لماذا يكون تعلم اللغة صعبًا عند بعض الناس أكثر من غيرهم؟ – مترجم –

15 أكتوبر , 2018

المقال الأصلي: Why Some People Find Language Learning Harder Than Others

 

في إحدى تسجيلات “تيد توك” TED Talk  على اليوتيوب بعنوان: “لماذا يستصعب بعض الناس التمارين أكثر من غيرهم؟”، تقول الطبيبة النفسية “إيميلي بالساتيس” في بحثها إنها توصلت لفهم تفاضل الناس في ممارسة الرياضة. كما يشير بحثها إلى أن بعض الناس قد يجدون تمرينًا ما أصعب من غيره، بينما يراه آخرون أنه سهل كالبقية. فكيف أمكنها التوصل لتلك النتيجة؟

 

عقلنا قد يعمل ضدنا:

إليكم كيف يتم ذلك: قام فريقها البحثي بتجربة لقياس مستوى اللياقة لدى المشاركين بكل موضوعية وذلك بقياس نسبة الخصر للأرداف. ثم طُلب منهم الجري لمسافة قصيرة، ثم سئلوا ما هي المسافة التي يرون أن عليهم أن يقطعوها حتى يكملوا الدورة كاملة. وهنا قام جميع المتسابقين بحساب المسافة بنسبة محددة. فمثلًا رأت المجموعة التي تضم أشخاصًا بدينين أنها سيركضون مسافة كبيرة، هذا على عكس الأشخاص الآخرين ذوي الوزن القليل أو المعتدل الذي رأوا المسافة أقل بكثير! فإذن الحالة الجسدية للشخص غيرت الطريقة التي يرى بها المحيط من حوله.

 

ولكن هذا ليس كل شيء، فالطبيبة “إيميلي” وجدت كذلك  أن عقلنا يؤثر على الطريقة الني نرى بها ما حولنا. ففي تجربة منفصلة، تم اكتشاف أن الناس الذين التزموا بهدف رأوا إمكان تحقيقه في المستقبل القريب وآمنوا بأنه يمكنهم تنفيذه، وجدوا التمرين أسهل بغض النظر عن أوازانهم وشكلهم الخارجي.

 

كما توصلت الطبيبة مع فريقها إلى استراتيجية تسمى: ضع في بالك النتيجة النهائية، ورأت أنها طريقة تساعد على النظر للمحيط حولنا. فالناس الذين طُلب منهم أن يركزوا أنظارهم على نهاية الخط في سباق الركض، رأوه أقصر بنسبة 30% من غيرهم الذين ينظرون أمامهم كما هي العادة.

 

والحال كذلك، ما هي النتيجة التي ننتهي إليها؟ ولماذا يهمك الأمر كمتعلم للغة؟ أكدت الطبيبة “إيميلي” أن عقولنا وأجسامنا تعمل جنبًا إلى جنب بصورة تساعدنا على تغيير الطريقة التي ننظر بها إلى العالم. وكما رأينا في المثال أعلاه، فإن الناس ذوي الدوافع والأهداف القوية رأوا المهمة التي يقومون بها (وهي الجري في التجربة السابقة) أسهل من غيرهم ذوي الدوافع الأضعف. فإذا كان هذا الأمر صحيحًا فيما يتعلق بالرياضة، أفلا يكون صحيحًا في مجالات أخرى كتعلم اللغة مثلًا؟

 

عقلية التطور:

النتائج مؤيدة بأبحاث حديثة ومتطورة. في كتابها الأكثر مبيعًا “العقلية: سيكولوجية النجاح الجديدة”، تعرض الأستاذة الجامعية “كارول دويك” في جامعة “ستانفورد” لفكرة “عقلية النمو”.

تفيد النظرية أن عقلية التطور تلك تتم عندما يؤمن الأفراد أنه يمكن تطوير قدراتهم. أما العقلية الجامدة فهي أن يرى الأفراد أن لديهم عددًا محددًا من القدرات وهذا كل ما في الأمر. فعلى سبيل المثال، أن تقول لنفسك: “أنا لست ماهرًا في تعلم اللغات” ثم لا تقوم بأي مجهود على الإطلاق لتحسين قدراتك في تعلم اللغات الأجنبية هو مثال تقليدي على العقلية الجامدة، ويمكن أن يمكون لها آثار مدمرة.

 

وفي مقابلة مع الطبيب “سلمان خان”، قالت الأستاذة “دويك” إن العديد من الدراسات أظهرت بأن الأطفال الذين يمتلكون عقلية التطور يحصلون على درجات أعلى. فالأطفال إذا ما شاركوا في الفصل بعمق وفعالية في عملية التعلم، فإن الدرجات المرتفعة والعلامات التي يحصلون عليها في الامتحانات ستتم بشكل تلقائي.

كما سيدهشك أن تعرف أن الأطفال الذين يُمتدحون على ذكائهم، لا يرغبون في خوض أي تحدٍ بعدها. فهم لا يرغبون أن يبذلوا مجهودًا في شيء ما. وإذا ما واجهوا صعوبة في عملية التعلم، فإنهم يستسلمون.

 

ولكن عندما نمدح الطريقة التي يستخدمها الطفل، فإن استراتيجيته، وأفكاره، وتركيزه، ومثابرته تزيد. فأدمغة هؤلاء الذين يمكلون عقلية التطور تتطور بالفعل. وسواء كان لديك أطفال أم لا، فإن قراءة كتاب الأستاذة “دويك” سيغير الطريقة التي ترى بها التعليم بشكل تام.

 

والنتيجة التي نحصل عليها من كل هذا، كما أشار “سلمان خان” في نهاية المقابلة، أنه لا يجب أن تخجل من أخطائك، بل أن تراها كشيء مثير للاهتمام والاكتشاف. وحين تفعل ذلك، فإنك ستشكل روابط عصبية، أي أنك تسهم في نمو عقلك. أليس هذا رائعًا؟!

 

ليس من الحسن أن تكون سيئًا في أمر ما:

لقد اطلعت مؤخرًا على موضوع بسيط ومباشر لـ “تينان” يتحدث فيه بصراحة موضحًا أن يكون المرء سيء الأداء في عمل ما ليس أمرًا محمودًا، كما أن الفخر بهذا الأمر لا يعد مقبولًا كذلك. إلا أن الفخر بكون الإنسان سيئًا في مجال عادة سائدة للأسف في ثقافتنا خاصة في أمريكا الشمالية وبين الأجيال الصاعدة.

فأنا أذكر أنهم قد سخروا مني حين كنت صغيرًا عند حصولي على علامات جيدة (بينما يحدث العكس تمامًا الأمر في الثقافة الشرق آسيوية). لذا دعوني أخبركم، أن تمجيد وتشجيع الجهل سواء على المستوى الشخصي أو فيما يتعلق بالآخرين، ليس أمرًا حميدًا البتة.

والمثير للاهتمام، أن الكثير من الناس يفتخرون بأنهم لا ينوون القيام بعمل أو تنمية مهارة ما! سواء كان ذلك العمل: تعلم اللغات أو الرياضيات أو الرسم، أو مهارات تتعلق بالذاكرة أو الإدراك أو معرفة الاتجاهات. وجميعنا إلى حد بعيد نمر بأناس يرون مناقشة قدرتهم على أداء مهمة ما بشكل سيء أمرًا ذا قيمة! فمثلًا، قد تجد أحدهم يعلق: “أنت تتعلم لغة أجنبية؟ كم هذا رائع! ولكنني لا يمكنني القيام بهذا الأمر أبدًا، أنا ببساطة سيء جدًا إذا ما تعلق الأمر بتعلم اللغات!” وتلك هي التعلقيات التي أسمعها ـــ وإن اختلفت في مضمونها ـــ بشكل دوري من بعض الناس.

 

إن القضية تتلخص في أنه من الخطأ تعزيز تلك الصورة السلبية التي يصنعها الإنسان بنفسه وعن نفسه. فامتلاك عقلية جامدة يحد من احتمالات تعلمك ويفرض عليك عوائق. ولعلك تعجب إذ تعلم أن مجرد تغيير الطريقة التي تفكر بها، يغير من الطريقة التي تتعلم وتعيش بها. في المرة القادمة حين تفكر في التأكيد على كونك سيئًا في أداء عمل ما، فكر مليًا قبل الإقدام على ذلك التصريح، بل واحرص على تحويل الأمر لتحدٍّ مع نفسك، فتقول مثلًا: “أتعرف أنني لم أبذل مجهودًا قط لتطوير تلك المهارة عندي؟ ولكنني سأبذل ما في وسعي من الآن فصاعدًا، وأرى إلى أين يقودني هذا”.

 

ختامًا، قد تعتقد أن فئة معينة من الناس مُتِّعَت بالموهبة عن غيرها في مهارات معينة. ذلك صحيح إلى حد ما، فلدى البعض قابلية تعلم أسرع من أقرانهم في موضوع ما، ولكن ليس هذا مبحثنا. إنما الشأن أن تركز على نتائج البحث الذي عرضناه في هذا الموضوع، وهو أنك إذا وضعت في اعتبارك أنك يمكن أن تنمّي قدراتك (ويمكنك ذلك)، فإنك ستتطور بشكل أكبر، والعكس قد يحدث إذا لم تضع هذا الاعتبار في بؤرة الاهتمام.

 

يمكننا جميعًا التطوير من قدراتنا، وكلما كان لنا دافع وهدف محدد وثقة بالنفس وممارسة لتلك المهارة، تعلمنا أفضل وأسرع. وعلى ذلك، فالتعلم ليس سباقًا، إذ سواء كنت متعلمًا بطيئًا أم لا، فالمهم أن قدراتك قابلة للتطوير آخر المطاف. علاوة على أن قوة التطور المضاعف يعني أنك إذا كنت مستمرًا ومثابرًا في عملية التعلم، فإنك ستحصل على نتائج لم تتخيل الحصول عليها من قبل.

 

نعم، في نهاية المطاف يمكن للبعض أن يتعلم اللغات أسرع من غيرهم. ولكن في المقابل هناك من الناس من يقرأ أو يأكل أو يمشي أو يتكلم بشكل أسرع من غيره، فهل يعني ذلك أن من يقومون بتلك الأعمال بصورة أبطأ سيتوقفون عن أدائها لذات السبب؟!

 

هل تملك عقلية التطور أو العقلية الجامدة؟

سأنهي المقالة بسؤال بسيط للغاية: هل تملك عقلية التطور أم العقلية الجامدة؟ وإذا كنت من أصحاب الثانية، فهل ترغب في تغيير هذا الأمر؟ إذا كانت إجابتك بنعم، فإنك قد ستنبهر من النتائج التي ستحصل عليها!

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك