قصة مدرسة راهب التبت – الجزء الأول-

9 يونيو , 2017

مقال مترجم عن مقال How a Tibetan monk brings free education to herdsmen’s children with cheese revenue, govt funding

جذبني ذلك المقال المنشور على صفحة إحدى صديقاتي والذي يتحدث عن راهب استطاع خلق تجربة تعليمية مختلفة في التبت.
علق أحد أصدقائها أنه استطاع مقابلة الراهب بنفسه والتحدث معه عن تجربته، وهو مستعد للتواصل معها إن رغبت في ذلك، سألتهم إن كان بإمكاني ترجمة هذا المقال المميز للعربية، ففاجئني الولد بمراسلتي بعنوان الراهب لسؤاله عن الأمر، وبالفعل قمت بذلك، ووصلتني الإجابة سريعة بالموافقة من قِبله، وأعرب لي عن سعادته البالغة لترجمة مقاله إلى اللغة العربية، “لُغة أحلامه” على حد وصفه وتعبيره، كما قام بعرض مساعدته في حال واجهتني أي مُشكلة في الترجمة حول الخلفية الثقافية أو المصطلحات المُستخدمة.
في بداية رسالتي خاطبته بلقب السيد “تشو” وهو الاسم الذي استخدمه في كتابة مقاله، فطلب مني أن أخاطبه باسمه الإنجليزي مباشرة وهو “جوي”، ليكشف لي صديقي الوسيط بعد ذلك عن سر هذا التحول في الاسم في قصة راهب التبت الذي سافر وراء حبيبته إلى الصين واستقر في بلدتها وهُناك كانت البداية.


كيف استطاع راهب التبت توفير التعليم المجاني لأولاد الرعاة بعائدات الجُبن والتمويل الحكومي؟

بقلم: تشو يو

على مدى عشرين عامًا، اكتشف راهب التبت في مقاطعة تشينغهاي طريقة جديدة لمزج أسلوب التعليم التقليدي والتعليم الحديث لفتح آفاق جديدة لأطفال الرعاة الفقراء، لتظهر قصة نجاحه كيف يمكن للمجتمع المحلي أن يُحسن من نفسه من خلال المسؤولية الاجتماعية وأفكار المساواة والعمل الجاد.


“كل جبل مقدس، كل نهر مقدس، كل بحيرة مقدسة، وفي كل جبل تحيا النفوس المُقدسة”

 مقولة تبتية شهيرة

 

يقع جبل “أني جونجكون” في محافظة “غولوك” التبتية على بعد 400 كيلومتر، أو ثماني ساعات على طريق جبل من “شينينغ” عاصمة مقاطعة تشينغهاي. وعلى عكس الجبال الأخرى على هضبة تشينغهاي، يبدو هذا الجبل قاس وهاديء ومقفر، ولكن لا يزال يملك روحه الخاصة.
تعني كلمة “أني جونجكون” في اللغة التبتية الطيور الكبيرة التي تنشر جناحيها، وبالفعل كانت لديه أجنحة ظاهرة وهو يقف أمام النهر الأصفر المُتدفق، والحجاج قادمون للصلاة في دير العجوز راجيا البالغ من العُمر 240 سنة.


في الفجر، عندما تسقط أشعة الشمس الأولى على السقف الذهبي للدير، يصدح الرهبان بالأناشيد المنسجمة مع صوت الأجراس، وعلى بعد 300 متر من الدير، هُناك في حرم مدرسة “جيغمي جيالتسن” الاجتماعية، يجلس الطلاب -رُهبان ومُتعلمين على حد سواء- في فصولهم الدراسية، بينما يقف الراهب التبتي وناظر المدرسة ذو الـ 49 عام “جيغمي جيالتسن” في وسط الحرم المدرسي ليحي الطلاب.

“سانجي! واظب على دروسك، كُن أكثر انضباطًا”
“رينج دان، هل أنت على ما يرام؟ تأكد من أن تحافظ على تدفئتك”
“جي سانغ، كيف حال والدك؟ هل هو بخير الآن؟”

يعرف “جيغمي” أسماء جميع الطلاب، من أين يأتون، وما هي مشاكلهم، ومقدار الصعوبات التي واجهوها للالتحاق بالمدرسة.

 

المعرفة يُمكن أن تتحول

في شهر سبتمبر من كل عام، يأتي الآلاف من المُتقدمين للمدرسة، برفقة والديهم من مناطق مختلفة من تشينغهاي، والتبت، وسيتشوان، وقانسو، ومنغوليا الداخلية، حيث يسافر البعض منهم آلاف الكيلومترات لينتظر أمام البوابة الرئيسية للمدرسة.

تتلقى المدرسة حوالي 1000 طلب سنويًا للالتحاق بها، ولكن يتم قبول 200 طالب فقط في كل عام، والشرط الوحيد للقبول هو على أساس “من يأتي أولًا” دون أي استثناءات، حتى أن أحد أقارب مدير المدرسة أنتظر لمدة 3 سنوات حتى استطاع الالتحاق بها.
قبل عشرين عامًا تأسست المدرسة بمبلغ 3000 يوان (480$) هي قيمة مُدخرات “جيغمي” و 130,000 يوان من القروض، وعمل وحده كمُعلم لـ 80 طالب، والآن لديه أكثر من 900 طالب و 38 مُعلمًا، ثُلثتهم من رهبان التبت البوذيون، ولا توجد أي مصاريف للالتحاق بالمدرسة، والإقامة مجانية.
يقول “جيغمي” لـ جلوبال تايمز “بدأت المدرسة بناءً على فكرة أن التعليم للجميع، لقد كان هُناك العديد من أطفال الرعاة بدون فرصة للتعليم. هدفي كان إنه من خلال تعلم المواضيع التقليدية والحديثة، سوف ترفع المعرفة من قدرنا وتغيرنا”.


أصغر طالب في المدرسة يبلغ من العمر 6 سنوات، بينما أكبرهم في الـ 42. يقول جيغمي: ” أنه عندما يتعلم الصغار والكبار ويعيشون معًا، سيقوم الصغار بتعلم الكثير من الأمور من الطلاب الأكبر سنًا. سيناقشون المواضيع بحرية ويحصلون على الإلهام من بعضهم البعض”.

 

صحوة العقول

بجانب العديد من الدورات التعليمية التقليدية في الرياضيات والفيزياء واللغة الصينية والإنجليزية وتكنولوجيا الكمبيوتر والموسيقى، تقوم المدرسة بدمج جوانب من الثقافة التبتية التقليدية في المناهج مثل المنطق البوذي، وتقنيات النقاش، والكلاسيكية التبتية، والطب التبتي، ورسوم التانكا، والتصميم المعماري التقليدي.

المنطق البوذي (هيتوفيديا) في النقاشات هو مفتاح نجاح المدرسة، ويتم تطبيق أساليب النقاش العقلاني البوذي في جميع التخصصات الأكاديمية في المدرسة.

يقضي الطلاب يوميًا مدة تتراوح من 30 إلى 40 دقيقة في فترة ما بعد الظهر في مناقشة معارفهم المكتسبة حديثًا مع زملائهم ومُعلميهم.

“النقاشات مفيدة للغاية في تلخيص ما قُمنا بتعلمه في خلال اليوم، وتساعدني على تعزيز معرفتي والاستفسار بشكل أكبر وأعمق” يقول جينغ دينج زونجشي، أحد طلاب المدرسة.

ويضيف زيشي جياكو نائب مدير المدرسة: “التعلم الرهباني التبتي لا يحث على التلاوة والحفظ فقط! بل يشجع على التفكير الإبداعي كذلك. فنقوم بتشجيع الطلاب على النقاش مع زملائهم ومعلميهم، لأن النقاشات توقظ عقول الطلاب”.

في كل خميس يقام مهرجان في الحرم المدرسي، حيث يقوم الطلاب والمعلمين بارتداء الجلباب التيبتي التقليدي، وتقام مسابقات في الشعر والدين والرياضيات والقانون والعلوم.

يقدم طلاب صف اللغة الإنجليزية مسرحية، في حين يقرأ البعض قصائد الشعر الصينية، ويتم استعراض جزء بسيط من الملحمة التبتية الكلاسيكية “الملك جيزار”، بجانب بعض المنافسات في الخط التبتي والرسم.

وتعليقَا على هذا الأمر، ذكر خبير التعليم يانج دونج بينج على مدونته الخاصة:

“يُمثل النقاش البوذي والمسابقات الأسبوعية انفتاح المعرفة، وتحرير الإبداع، وهو مزيج أصيل من مزايا التعليم التقليدي والحديث، ويهدف لتشجيع الطلاب على اكتساب الوعي الذاتي والإبداع والقوة”.

 

المدير على ضفة النهر الأصفر وفي الخلفية الحرم المدرسي

عمل من الحُب

في حين أن العمل الأكاديمي يدرب العقل، تُؤدي التحديات التي تواجهها المدرسة، الطلاب والمعلمين في الكثير من الأحيان إلى تجربة الأعمال البدنية الجيدة.

حيث أنه لا يمكن الاعتماد على الصنابير كمصدر للمياه المتجددة للمدرسة طوال العام، يقوم الطلاب والمعلمين بنقل المياه من النهر الأصفر في فصل الشتاء، وتصبح مادة التدفئة الرئيسية هي روث البهائم الجاف الذي يقومون بجمعه من على الجرف.

يقول مدير المدرسة: “مواد البناء باهظة الثمن، وتكاليف وأجور العمال مرتفعة، وكنا بحاجة إلى إصلاح الطريق الترابي في كل مرة تتساقط فيها الأمطار.

كل شجرة هُنا مزروعة بيد الطلاب، وقام المعلمين والطلاب سويًا ببناء الجدار والطُرق”.

بتوجيه من مُعلميهم قام الطلاب ببناء مدرستهم، فإذا كان هُناك طريق بحاجة للإصلاح يتحول المكان لمعمل من الحب، وابتداءً من الصباح الباكر يقوم الطلاب الأصغر سنًا بتنظيف الطُرق وزرع الأشجار، ويقوم الأكبر سنًا بتحريك الحجارة وأعمال البناء”.

وفي أثناء العمل مئات من الأغاني يتم غنائها، في خلال العمل الشاق يغنون الإيقاعات المتفائلة الممزوجة بكلمات عن سباق الخيل والرعي، وأثناء فترة الاستراحة، يدندنون إيقاع بطيء عن منازلهم، والمروج والجبال ومُعلميهم.

عند هذا الحد المُفعم بالحُب وروح الإخاء والتوحد مع الطبيعة، نتوقف عن الحكي في الجزء الأول من قصة مدرسة راهب التبت، ونستكمل سويًا في مقال قادم الجزء الثاني والأخير من هذه القصة الرائعة عن التعلم، والحياة، والحُب.

 

المصدر
How a Tibetan monk brings free education to herdsmen’s children with cheese revenue, govt funding



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك