لماذا يستحق كلُّ الأطفال المحتاجين استجابةً عاجلة؟

4 فبراير , 2018

المقال الأصلي: Why every child in need deserves an urgent response

“ماذا ستفعل إذا رأيت طفلًا وحده في مكانٍ عامٍّ؟”

هكذا يبدأ فيديو قصير نشرته اليونيسف، جمع أكثر من مليوني مشاهدة على موقع يوتيوب. في هذا الفيديو ترتدي “أنانو”، وهي ممثلةٌ طفلةٌ تبلغ من العمر 6 سنوات، ملابس مختلفة في سيناريوهات مختلفة. فعندما ترتدي أنانو ملابس جيدة، يظهر الناس لمساعدتها بإيجابية، بينما يبتعد عنها الناس بل -في بعض الأحيان- يطلبون منها الذهاب بعيدًا عندما تُغيير مظهرها لتبدو وكأنها طفلة مشرَّدة.

 

 

لماذا يعامل الناس أنانو بطريقة مختلفة بناءً على مظهرها؟

أحد الأسباب وهو ليس سببًا جيّدًا، أنَّ الناس قد ترسخ فيها التحيُّز، إذ يفضِّلون مساعدة من يبدو عليهم الثراء بدلًا من المحتاجين. وأنانو بمظهرها الأشعث تشبه الأطفال المشردين، وهو الأمر الذي من شأنه أن يثير كثيرًا من الأحكام المسبقة. ومع ذلك إذا تصوَّرنا طفلًا مختلفًا من خلفية ثقافية مختلفة في ظروفٍ مماثلة، لن يكون من المُستغرب أن نجد الناس يعاملونه بنفس الطريقة. وفي الواقع يبدو أنَّ الأشخاص في الفيديو لا يختلفون عني وعنك، فهل ستكون ردة فعلنا مماثلة إن وُضِعنا في الموقف نفسه؟

 

أودُّ هنا أن أقترح طريقة مختلفة للنظر في موقف أنانو، طريقة تبرز مشكلة جوهرية في كيفية استجابتنا للآخرين. هناك فرق مهم بين الحاجة المُلحَّة والحاجة. أما الحاجة المُلحَّة فتقتضي الاهتمام والتصرُّف على وجه السرعة؛ فعلى سبيل المثال، يُعتبر الغرق حاجة مُلحَّة، إذ أنَّ الشخص الذي يغرق سيموت إن لم يأت أحدٌ لمساعدته. وأما الحاجة ولا سيما الحاجة الأساسية، فهي على سبيل المثال، أمر ضروري أو شديد الأهمية لشخصٍ ما كي يحيا حياةً طيِّبة؛ فيُعد الحصول على تعليمٍ أساسي حاجةً أساسية للطفل، إذ أنَّه بدون التعليم الأساسي يستحيل على الطفل تقريبًا أن يكتسب المعرفة اللازمة؛ كي يصبح فردًا نافعًا في المجتمع.

 

ما قد يكشفه فيديو أنانو هو أنَّه عندما يرى الناس طفلًا حسن المظهر وحده في مكانٍ عام؛ فإنهم يرون في الوضع حاجةً مُلحَّة، إذ أنَّه في الواقع أمرٌ غريبٌ، فقد تكون الفتاة تائهةً، وقد تواجه خطرًا أكبر إن وقعت تلك الفتاة في أيدي الأشخاص الخطأ؛ ونظرًا لإدراكهم بأنَّ هذا الأمر مُلح، يبادر الناس بالمساعدة.

 

في المقابل عندما يرى الناس أنانو بمظهر أطفال الشوارع، فهم لا يعتبرون الأمر حالةً مُلحَّة، فمن المؤسف أنَّ رؤية الأطفال المشردين أصبحت شائعة جدًّا؛ إذ أنَّه من الطبيعي أنَّ يتصالح الناس مع وجود هذه الفتاة في الشارع لبعض الوقت؛ فربما أرسلها أهلها هنا للحصول على المال، وفي ضوء هذا التصور، وفي حين لا يعرف الناس مَن المسؤول عن تلبية احتياجات الطفل المشرد (هل هم الأهل، أم الحكومة؟)، يمكن للمرء أن يرى كيف يشعر الناس أنهم غير مسؤولين تجاه البنت.

 

وهذا التمييز بين الحاجة والحاجة الملحَّة يزودنا بتفسير مختلف ومعقول لسلوك الناس في الفيديو، ولكنه لا يبرره؛ فالخطأ الذي ارتكبه المارة، والذي من المُرجَّح أن يرتكبه كلٌّ منَّا، يوجد في اعتقادهم بأنهم لا يجب أن يتحملوا مسؤوليةً تجاه الأطفال المشردين الذين تمثِّلهم أنانو؛ لأن الوضع ليس ملحًّا. والواقع أننا جميعًا نتحمل مسؤولية تلبية الاحتياجات الأساسية لكل إنسان.

 

يعتقد بعض الناس أنه طالما أننا لا نضرُّ الآخرين فنحن لسنا مضطرين لمساعدة أي شخص خارج المقرَّبين من العائلة والأصدقاء. وإن كان هذا الرأي صحيحًا، فلن نكون مضطرين لمساعدة الغرباء حتى في الحالات المُلحَّة. لنفترض أنَّك نَاسِكٌ، بمعزل عن كل ما هو حضاري، ووجدت رضيعًا على عتبة بيتك سيموت جوعًا إن لم تطعمه، وكنتَ الوحيد القادر على مساعدته، ولكن وفقًا لوجهة النظر السابقة، أنت لستَ ملزمًا بمساعدة الطفل، بل يمكنك أن تدعه يموت، فهو ليس طفلك كما أنَّك لست السبب في معاناته. لذا يبدوا أنَّ وجهة النظر تلك خاطئة وقاسية.

 

قد يعتقد بعض الناس الآخر أننا مضطرون فقط لمساعدة الحالات المُلحَّة. ولكن فكر في هذا المثال. لنفترض أن رجلًا يبلغ من العمر 80 عامًا سوف يموت في غضون يومين ما لم يساعده أحد، في حين أنَّ امرأة تبلغ من العمر 20 عامًا سوف تموت في غضون عام ما لم يساعدها أحد. إذا كانت الموارد غير محدودة سينبغي علينا بالطبع مساعدة كلٍّ منهما. ولكن نظرًا لمحدودية الموارد فبإمكاننا فقط أن ننقذ أحدهما. في مثل هذه الحالة، ومع أن وضع الرجل أكثر إلحاحًا، يبدو أنه علينا أن نساعد المرأة. وأحد أسباب ذلك هو أنَّ المرأة ستستفيد أكثر إذا سوعدت؛ فمما يكشف عوار المبدأ القائل بمساعدةِ من هم في حاجةً مُلحة لا من هم في حاجة، هو أننا في بعض الأحيان نتحمَّل مسؤولية أكبر تجاه الأشخاص ذوي الحاجات الأقل إلحاحًا من غيرهم.

 

وتُقدِّر اليونيسيف أنه إذا لم نفعل شيئًا حيال ذلك، فبحلول عام 2030، سيعيش أكثر من 165 مليون طفل في جميع أنحاء العالم في فقرٍ مُدْقِع، أو بدخل أقل من 1.9 دولارًا في اليوم، إذ أنَّ ما يقرب من 70 مليون طفلًا دون سن الخامسة يموتون بسبب أسباب يمكن الوقاية منها إلى حد كبير؛ وأكثر من 60 مليون طفلًا تتراوح أعمارهم بين 6 إلى 11  سنة سيصبحون بلا تعليم؛ وستتزوج 750 مليون فتاة قاصرة. ويمثِّل هذا عددًا هائلًا من المحتاجين، على الرغم من أن حاجتهم قد لا تعتبر مُلحَّة.

 

ينبغي علينا أن نحاول تغيير موقفنا تجاه الأطفال المشردين في هذا العالم أمثال أنانو، كما علينا أن نكون أكثر تعاطفًا ورغبةً في مساعدتهم؛ إذ يعلمنا فيديو أنانو أنه في حين أننا قد نكون مستعدين للاستجابة بشكلٍ لائق للحالات المُلحة، إلا أننا نستطيع، بل يجب علينا، أن نستجيب بشكلٍ أفضل لاحتياجات الآخرين غير المُلحَّة.

 

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك