرة والتعليم المهني. رغم أن ديوي عارض ملاحقة ومطاردة الاطفال منذ صغرهم، إلا أنه أراد للمدارس أن تكون أماكن يلتقي فيها أطفال من خلفيات مختلفة وباهتمامات متنوعة، ويتحدثون لبعضهم البعض.

 

تركت فلسفة ديوي أثرًا عميقًا على التعليم الأميركي في منتصف القرن العشرين. أحد الأسباب أن كثير من الأفراد والمجموعات المؤثرة ناصرت أفكاره، بما في ذلك مَن في كلية المعلمين في جامعة كولومبيا، وكذلك في رابطة التعليم التقدمي، ووزارة التعليم الأميركية والجهات التعليمية في الولايات المختلفة. وصل نفوذ ديوي إلى ذروته خلال “الانضغاط الكبير“، تلك العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية عندما كان لدى الطبقة الوسطى القدرة للقول بأن ما هو جيّد لأبناء الأثرياء هو الشيء نفسه بالنسبة لأبنائهم. في كتاب الديمقراطية والتربية، تصوّر ديوي مدارس “مجهزة بمختبرات ومحال وحدائق، حيثُ القوالب الدرامية والمسرحيات والألعاب تُستخدم بكل حرية”. إذا وجدنا اليوم مدرسة عامة لديها صالة ألعاب رياضية أو ستوديو فني أو حديقة أو ملعب أو مكتبة، فهي إذًا صنيعة ديوي.

 

في عام 1985، كتب بعض الباحثين كتابًا تحت عنوان “المدارس الثانوية على نمط المراكز التجارية” ليسخروا من التوجه السائد في الولايات المتحدة بتقديم مجموعة واسعة من المساقات التعليمية، الكثير منها ذا صلة ضعيفة بالموضوعات الأكاديمية. بالنسبة لديوي، رغم ذلك، فالوجه الآخر للقصة أن المدارس والمجتمعات كانت تحاول إيجاد سبل لإشراك وجذب الأطفال. كما سوف نرى، لم يعتقد ديوي أن المدارس عليها ببساطة مُجاراة اهتمامات الأطفال الآنية. وفي نفس الوقت، عارض الجهود المبذولة لفرض منهج دراسي جاهز على الأطفال في جميع أنحاء البلاد – أو، بوضوح أكثر، على الأطفال الذين لا يُطيق آبائهم تحمُل إرسالهم إلى مدارس خاصة.

 

كتب ديوي “الديمقراطية والتربية” بناءً على محاضراته في كلية المعلمين. والكتاب، من ناحية فنية، كتاب دراسي، ويحوي نصائح مفيدة للمعلمين والإداريين. كما قال أن الكتاب “استغرق سنواتٍ عديدة كانت خلالها فلسفتي، كما كانت عليه، تتشكّل وتُفسّر بدرجة كبيرة”. وضعت فلسفة ديوي الأسس لمذهبه التربوي وضمنت أن كتابه لا زال يستحق أن يُقرأ بعد مُضيّ قرن على نشره، إلا أن أسلوبه الفلسفي أيضًا يفرض حاجزًا بين كثير من القراء والأفكار القابلة للتنفيذ. يمكن لنا التغلب بعض الشيء على هذا الحاجز عبر فحص معنى وأهمية إحدى الموضوعات الرئيسية لكتاب الديمقراطية والتربية، تلك الفكرة القائلة بأن المدرسة ينبغي أن تكون مثيرة للاهتمام بالنسبة للأطفال.

 

وفقًا لديوي، يدخل جميع الأطفال إلى حجرة الدراسة باهتمامات. “أن تهتم بالأمر يعني أن تكون يقظ، أن تعتني، أن تكون متنبّه”. يهتم الأطفال لشأن عائلاتهم وجيرانهم وحياتهم الخاصة. كما يمكنهم أن يصبحوا مهتمين بأمورٍ جديدة إذا توافرت الظروف المناسبة. لدى مفهوم ديوي عن الاهتمام نظير نجده في مفهوم هيجل عن الروح (Geist)، فكلا المفهومين يوجدان في صُلب كينونة المرء، ويُعبّران عن كيانٍ أوسع. لكن المرء لا يحتاج أن يكون باحثًا في الفلسفة المثالية الألمانية ليفقه مقصد ديوي بأن الأطفال المختلفين يصبحون “أحياءً” عندما يقومون بفعل أشياء معينة دونًا عن أشياء أخرى.

 

تصبح مهمة المعلم، وفقًا لديوي، هي ربط اهتمام الطفل هذا بالعملية التعليمية. “تكمن مشكلة التدريس في إيجاد المواد اللازمة لجذب الشخص إلى أنشطة معينة تحمل هدفًا أو معنىً أو اهتمامًا بالنسبة إليه”. يمكن للمعلمين توظيف تأملات ديوي عبر جلب أرنب أليف إلى حجرة الدراسة. وبينما يعتني الطلاب بالحيوان، ويشاهدونه وهو يثب حول الغرفة، يصبحون مهتمين بمجموعة من الموضوعات: مثل كيف تُطعم الحيوانات، وسُبل العناية الأنسب بها، ومهنة الأطباء البيطريين، وعلم الأحياء. فبدلاً من تدريس مواد بطريقة مجرّدة للأطفال الصغار، يجلب المُعلّم الحكيم المنهج الدراسي “ليصبح ملاصق لذهن التلاميذ”.

 

وفقًا لديوي، ينبغي على المعلمين أن يصقلوا الاهتمام الطبيعي للطالب من أجل ازدهار اهتمامات الآخرين. فمن الخطأ ترجمة الاهتمام باعتباره اهتمامًا ذاتيًا، لأن ازدهارنا وثيق الصلة بازدهار الآخرين. إن دور التعليم الديمقراطي هو مساعدة الأطفال على رؤية مصيرهم الشخصي بوصفه متشابكًا مع مصير المجتمع، أن يروا أن الحياة تصبح أكثر غنىً إذا حيينا بين الآخرين وهم يسعون لتحصيل اهتماماتهم. فالديمقراطية تعني “اهتمامات موزَعة بإنصاف”.  ينبغي أن يحظى جميع الأطفال – الأغنياء والفقراء والسود والبيض والذكور والإناث وهكذا.. – بالفرصة لاستكشاف وصقل اهتماماتهم. ينبغي للمدارس أن تكون المطرح الذي نجعل منه نموذجًا لمجتمع يؤلّف ما بين الفردية والشيوعية، ويسمح لكل طفل بإضافة صوته المميز إلى كورال المجتمع.

 

ما الشيء المثير للجدل في مفهوم ديوي عن الاهتمام؟ أحيانًا ما تشارك الجماعات اليمينية المتطرفة هذا الاقتباس عن ديوي: “الأطفال الذين يعرفون كيف يفكرون بالنيابة عن أنفسهم يفسدون تناغم المجتمع، وهو أمرٌ آتٍ، حيثُ سيصبح الجميع معتمدين على بعضهم البعض”. لا يوجد سند حقيقي لنسبة هذا الاقتباس لديوي، ولحسن الحظ، فهو يُنافي تطلُع ديوي لتحقيق توالُف أكبر بين أفراد ذوي إرادة قوية ومجتمع ديمقراطي، وليس سحق شخصية الطفل من أجل التماثل الاجتماعي. يجعل ديوي هذه الفكرة واضحة وضوح الشمس في مقالته “المدرسة والمجتمع” (1899)، حيثُ يُعلن ثورة كوبرنيكية في التعليم إذ “يصبح الطفل الشمس التي تدور حولها أجهزة وتطبيقات التعليم”.

 

هنا إذًا نفهم النواة المتفجرة لفلسفة ديوي في التعليم. فهو يُريد تمكين الأطفال ليفكروا بالنيابة عن أنفسهم ويتعاونوا مع بعضهم البعض. الغرض من الاهتمامات واسعة الانتشار هو هدم “حواجز الطبقة والعرق والانتماءات القومية” و”تأمين الإعداد المتساوي لكافة أطياف الأمة لمسيراتهم المهنية في المستقبل”. تخيّل عالمًا خالي من العنصرية أو التمييز الجنسي، عالم يحصل فيه جميع الأطفال على نفس نوعية التعليم التي يأمل الآباء الأكثر حكمة وغنىً بتوفيرها لأطفالهم، عالم يدرِّب العمال على مساءلة ما إذا كانت مصالحهم تُلبّى عبر الاستخدام والملكية الحالية لوسائل الإنتاج أم لا. ديوي هو الزعيم الروحي لحركة اليسار الجديد، الذي ألهمت كتاباته المعلمين وتغلغلت للمدارس، وأثارت ردود فعلٍ من هؤلاء الذين بغضوا تلك الرؤية السياسية.

 

إحدى الانتقادات المستمرة لفلسفة ديوي في التعليم هي أنها لا تُعرّف الأطفال بطريقة ملائمة على الحضارة الغربية أو التقاليد الصارمة للبحث العلمي. في مقالها “أزمة التربية” (1954)، تستهجن الفيلسوفة الألمانية حنا آرنت “إفلاس التعليم التقدمي”. ورغم أنها لم تُقدِم على ذكر اسم ديوي، إلا أنها أشارت إلى أن أفكاره “أطاحت على نحوٍ كامل، من يومٍ لآخر، بكافة التقاليد والمنهجيات الراسخة في التربية والتعلُم”. بعد ذلك بعقود، دفع المربي الأميركي إي دي هيرش في كتابه “محو الأمية الثقافية” (1987) بأن ديوي يُعدّ رومانتيكي على مذهب روسّو، يعتقد بأن الأطفال يمكن الوثوق بهم في أن يعلّموا أنفسهم كل شيء يودّون معرفته. ومع ذلك، وفقًا لهيرش، فإن “طرزان ما هو إلا محض خيال”، وما يحتاج الأطفال فعله هو تعلُم أفكار وحقائق مفتاحية عن ثقافتنا – والتي يضمّنها، بطريقة ملائمة، في ملحق مع كتابه. وفي الآونة الأخيرة، تدّعي مبادرة الأساس المشترك أنها تعالج مشكلة ميل المناهج الدراسية الأميركية لأن تكون “أكثر اتّساعًا بدرجة كبيرة وأقل عمقًا”.

 

كل هذه الهجمات على ديوي تشوّه فلسفته. لطالما تمسّك ديوي بالمثالية الأخلاقية لهيجل في التوفيق بين المتضادات من أجل تحقيق توالُف أكبر. في مقالته، “الطفل والمنهج الدراسي” (1902)، يفسّر لماذا من الأساسي الإبقاء على كلا الأمرين في أذهاننا عندما نقوم بتصميم وإدارة المدارس.

 

يؤمن ديوي بأن المربين بحاجة لتخيُل أنفسهم بعقلية الطفل، إذا جاز التعبير، من أجل تحديد كيف يبدأون رحلتهم التعليمية. “فالغاية إذ تصبح نابعة من الطفل، تُعينه على امتلاك الوسائل اللازمة لتحقيقها”. الكثير من الآباء الذين يذهبون مع عائلاتهم إلى متاحف الأطفال يتصرفون وفق هذه الفكرة. فالمتحف الجيد سوف يُعلّم الأطفال لساعاتٍ بدون حتى أن يعوا وينتبهوا لحالة التعلُم تلك. إن التسلق عبر المتاهات يمنح الأطفال فرص لحل المشاكل؛ والإبحار بمراكب عائمة في الأنهار الصغيرة يعلّم الأطفال أشياءً عن المياه والهيدروديناميكا؛ وتشييد بناء من الطوب ثم وضعه على سطح ما يعطي نبذة للأطفال عن العمارة: كل هذه الأنشطة تجعل من التعلُم مُتعة.

 

بالنسبة لديوي، رغم ذلك، من الضروري أن يأخذ المربّون بيد الأطفال في طريق المعرفة العلمية المتطورة في مواضيع عدة. فالمعلم الجيد سوف يضع شيئًا مُحفّزًا أمام الأطفال من شأنه استثارة خيالهم وإلهامهم لحل المشكلة التي يتناولونها. والهدف هو زيادة التحديات تدريجيًا بحيث يدخل الطلاب لما أسماه عالم النفس الروسي ليف فيغوتسكي في عشرينيات القرن الماضي “نطاق التنمية القريبة”، حيثُ يوسّعون ملكاتهم العقلية. وعند نقطة معينة، يتخرّج الأطفال من المتاحف ويلتحقون بمنهج دراسي أكثر انتظامًا. من الممكن أن يكون هناك خطوات وسيطة أو تكميلية – لنقُل، عندما يضعون خطة عمل، أو يتعلمّون الإبحار، أو يتدربون في مكتب مهندس معماري. في نهاية المطاف، يتحتم على المعلّمين الاعتماد على طرق تقليدية للقراءة وإلقاء المحاضرة والاختبار للتأكد من أن الطلاب يتعلّمون المواد المقدّمة.

 

وفي ختام مقاله “الطفل والمنهج الدراسي”، يدلّنا ديوي: “دع طبيعة الطفل تقرر مصيرها الخاص، لتتكشّف لك في شكل علم وفن وصناعة يحتضنها العالم الآن من تلقاء نفسه”. لقد كان لديه إيمانًا بأن طبيعة الطفل سوف تجد طريقها لتعبر عن نفسها في أسمى أشكال الدوافع البشرية وأن، على سبيل المثال، طفلاً في الحضانة لديه حس الفن ربما ينمو ليصبح رسّامًا بارعًا. يؤمن ديوي كذلك بأن التعبير عن الشخصية يميل لأن يؤدي إلى أنشطة نافعة على المستوى الاجتماعي. تلك المقولات لا تبررها التجربة بالضرورة. فأحيانًا يختار الأطفال الطريق الخطأ، وأحيانًا يسعى الأفراد المتعلمون جيدًا للانتفاع من مآسي الآخرين.

 

وبالنسبة لديوي، رغم ذلك، تتطلّب الديمقراطية خوض مخاطرة الاعتراف بأن جميع الأطفال، وليس فقط أبناء الأثرياء أو ذوي الحسب والنسب، يستحقون تعليمًا متكاملًا. يريد ديوي من المدارس أن تعلّم الأطفال أن يفكّروا بالنيابة عن أنفسهم ويتصرّفوا بطرق تنفع المجتمع. وهو يتصوّر مجتمع يمكن لكل فرد فيه التعبير عن نفسه بطريقة تُثري الجميع – بالطريقة التي تسخّر بها الفرقة الموسيقية مواهب أعضائها أو مثلما يصبح حفل العشاء أكثر متعة عندما يجلب الكثير من الناس طعامهم الخاص. ألهمت رؤية ديوي أجيالًا من المعلمين والآباء، وشكّلت سياسة التعليم لبضعة عقود. ستكون مأساة لمدارسنا، وديمقراطيتنا، إذا تخلّينا عن هذه الرؤية لصالح أخرى بائسة لنموذج تعليمي قائم على اختبارات ذات معايير موحدة.

 

بالنظر حولك إلى المشهد السياسي المعاصر، من السهل أن تصبح قانطًا حيال آفاق التعليم التقدمي. تتّفق النخب السياسية والاقتصادية على العناصر الرئيسية لما يسمى بإصلاح التعليم. وقد قاتل الآباء والمعلمون بدورهم، إلا أنهم لا يملكون تقريبًا نفس العلاقات السياسية أو القدرة الاقتصادية.

 

يزوّدنا ديوي كذلك بإرشاداتٍ لكيف يمكن للتقدميين أن يحققوا انتصاراتٍ في سياسة التعليم. لا يزال يؤمن الأميركيون في الديمقراطية كمثال أعلى. لا يهم حجم السُلطة التي يكتسبها إصلاحيو التعليم على رأس النظام السياسي، فهُم لا يزالون بحاجة لدعم من الجماهير لترسيخ تلك الإصلاحات. فقد أنفقت مؤسسة بيل وميلندا غيتس، على سبيل المثال، ملايين الدولارات في محاولة منها لتوفير الدعم لمبادرة الأساس المشترك، رغم أن استطلاعات الرأي العام تُظهر خيبة أمل واسعة من هذه المعايير. برغم أموالهم وسُلطتهم، فإصلاحيو التعليم يشعرون بالخوف من الحركة التي يقودها الآباء الرافضة للاختبارات الموحدة لمبادرة الأساس المشترك. وهم على حق في شعورهم.

 

يوضّح لنا ديوي أن التطلعات إلى الديمقراطية لا تزال ذات وزن. فنحن ننفر من فكرة أن بعض الأطفال يستحقون تعليمًا أفضل من آخرين بسبب الوضع الاقتصادي أو السياسي لآبائهم. لن يقول أحدهم بوجهٍ مكشوف أن الأطفال الأثرياء ينبغي أن يتربّوا من أجل أن يقودوا، بينما ينشأ الأطفال من الطبقات المتوسطة أو الدنيا لينقادوا، أو أن نوعية التعليم المتوفرة في أفضل المدارس الخاصة في الولايات المتحدة ينبغي أن تبقى امتياز حصري لهؤلاء المولودين بملاعق فضية في أفواههم. “ما يصبوا إليه أفضل وأحكم الآباء من أجل أطفالهم، هذا هو ما ينبغي أن يطلبه المجتمع لجميع أطفاله. أي مَثَل آخر لمدارسنا سيكون محدود وغير مُحبّب؛ وبتطبيقه سوف تنهار ديمقراطيتنا”. تقف كلمات ديوي اليوم حقيقية مثلما كانت منذ قرنٍ مضى. في وجه الاعتداء الضاري لحركة إصلاح التعليم، يتحتّم علينا القتال لتحقيق رؤية ديوي بمدارس عظيمة توفّر الأساس لديمقراطية حية.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك