لماذا يتعلم الأطفال من حكايات الخيال أكثر من الواقع؟

22 أكتوبر , 2017

المقال الأصلي: ?Why kids can learn more from tales of fantasy than realism

 

لدى الأطفال الكثير ليتعلموه؛ فبعض الناس يزعم أن التعلُّم هو الهدف من مرحلة الطفولة بالأساس: فتلك المرحلة توفر للأطفال وقتًا آمنًا؛ كي يتمكنوا فيه من التركيز على تعلُّم التواصل، ومعرفة كيف يجري العالم من حولهم، واستكشاف القيم المهمة لدى ثقافتهم وما إلى ذلك.

ونظرًا لكَمِّ المعلومات الهائل الذي يتعين على الأطفال استيعابه، عليهم أن يقضوا أكبر قدر ممكن من ذلك الوقت الآمن منكبين على دراسة جادة لقضايا العالم الحقيقي ومشكلاته.

مع ذلك يعلم أي شخص أمضى وقتًا مع أطفال صغار أنهم لا يشبهون الباحثين الجادين المنهمكين في عملهم، بل على العكس، فالأطفال يقضون الكثير من أوقاتهم في الغناء والجري وصناعة الفوضى، وهو ما يمكن تسميته باللعب إجمالًا؛ فالأمر لا يقتصر فقط على أنهم يجدون سعادة غامرة في اكتشاف العالم الحقيقي من خلال ألعابهم الاستكشافية، بل  يظهر عليهم أيضًا (مثل الكثير من البالغين) ميلًا قويًّا تجاه الألعاب والقصص غير الواقعية. فهم يتظاهرون بامتلاك قوى سحرية خارقة للطبيعة، ويتخيلون تفاعلات مع كائنات خرافية كحوريات البحر والتنانين.

لكثير من الوقت ظن كلٌّ من الآباء والباحثين أن شطحات الخيال تلك ما هي في أحسن الأحوال إلا حلقات غير ضارة من المرح، ربما ضرورية لينفث الطفل عن نفسه كل حين، ولكن بلا هدف حقيقي. بينما ذهب الفريق الأكثر تشاؤمًا إلى أن تلك الشطحات هي أوقات خطرة ينصرف فيها ذهن الطفل عن واجبه الأهم في فهم العالم الحقيقي، أو أنها تجليات لخلط غير صحي بين حدود الواقع والخيال. ولكن..

تُظهر دراسة جديدة في العلوم التنموية تفيد بأن الأطفال ليسوا فقط قادرين على التفريق بشكل قاطع بين الواقع والخيال بل أيضًا من الممكن أن يكون انجذابهم لتلك السيناريوهات الخيالية معززًّا لقدرتهم على التعلُّم.

وقد توصَّلْتُ إلى ذلك الرأي بعد اختبار عددٍ من طرق تعليم الكلمات الجديدة بين مجموعة من الأطفال دون سن المدرسة ضمن برامج هيد ستارت التعليمية، محاولًا تحدي العجز اللغوي عند الأطفال من مختلف الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية لإجراء الدراسة، قام فريق العمل الخاص بي بتقديم كلمات جديدة في نشاط قراءة جماعي يقوم به الطلاب، وبعدها قمنا بتثبيت معاني تلك الكلمات في عقولهم من خلال جلسات ألعاب تتم إدارتها من قِبَل أشخاص بالغين.

كانت التجربة ناجحة، فقد تحسَّن فهم الأطفال للكلمات مقارنة بفهمهم لها قبل الاختبار، وما كان مثيرًا بحق هو الفرق بين المجموعتين اللتين تمت عليهما الدراسة: فهناك مجموعة جاءت قصصها واصفة لموضوعات واقعية مثل الطبخ، بينما جاءت قصص المجموعة الأخرى لتصف قصصًا خيالية مثل التنانين.

في بداية الدراسة التي تم نشرها في مجلة كوجنيتيف ديفيلوبمينت العلمية، كانت معرفة الأطفال بالكلمات الواردة في القصص الخيالية ضعيفة، فعلى الأرجح كانت تلك الكلمات صعبة بدرجة ما بالنسبة لهم. ولكننا وجدنا أن المعرفة المعجمية المتحصِّلة عند الأطفال، على مدار وقت التجرِبة وبعد أدائهم للاختبار قد اتسعت، واتضح أيضًا أن الأطفال، على عكس ما كان حاصلًا في بداية الدراسة، أصبحوا على نفس الدرجة من الدراية بالكلمات التي تحويها القصص الخيالية والواقعية؛ مما يعني أنهم قد اكتسبوا معرفةً أكبرَ من خلال القصص الخيالية مقارنةً بنظائرها الواقعية.

كانت تلك النتيجة مفاجئة؛ إذ أنها عصفت بكل ما نعرفه عن التعلُّم ونَقْل المعرفة، لطالما أكدت الكثير من أدبيات علم النفس أنه كلما تشابه سياق التعلُّم مع السياق الذي ستطبق فيه المعلومة، كلما كان ذلك أفضل، وقد أوضح هذا بقوة أن الكتب الواقعية من شأنها أن تساعد الأطفال في تعلُّم معاني الكلمات بشكل أفضل، وأن قدرتهم على دقة وصف تلك الكلمات ستكون دليلًا على أنهم يحرزون تقدمًا، لكن دراستنا أظهرت العكس من ذلك؛ فكتب الخيال، وهي الأبعد عن الواقع، هي التي سمحت للأطفال بالتعلُّم.

وها نحن نعمل على تكرار هذا التأثير في عمل نقوم بإتمامه الآن؛ فهناك دراسة جارية تُظهر أن الأطفال يتعلمون حقائق عن الحيوانات من خلال القصص الخيالية أكثر مما يتعلمونه من القصص الواقعية، كما كشف باحثون آخرون باستخدام طرق وقياسات مختلفة أن تمثيل الأحداث التي تبدو مستحيلة ظاهريًا تساعد الأطفال على التعلُّم؛ فالأطفال الصغار على سبيل المثال أكثر استعدادًا لتقبُّل معلومات جديدة عند مفاجأتهم، فبهذه الطريقة يكسرون افتراضاتهم عن العالم المادي.

فما الذي يحدث؟

لعل الأمر أن تفاعل الأطفال وانتباههم يزداد عند رؤيتهم لتلك الأحداث التي تتحدى فهمهم لكيفية عمل الواقع، في النهاية فإن أحداث القصص الخيالية ليست مألوفة للأطفال في حياتهم اليومية؛ لذا فإن ذلك يدفعهم لمزيد من الانتباه مسببًا بدوره مزيدًا من التعلُّم.

 

هناك احتمالية أخرى أكثر ثراءً وهي أن القصص الخيالية تحوي بداخلها شيئًا يساعد على التعلُّم، ومن هذا المنظور فإن تلك القصص قد يكون لها دورٌ أكبرُ من مجرد تفوقها على القصص الواقعية في لفت الانتباه، فالانغماس في مثل هذه السيناريوهات التي يتعين فيها على الأطفال أن يفكروا في بعض المستحيلات يُشْرِك الأطفال في درجة أعمق من درجات التفكير والمعالجة، إذ أن طريقة تعاملهم مع تلك السيناريوهات تختلف عن طريقة تعاملهم مع السيناريوهات الأخرى التي يقابلونها في الواقع.

يُلزمهم ذلك بأن يروا كل حدث بعيون جديدة، متسائلين ما إذا كان ملائمًا لعالم القصة ومتماشيًا مع قوانين الواقع. فتلك الحاجة الدائمة لتقييم القصة هي التي تجعل من تلك المواقف خير مُعلم.

ستتناول الأعمال المستقبلية كل تلك الاحتمالات بالدراسة، ولكن يمكننا الجزم الآن بأن نتائجنا سيكون لها عظيم الأثر على التعليم، فحتى وإن اقتصر الأمر على حقيقة أن الأطفال يتعلمون بشكل أفضل “فقط” من خلال السياقات الخيالية، علينا أن نحسن استغلال تلك الحقيقة لتقديم مواد تعليمية أفضل يمكن أن يستفاد منها الأطفال.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك