كيف تساعد التمارين الرياضية العقل على العمل بشكل أفضل؟

23 أكتوبر , 2017

بدأت مؤخرًا الاهتمام بشكل أكثر جدية بالرياضة وممارستها في سبيل لتخطي حالة الجمود التي أصابت أجسادنا نتيجة لاعتمادنا الكامل على التكنولوجيا والأجهزة الحديثة في التواصل، وإيمانًا مني بأن الرياضة والنشاط البدني عمومًا يساهم بشكل كبير في صناعة الذكاء وتطوير الفكر، لذلك قُمت بترجمة هذا المقال الممُيز عن تأثير التمارين الرياضية على العقل، وتطوير أدائه للعمل بشكل أفضل، لعله يكون دافع أكبر للقارئ على إدراك أهمية ممارسة الرياضة ليس فقط لأطفالنا في المدارس، بل للكبار كذلك الذين يعتقدون بأن القطار قد فاتهم، لا يُهم أن تصبح بطل رياضي، ولكن من المُهم أن نحيا بصحة جيدة وعقل يقظ!

المقال الأصلي: How physical exercise makes your brain work better

 

كيف تساعد التمارين الرياضية العقل على العمل بشكل أفضل؟

مقال مُترجم عن موقع الجارديان البريطانية للكاتب: بن مارتينوجا


عادة ما يوصف العقل بأنه كالعضلات، في مقارنة تدعم صناعة الذكاء عن طريق التمارين العقلية التي تُبقي الأطفال وطُلاب المدارس جلوسًا على المكاتب.
ونُطلق الأحكام على القراءة والكتابة والحساب بأنهم أكثر فائدة للعقل من ممارسة الرياضة والجري واللعب والتعلم بهذا الأسلوب المختلف.
لكن هذا الوصف لا يعبر بشكل جيد عن الحقيقة، فلكي تخلق عضلة ذات رأسين قوية لا يمكنك تجنب ثنيها، وعندما يتعلق الأمر بالدماغ، فهذا النهج لديه تأثير فعّال بشكل مدهش، وبشكل أكثر توضيحًا، فإن تمرين العضلات يمكنه أن يفيد المادة الرمادية في الدماغ حقًا.

وأظهر العلماء أن العدو السريع واليوجا لديهم تأثير عميق على الدماغ، وعلاوة على ذلك فإن بعض الأنشطة البدنية يُمكنها أن تُحدث تغيير ملحوظ في هيئة الدماغ بطُرق دقيقة.

وقد اكتشفت موجة كبيرة من الأبحاث روابط غير متوقعة بين اللياقة البدنية والعقلية، هذه الأبحاث من شأنها أن تمنحك الدافع الأكبر لكي تصبح أكثر نشاطًا، وكذلك تساعدك على اختيار أفضل الطرق للتحضير جسديًا كي تتمكن من خوض التحديات العقلية مثل الاختبارات والمقابلات والمشاريع الإبداعية.

 

تعزيز الذاكرة

أكثر الأجزاء استجابة لممارسة التمارين الرياضية في الدماغ هو “الحصين”، وأظهرت التجارب على الأطفال والبالغين وكبار السن، أن هذا الجزء ينمو كلما أصبح الإنسان أكثر لياقة بدنية، وحيث أن الحصين يقع في قلب الأنظمة المسؤولة عن الذاكرة وأنظمة التعلم في الدماغ، فهذا الاكتشاف يفسر جزئيًا كيف أن تحسن الذاكرة يؤثر على تحسن صحة القلب والأوعية الدموية.

وفضلًا عن تحسين الذاكرة بشكل بطىء، فإن ممارسة الرياضة يمكنها أن يؤثر على شكل الذاكرة الخاصة بك، فقد أظهر الباحثون الألمان أن المشي أو ركوب الدراجات أثناء -وليس قبل- تعلم اللغات، ساعد على حفظ المفردات الأجنبية بشكل أفضل، لذلك يُمكنك أن تمارس التمارين أثناء المراجعة، ولكن احذر أن تدفع نفسك للدرجة القصوى في التمرين، حتى لا تُحدث تأثير عكسي، لأن التمارين النشطة يُمكنها أن ترفع من مستويات التوتر، مما قد يؤثر على قدرات ذاكرتك في هذا الوقت.

 

تحسين التركيز

إلى جانب كون ممارسة الرياضة قادرة على جعل ذاكرتك أكثر قوة، فبإمكانها كذلك مساعدتك على التركيز والبقاء في حال انتباه لإنهاء مهامك.
أفضل الأدلة العلمية التي تؤكد هذا الأمر هي التي تأتي من نتائج اختبار طلاب المدارس، ولكن الأمر يمكن تطبيقه علينا جميعًا كذلك.

هذه الاختبارات التي تمثلت في دروس تعليمية تخللتها 20 دقيقة من التمارين الرياضية، أظهرت تركيز أعلى من الطلاب في المدارس الهولندية، وفي الوقت نفسه كانت هناك هذه التجربة ذات الشواهد العشوائية الكبيرة في الولايات المُتحدة الأمريكية عن أثر التمارين الرياضية بعد اليوم الدراسي على الطلاب لمدة عام دراسي كامل.
بالتأكيد أصبح الطلاب أكثر صحة ولياقة بدنية، ولكن لوحظ كذلك تحسن مهاراتهم الإدارية والقدرة على التحكم أكثر بها، وزيادة الإبداع، والتمكن من تجاهل المشتتات، وتعدد المهام، وحفظ وإدارة المعلومات في عقولهم.

وإن بدا في الأمثلة السابقة أن الأمر يحتاج لمجهود كبير من التمارين الرياضية للوصول لهذه النتائج، فإليك هذا المثال الأخير مع مجموعة من المراهقين الألمان الذين تحسن انتباههم نتيجة لـ 10 دقائق فقط من الألعاب المهارية المنظمة، مثل الحفاظ على اتزان كُرتين في نفس الوقت.

 

تحسين الصحة العقلية

سواء أحببت الأمر أم كرهته، الحقيقة أن التمارين الرياضية لديها تأثير قوي على مزاجك الشخصي، فهذا الشعور بالسعادة بعد قضاء وقت طويل في التمارين الرياضية مثل الركض السريع هو حقيقي! حتى الفئران تشعر به.

قد لا يرجع هذا الأمر إلى “تدفق الإندورفين” وهو أحد المواد التي تساعد على تخفيف الآلام والإجهاد وتعطي شعور بالراحة والتحسن، على الرُغم من أن معدلات “الأفيون” الناتج من الجسم ترتفع في مجرى الدم، لكن ليس من الواضح كمية “الإندروفين” التي يستقبلها الدماغ حقًا، وتشير الأدلة العلمية الحديثة إلى أن الشعور بالسعادة وتخفيف الآلام يُطلق نظام “إندوكانابينويد” المُخدر في الجسم.

هذا عن التمارين الرياضية المعتادة، ولكن ماذا عن اليوجا؟
هل تساعد حقًا في تخفيف الإجهاد الناتج عن الضغوط؟

عندما ترتفع معدلات التوتر في جسدك، تتسارع نبضات قلبك، ويقل تركيزك إلى حد كبير، وتتحول إلى وضعية “القتال أو الفرار” بشكل تلقائي، ولكن هذا الأمر لا يعني أنك تصبح فاقد للسيطرة تمامًا على نفسك.

تُساعد اليوجا في هذا الشأن حيث تُعلم التحكم والإدارة المتروية للحركة والتنفس، وذلك بهدف تشغيل حالة الاستجابة للاسترخاء في الجسم، ويدعم العلم هذا الادعاء بشكل متزايد، فعلى سبيل المثال في سنة 2010 قامت إحدى الدراسات بوضع المشاركين لمدة 8 أسابيع في ممارسة يومية لليوجا والتأمل، وعلى مدار الدراسة قلت نسبة الإبلاغ عن الإجهاد، وأظهر مسح للدماغ، انكماش حجم اللوزة، وهي بنية عميقة في الدماغ تساعد بقوة في معالجة الإجهاد والخوف والقلق.

بجانب كل هذا، تُعد التمارين الرياضية وسيلة واعدة للتغلب على الاكتئاب، فقد أفاد تحليل تلوي في سنة 2013 أن تمارين “الأيروبكس والمقاومة” كانوا “فعّالين إلى حد ما” في علاج أعراض الاكتئاب، والمثير للذهول أن ممارسة التمارين الرياضية تبدو في نفس فعالية الأدوية المضادة للاكتئاب والعلاجات النفسية، وأخبر العاملين على الدراسة بأن هذه النقطة تحتاج تحقيق واهتمام بالغ.

 

تنمية الإبداع

ثورو، ونيتشه، وغيرهم من المُبدعين ادعوا أن المشي هو من يمنح الأجنحة للخيال، وفي العام الماضي قدّم علماء علم النفس الدعم لهذا الادعاء.
المشي سواء في حلقة مُفرغة أو على مشاية إلكترونية، وحتى في بيئتك المُحيطة

يُعزز عملية التفكير المتباينة، وتوليد الأفكار، والشرود الحُر، والذين يُعدوا من عوامل التفكير الإبداعي، ولكنه لم يساعد كثيرًا في عملية التفكير المتقاربة، لذلك إن كنت تكافح من أجل الأفكار والحلول المختلفة للمشاكل الحالية، قد لا يفيدك الراحة والخمول في المنزل دون عمل شيء، قُم بأخذ قسط من النشاط في تمشية سريعة، ربما تأتيك الأفكار طائرة بأجنحة الخيال.

 

تباطؤ عملية التدهور المعرفي

الدلائل على أن البقاء في حالة بدنية جيدة يحافظ على صحة الدماغ في سن الشيخوخة مُقنع للغاية، وأغلب هذه الدلائل هي التي تربط ما بين اللياقة البدنية والمحافظة على المعرفة.

نحن لا نتحدث عن التمارين المُرهقة الطويلة، فقط من 30 إلى 45 دقيقة من المشي السريع لمدة 3 مرات أسبوعيًا كافية لدرء المشاكل العقلية وتأخير ظهور الخَرَف، لذلك من الأفضل اتخاذ الاحتياطات للوقاية والبدء في ممارسة التمارين في وقت مُبكر بشكل مستمر، قبل أن تداهمك أعراض التدهور المعرفي.

ليس هذا وفقط، فقد أثرت التمارين الرياضية لتحسين التوازن والتنسيق وخفة الحركة على بنية الدماغ والوظائف المعرفية لمجموعة كبيرة من كبار السن الألمانيين.
فيُمكن لجلستين من رفع الأثقال أسبوعيًا أن تُحدث تأثير عصبي واضح، وكذلك الرقص الذي يصبح عامل مُجدد ضد الشيخوخة الدماغية. فقط ساعة من الرقص أسبوعيًا لمدة ستة أشهر قام بتحسين السعة الحيوية للمُسنين بشكل بسيط، لكن التحفيز البدني والاجتماعي أثر بشكل كبير على سعادتهم ونشاطهم المعرفي.

لا يزال الباحثون يختبرون العوامل الحاسمة التي تجعل ممارسة الرياضة مُنشط قوي للدماغ، وتُعتبر أهمها هي زيادة تدفق الدم إلى الدماغ وفيضان هرمونات النمو والتوسع في شبكة الدماغ من الأوعية الدموية.
من المُمكن كذلك أن تكون التمارين الرياضية سبب في تحفيز ولادة خلايا عصبية جديدة، وحتى وقت قريب يعتقد البعض أن هذا الأمر يمكن حدوثه في خلايا الدماغ للبالغين أيضًا.

 

لا تجلس مُتفرجًا

إن التداعيات المعرفية الناتجة من التمرين تُذكرنا بأن عقولنا لا تعمل في معزل بعيد عن نشاط جسدنا، فما تفعله يؤثر بشكل كبير على قدراتك العقلية.
الجلوس طوال اليوم، وكل يوم هو أمر خطير!
لا يُهم نوع النشاط أو الرياضة التي ستختار ممارستها، فقط قم باختيار أمر يثير سعادتك وحماسك وابدأ في العمل عليه.

 

الكاتب: بن مارتينوجا
عالم أعصاب وكاتب في مجال العلوم، وباحث زائر في معهد فرانسيس كريك في لندن.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك