كيف تؤثر التكنولوجيا على الدماغ؟

2 ديسمبر , 2015

أثبتت دراسات علمية أن الاستعمال المكثّف للإنترنت يقوم بالتأثير على ذاكرتنا وانتباهنا.

“هل يجعلنا الإنترنت أغبياء؟” هو عنوان إحدى أكثر الكتب مبيعًا للكاتب الأمريكي “نيكولاس كار” المهتم بالشأن التكنولوجي. ومن خلال اعتماده على أبحاث علمية أنجِزت في الولايات المتحدة الأمريكية، يبيّن “نيكولاس كار” كيف أن استعمال الإنترنت أحدث “ثورة” في أدمغتنا.
بما أن الدماغ بلاستيك، فمن الواضح أنه قد تأقلم مع الاستعمال المكثف للتكنولوجيات الحديثة، كما فعل في السابق مع اختراع الكتابة أو مع تطوّر القراءة.
قامت الأدوات التكنولوجية الحديثة بتغيير طريقة عمل ذاكرتنا، انتباهنا، وبشكل أعمق ذكاءنا وطريقة فهمنا وتفكيرنا في العالم. وبالتالي، حسب الكاتب نفسه، فإن مواليد العصر الرّقمي سيكونون نموذجًا لهذا التّحول (مُتحوّلين حقيقيين).

للإنترنت تأثير على الذاكرة

أثبتت الدراسات الحديثة في علم الأعصاب أن الروابط العصبية تتغير بشكل مستمر حسب التجارب التي نعيشها، وأيضًا الأدوات التي نستعملها.
أثبتت دراسة قامت بها “بيتسي سبارو” من جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأمريكية (تمّ نشرها في مجلة “Science ” و “La Recherche ” الفرنسيتين في صيف 2011) أن الإنترنت له تأثير على ذاكرتنا.
عندما نطرح أسئلة صعبة على الطلبة، على سبيل المثال، يبحثون مباشرة عن الأجوبة على محرك البحث “غوغل”؛ والأهم من ذلك أنهم ينسَون بسرعة تلك المعلومات التي يجدونها، وذلك ببذل جهد بسيط يسمح لهم بالتأكد من أن هذه المعلومات مُخزنة في ذاكرة الأجهزة الرقمية التي يستعملونها. إنهم يعتمدون إذن على الذاكرة الخارجية لتعويض ذاكرتهم.
هل تشكل هذه الظاهرة خطراً على خصائص ذاكرتنا؟ هذا ما يخشاه “فرانسيس أوستاش” الذي هو مدير وحدة بحث حول الذاكرة بالمعهد الوطني للصحة والبحث الطّبي بفرنسا.
“إننا نتجه دومًا نحو التخزين في الذاكرة الخارجية: المحيط ، الكتب.. ولكن مع الإنترنت أصبحنا نشهد ثورة أكبر من ثورة الآلة الطابعة، لأن استعماله أصبح كثيفًا وسهلًا . أصبح من الممكن أن تتغير الروابط العصبية في أدمغتنا. والخطر في الواقع هو أن الذاكرة ستقوم بتحليل المعلومات بشكل سطحي. لكن الذاكرة تعمل عن طريق التركيبات الدائمة، ولكي تنجح هذه التركيبات يجب أن يتم تحليل المعلومات بشكل عميق، أي أن يتم دمجها. هُنا يؤكد “فرانسيس أوستاش” على ضرورة مواصلة التعلم، وكذلك الحفظ. لأجل بناء هذه النواة الصلبة التي تضم المعارف التي نملكها”.

القراءة الجزئية على حساب القراءة الخطّية

من جهة أخرى، يُعوّد الإنترنت على القراءة بشكل جزئي على حساب القراءة بشكل خطّي، مما يؤثر سلبًا على الفهم ويُشتت الانتباه. لذلك نجد أن عددًا كبيرًا من الطلبة يعانون حاليًا من مشاكل أثناء قراءة نصوص طويلة. لقد تعوّدوا على القفز من صفحة إلكترونية إلى أخرى، مع العديد من النوافذ الإلكترونية المفتوحة على شاشاتهم، وبالمقابل فإن هذا يساعدهم على تطوير خاصية القيام بعدة مهامّ في الوقت نفسه: كتابة رسائل قصيرة أو التواصل على الفيسبوك وفي نفس الوقت العمل على الواجبات الدراسية ومشاهدة التلفاز.
قام عدد كبير من الدراسات بدحض أسطورة “تعدّد المهام” : “لا يمكننا القيام بعدة أشياء في الوقت نفسه وإنجازها بشكل جيد. إلاّ إذا تعلق الأمر بسلوك أوتوماتيكي جدًّا”.يؤكد “جون – فيليب لاشو”، مدير الأبحاث في علوم الأعصاب بمدينة ليون الفرنسية. ويقصد بفعل أوتوماتيكي جدًا أن نقوم بتغيير السّرعة في السيارة مثلًا في الوقت الذي نقود فيه.
“لكن من الصعب جدًا القيام بشكل جيد بنشاطين مُعقّدين. بإمكاننا كتابة نصّ في الوقت الذي يُمليه علينا شخص آخر، أو أن نقرأ نصًّا آخر، في الوقت الذي نمارس فيه الرياضة. ولكن يبدو أننا لن نستطيع تطوير قدرة عامة على “تعدد المهام” : لُدونة الدماغ لديها حدود… ”

طوفان غير عادي من المعلومات

تجعل الهواتف الذكية أدمغتنا خاضعة لطوفان غير عادي من المعلومات. وهو الأمر الذي يطرح مشكلًا آخر عليه، يؤكد “جون-فيليب لاشو”. ويمكن أن يغير طريقة عمل بعض دوائر الدماغ، خصوصًا لدى الأطفال.
يشرح الاختصاصي “لاشو” أن وظيفة الدماغ هي اختيار المعلومات الأكثر أهمية. وعملية الاختيار هذه تحدث في نظامين بداخل الدماغ، حسب خصائص مختلفة، أحدها يقوم بتقييم النتائج الإيجابية للمعلومات على المدى البعيد، والآخر يقيس الإشباع أو الرضا على المدى القريب.
كما يعتقد “لاشو” بشدّة أنه بداخل دماغ لا يزال في طور النمو، ومتعود على التقديرات الآنية، فإن نوعًا من الانحياز سيكون لفائدة النظام الذي يقوم بتقييم مدى الإشباع على المدى القريب، على حساب أنشطة أخرى أكثر أهمية.
بهذه الطريقة يمكننا أن نصبح أكثر ارتباطًا بهواتفنا الذكية، مع الحاجة لاستعمالها بشكل متواصل.
“من الضروري تربية الأطفال على أساس تعليم الدماغ كيفية ترتيب الأولويات والتركيز على النشاط الأكثر أهمية: مثل نصّ يحاولون قراءته”.
بالرغم من ذلك، فإن التكنولوجيات الحديثة ليست لها تأثيرات سلبية فقط. ممارسة ألعاب الفيديو والأبعاد الثلاثة تطور القدرة على التّموقع في الفضاء، وتطوّر ردود الأفعال، الربط بين عمل اليد والعين…
هُنا يؤكد عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي “إيف كوبينز” على أهمية الذكاء الرقمي أو “ذكاء الأصابع” لدى أطفال اليوم.

الشباب أفضل تَسلّحًا لمواجهة عالم السّرعة

بدأ جيل الشباب في التحرك أمام المقولات التي لا تكف عن توقّع ميوعته. في كتابه “مديح السّرعة – انتقام جيل الرّسائل النّصية القصيرة”، يثبت “رفيق صماتي”، 36 سنة، مدير مجموعة “Internet Aventers ” كيف أن شباب هذا الجيل الجديد الذين غالبًا ما ينعتون ب”غير المثقفين”، أفضل تسلّحًا في مواجهة عالم السّرعة والحركة.
سيكونون بالنسبة إليه، أكثر سرعة في رد الفعل، أكثر قدرة على اتخاذ القرارات، وأكثر إبداعًا.
“إن أبناء هذا الجيل، الذين يكتبون بلغة الرسائل النصية القصيرة، يفكرون أيضًا بنفس اللغة: إنهم يطورون عقلًا تحليليًا، وقادرون على تحليل أكثر من موضوع في وقت واحد؛ يتعمقون قليلًا فقط، ولكنهم يربطون الأفكار ببعضها البعض بطريقة جديدة كُلّيًا… إن الدماغ البشري في طريق التأقلم، وهذا جيّد جدًّا”.
يبدو عالم الأعصاب “جون روسيي”، عضو أكاديمية العلوم، واثقًا أيضًا : “يجب علينا تقبّل لُدونة الدماغ. عازفو الغيتارة، لاعبو كرة السّلة، أو لاعبو كرة التنس لا يملكون الدماغ نفسه. ولا حتى الأفراد الذين وُلدو مع الأدوات الرقمية. شباب اليوم يتعلمون ويفكرون بطريقة مختلفة. هل هذا جيد، أم سيء؟ أعتقد أنه لا يجب علينا دقّ ناقوس الخطر”.

التكنولوجيات الحديثة وعلوم الأعصاب لم تقُولا بعد كلمتهما الأخيرة

مثلما التكنولوجيات الحديثة وعلوم الأعصاب لم تقولا بعدُ كلمتهما الأخيرة، فإن عملية جمع المعلومات لن تتم فقط عن طريق لوحة المفاتيح والأصابع.
“توجد مُسبقًا أنظمة إلكترونية تسمح بقيادة آلات – كراسي الأفراد ذوي الاحتياجات الخاصة مثلًا – عن طريق استعمال عضلات البشرة؛ أو التي تسمح للمرضى المصابين بالشلل بتحريك مؤشّر الفأرة على شاشات حواسيبهم.
حاليًا، في الولايات المتحدة الأمريكية، تمكن باحثون من أخذ المعلومات مباشرة من الدماغ. لم يعد هذا من الأفكار المرتبطة بالمستقبليات فقط: يمكننا تخيل عملية أخذ معلومات مباشرة من القشرة المُخّية وتحويلها إلى كلمات”.
ولكنه يظل متفائلًا حول قدرة الإنسان على التحكم في الآلة، رغم أنه بلا شك، سيقوم بتمكين الآلة من جزء كبير جدًا من دماغه.

المقال الأصلي



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك