لماذا يضرُّ الغش بحاضر الطلاب ومستقبلهم

25 فبراير , 2018

المقال الأصلي: WHY CHEATING HURTS STUDENTS NOW AND IN THEIR FUTURE

نتحدَّث بصفتنا آباءً وأمهاتٍ مع أطفالنا عن شُرب الخمر والمخدِّرات والجنس وأي شيء آخر نظن أننا بحاجة إلى الحديث عنه كي نحافظ على سلامتهم وصحتهم. ولكن كم منَّا يتحدث مع أطفاله عن الغش؟ إن لم نكن نتحدث، فحريٌّ بنا أن نفعل. يُعدُّ الغش وباءً في المدارس الثانوية والكليات الأمريكية، الجميع يغش. حسنًا، ربما ليس الجميع ولكن عدد من يغشون اليوم أكثر من أولئك الذين لا يغشون.

 

يغش الطلاب بسبب الضغط الماثل عليهم لتحقيق النجاح؛ إذ يرون الغش رائجًا بين السياسيين والرياضيين والشركات؛ فهم يغشون لشعورهم بالملل؛ ولأن الغش قد أصبح شائعًا جدًّا لدرجة أنهم لا يعتقدون أن ما يفعلونه يُعدُّ غشًّا، ولا يرون فيه خطأً.

 

ولكن الغش خطأ – ربما أكثر خطأً مما يظنُّه العديد من الآباء. وبصرف النظر عن كل شيء، حتى دون مساعدة الإنترنت والهواتف المحمولة، فإن من نشؤوا منَّا في جيل جون هيوز، وأعجبوا بفيريس بولر وجون بيندر، ربما قاموا بالغش في المدرسة الثانوية أيضًا.

 

تُعدُّ خيانةُ الأمانة الأكاديمية اليومَ أسهلَ وأكثرَ انتشارًا وأكثرَ إشكالية، جزئيًّا بسبب عدم اعتبارها غشًّا.

 

بصفتي معلِّمًا غالبًا ما أسمع الطلاب يتباهون بغشِّهم كما لو كان لعبة يلعبونها. مَن الذي يستطيع أن يأتي بأذكى الطرق للغش؟ من يستطيع أن يفوق المعلم ذكاءً؟ من الذي يستطيع أن يفلت بفعلته دون أن يُلاحظ؟ في بعض الأحيان يبدو الأمر كما لو أن الطلاب يفخرون بالغش أكثر من فخرهم بالتعلُّم أو فخرهم بتحقيق أي شيء. إذا استمرت صيحة الغش تلك، فستلحق بثقافتنا وأطفالنا أزمة خطيرة.

 

خمسة أسباب توضِّح ضرر الغش على الطلاب حاضرًا، وكيف أنَّه يقود لمستقبل مُقلق:

 

1- ليس الغش جريمة بلا ضحيَّة.

حينما أتحدث عن الغش مع طلابي، غالبًا ما أسمع تعليقات مثل “أنا لا أسبب الضرر لأي شخص، فما المشكلة؟” إلا أنَّ هذا ليس بالضرورة صحيحًا؛ فالحقيقة هي أنَّه حتى المتميِّزون من الطلاب يغشُّون. وفي مقالٍ في صحيفة “The Atlantic”، تحكي المعلمة والمؤلفة جيسيكا لاهي عن مقابلتها التي تمَّت عبر رسائل البريد الإلكتروني مع “غشَّاش متسلسل”.

كان هذا الطالب هو أحد الطلبة المتفوقين في مدرسته الثانوية، كما كان محرر صحيفة المدرسة، وحصل على منحة AP Scholar، كما قُبل بشكل نهائي في برنامج الدرجات الفخرية بكليته. الطلاب المتفوقون هم الذين يدخلون الكليات المرموقة ويحصلون على منح دراسية تنافسية قائمة على الجدارة. وليس ذلك فحسب، بل يتلقون خطابات توصية من معلميهم. كما يفخر بهم أيضًا والدُوهم، ويعجَب بهم الناس.

ليست كل هذه المكافآت والجوائز نتيجة للغش فحسب، إذ أنَّ بعضها أيضًا قد حدث على حساب الطلاب الآخرين، ربما أولئك الذين لم يغشوا. من خلال خيانة الأمانة الأكاديمية يحصل الغشاشون على ميزة لا يستحقونها على حساب الطلاب الأمناء، كما تسهم الخيانة الأكاديمية في تضليل الآباء الفخورين والمعلمين المخلصين.

 

2- يخلق الغش ثقافة انعدام الثقة:

عندما نناقش الغش والأمانة في فصولي الدراسية، يسعى الطلاب إلى الإشارة إلى أنَّ الجميع يغشُّون، وهو ما لا يزعجهم. ولكن عندما أستخدم مثال فيكتور دورف في مقالته “عالم بلا أمانة” واسألهم كيف سيشعرون حيال معرفة أنَّ من تقوم بإجراء الجراحة لهم قد غشت في اختباراتها الطبية، أو أنَّ الطيار المسؤول عن طائرتهم قد غشَّ في اختبارات الطيران، يجدون أنَّ الأمر أكثر إثارةً للقلق. ماذا عن الرجل الذي يغسل الأطباق الخاصة بك في مطعم؟ ماذا لو كان غشَّاشًا إذ لم يستخدم الصابون أو الماء الساخن؟ ماذا لو غشَّك أحدهم وابتاع لك حذاءً رياضيًّا لا يناسب مقاسك؟ ماذا لو غشَّك معلِّموك ولم يعيروا ورقتك، التي اجتهدت فيها لأسابيعٍ، الاهتمام الكافي وقاموا بدلًا من ذلك بإعطائك علامةً متوسِّطة؟ إذا كنا لا نرى في الغش خطأً، فسوف نشك جميعًا بعضنا في بعضٍ قريبًا. وما المانع؟ فهو ليس بالأمر الجلل.

 

3- يقود الغش لثقافة الإهمال:

من الواضح على خلفيَّة التحدث إلى طلابي، أن معظمهم لا يرون أنفسهم خائنين ولا حتى غشَّاشين – بل يرون أنفسهم مجرد أطفال يغشُّون في المدرسة. فهم لا يعتبرون حقيقة أنَّ العادات وأخلاقيات العمل التي يشكِّلونها، أو يفشلون في تشكيلها، من المحتمل أن تكون تلك هي التي سيحملونها في مرحلة الكِبَر. عندما نتناقش حول الأمانة في مكان العمل، كثير منهم لا يدرك أنَّ الإهمال في العمل هو في الواقع شكل من أشكال الغش، بل شكل من أشكال السرقة.

إذ يبدو أنهم، كجيلٍ من الغشاشين، طوَّروا عقلية ترى أنَّه إن كان بإمكانك الإفلات بفعلتك، فليس في الأمر خطأٌ.

 

4- الغش كالنافذة المكسورة.

وفقًا لنظرية النافذة المكسورة، فإن الأعمال الصغيرة من التمرُّد والفظاظة – كالكتابة على الجدران، والقفز من البوابات دون دفع ثمن التذاكر، والتسوُّل – تؤدي إلى جرائم أشدَّ خطورة. الفكرة هي أنه إذا كانت هذه الجرائم الصغيرة تمر دون ملاحظة أو عقاب، فربما يعود هذا لغياب المراقبة، ربما لا أحد يهتم.

في أوائل التسعينيات عندما بدأت إدارة شرطة مدينة نيويورك، تحت قيادة مفوض الشرطة ويليام براتون، تنفيذ نظرية النافذة المكسورة من خلال القضاء على الجرائم الأصغر، شهدت المدينة انخفاضًا بنسبة 40 بالمائة في الجرائم الخطيرة. خيانة الأمانة الأكاديمية هي نافذة المدارس الأمريكية، بل ربما جيل الألفية، المكسورة. إذا تعامل شبابنا مع الغش استنادًا إلى مبدأ “لا أحد يهتم حقًّا على أي حال”، فإنه من المُرجح أن يسهل عليهم تبنِّي مواقف تبريرية مشابهة بخصوص الجرائم الأكثر خطورة.

 

5- يحطُّ الغش من التعليم.

أحد أسباب غش الطلبة هو أنهم يهتمون بالتقديرات أو درجات الاختبار أكثر بكثير من اهتمامهم بقيمة التعلم الفعلي؛ فهم ليسوا مهتمين بأن يكونوا متعلمين حقًّا بقدر اهتمامهم بالحصول على دبلوم أو درجة علمية تجعلهم يبدون كما لو كانوا متعلِّمين. ولكن إن كان كل من طلبتي والبيانات على حق، وأنَّ غش الطلبة في ذروته طوال الوقت، ماذا يعني إذًا الدبلوم أو الدرجة العلمية حقًّا؟

هي بالتأكيد ليست مؤشرًا على الإنجاز الفعلي، إن كان باستطاعة الطلاب التخرُّج من المدرسة الثانوية أو الكلية دون التعلُّم بشكل فعلي، فما الفرق إذًا بين تخرُّجهم من عدمه؟ عندما يقوم جيل الألفية، ممن حصلوا على شهادات الثانوية وشهادات الكليات عن طريق الغش، بتوظيف الجيل القادم، هل سيشكِّل التحصيل الدراسي لهم فرقًا؟ أم أنهم سيحطُّون من قيمة تعليم جيل أبنائهم بالطريقة ذاتها التي حطّوا بها من قيمة تعليمهم؟

 

أنا لا أقصد أن أقسو على جيل الألفية والجيل القادم؛ فهم لم يستيقظوا في أحد الأيام مقررين أن يصبحوا غشَّاشين، بل فقد نشؤوا في نظام تعليمي يجعل لدرجات الاختبار قيمةً مُبالَغ فيها. قد شعر الطلاب الأكاديميون بضغوط هائلة تحول بينهم وبين التفوُّق. فيما خضع غير الملتحقين بالكليات لمعظم تلك المعايير الصارمة (التي لا يجدون لها معنى) مثل أقرانهم الملتحقين بالكليات؛ مما يعمل على خلخلة أطفالنا وتغريبهم وقهرهم.

 

بالتأكيد على كل من المعلمين وأولياء الأمور والنظام التعليمي أن يتحملوا بعض اللوم بسبب عقلية الغش التي تفشَّت بين أطفالنا. وبلا شك سيتعيَّن على جميع البالغين ممن يهتمون بالأطفال، وليس من الطلاب أنفسهم فحسب، التصدي لهذا التفشِّي. فالآباء بحاجة لتعليم أطفالهم من سن مبكرة جدًّا أنَّ الغش خطأ. نحن بحاجة إلى تعليمهم هذا بالطريقة ذاتها التي نحذِّرهم بها من المخدرات أو التدخين أو الأخطار الغريبة. يجب على المعلمين تعليم الطلاب مسببات خيانة الأمانة الأكاديمية، كما يجب أن يتحلَّوا باليقظة اللازمة للإمساك بالغشاشين. علينا أن نرتقي بهم إلى مستوى أعلى من النزاهة الأكاديمية. ويجب على نظامنا التعليمي التوقف عن معاملة الأطفال بصفتهم مصادرَ للبيانات، إذ تُستخرج تلك البيانات عند الحاجة، بدلًا من ذلك علينا غرس شغف التعلُّم في نفوسهم، أعني التعلُّم الحقيقي.

 

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك