ماذا حدث عندما جعلت طلابي يغلقون هواتفهم؟!

9 أبريل , 2018

المقال الأصلي: What happened when I made my students turn off their phones

بصفتي معلم شهد تأثيرات التكنولوجيا في الصف بل وقلق بشأنها، أواجه صعوبة مستمرة في وضع سياسات فعالة في الفصل للهواتف الذكية. اعتدت أن أجعل الطلاب يغنون أو يرقصون إذا قاطعت هواتفهم الصف، وعلى الرغم من أن هذا قد أدّى إلى بعض اللحظات التي لا تنسى، فقد تحول الاستخدام غير المناسب للتكنولوجيا إلى مُزحة. نظرًا إلى التأثيرات الضارة التي لا تعد ولا تحصى للهواتف – كالإدمان وانحسار التواصل الاجتماعي وجهًا لوجه وضمور المهارات والإلهاء الذي لا نهاية له بالنسبة للمبتدئين – أريد من الطلاب التفكير مليًا في عادات استخدامهم للهواتف، بدلًا من الانصياع (أو رفض) القاعدة.

 

اتصل بي ممثل عن شركة ناشئة في سان فرانسيسكو تدعى YONDR بعد قراءة مقالتي في Aeon حول هذا الموضوع. تُقدم YONDR أجربة خاصة تمنع الجمهور من استخدام هواتفهم في العروض. إذ يمكنك ضبط هاتفك على وضع صامت وإزاحته في الجراب وقفل الجراب من أعلى. بعد العرض، أو أثناءه إن كان الأمر ضروريًا، يمكنك فتح قفل الجراب في الردهة عن طريق لمس قاعدته المعدنية، على غرار الشارات المضادة للسرقة التي توضع على الملابس.

استخدم بعض المؤدون مثل ديف تشابيل وأليسيا كيز YONDR – الذي يرفع شعار “كن هنا الآن” – للحد من التسجيلات غير المسموح بها، وأيضًا كي يروا وجوهًا لا هواتف عندما ينظرون إلى الجماهير. يبدو هذا النهج أقل قسوة من إجبار الناس على التخلي عن التكنولوجيا الخاصة بهم، إذ أن القلق الناجم حينها عن هذا الانفصال سيقف حائلاً أمام الهدف المرجو بالأساس وهو زيادة التفاعل.

 

أرسلت YONDR لي الأجربة لاستخدامها في الفصل، وفي بداية الفصل الدراسي الشتوي أخبرت طلابي بهذا الروتين: قبل كل فصل كانوا يضبطون هواتفهم على وضع صامت ويحصلون على جراب من العلبة ويغلقون على هواتفهم في هذا الجراب، وقبل مغادرتهم يأخذون هواتفهم مرة أخرى ويضعون الأجربة في العلبة. لم أكن أهتم إذا وضعوا الأجربة على المكتب أو في جيوبهم أو إذا كانوا يمسكون بها فقد أخبرتهم أن هذه كانت تجربة لمقالة في نهاية المطاف، وأنني كنت أرغب في الحصول على آراءهم بصدق، والتي جمعتها من خلال استطلاعات للرأي في بداية الفصل الدراسي ونهايته.

 

في البداية، غضب 37 % من طلابي البالغ عددهم 30 طالبًا – وهم طلاب في جامعة بوسطن – وتضايقوا من هذه التجربة. وفي حين أن سياستي السابقة تضمنت قدرًا أكبر من الإذلال العلني، فهي لم تملي عليهم ما يجب فعله بالهواتف في الفصل.

فبالنسبة للبعض، بدا وضع الهواتف في جراب كحبس حيوان أليف في قفص، فهو إنكار واضح للحرية. ومع ذلك، في نهاية الفصل الدراسي، شعر 14 % فقط بشيء سلبي تجاه الأجربة؛ وشعر 11 % “بالسرور”؛ و7 % كانوا “مرتاحين”؛ و 21 % شعروا بأن الأمر “على ما يرام”.

 

لم يمر الكثير من الوقت حتى ظهرت الحلول الملتفة، فقد وضع الطلاب هواتفهم في الأجربة دون إغلاقها، ولكن بسبب عدم تمكنهم من استخدام هواتفهم في الفصل، كان هذا الأمر بمثابة تمرد هادئ وليس تحدّيًا واضحًا. استخدم بعضهم أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم في المحادثات أو الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي، رغم أننا غالبًا ما نستخدمها للبحث في قواعد البيانات وإكمال التمارين داخل الفصل فحسب. لا أشعر بالراحة عند مراقبة شاشات الكمبيوتر الخاصة بالطلاب – وإذا كانوا يرغبون حقًا في استخدام وقت الفصل للوصول إلى ما ينكره YONDR، فهذا هو خيارهم.

من ناحية أخرى، منعت الأجربة الطلاب من الذهاب إلى الحمام لاستخدام هواتفهم، إذ أنه في الفصول الدراسية السابقة كان بعض الطلاب يغادرون الصف من 10 إلى 15 دقيقة ويأخذون هواتفهم معهم. إلا إن الأجربة قللت بشدة من رحلات الحمام.

 

توقع ربع الطلاب (26٪ منهم) أن YONDR من شأنه جعل الفصل الدراسي “خالي من الإلهاء”. وفي نهاية الفصل الدراسي، صرّح ضعف العدد (51.85 %) بذلك.

 

لا أستطيع أن أقول ما إذا كان هذا اعترافًا على مضض، كالذي يعترف بأن القرنبيط ليس بالغ السوء على كل حال، أم أنه كان اعترافًا جادًا. لاحظت ذات مرة بعد الصف وجود جراب تحت الطاولة، وبعد بضع دقائق جاءت طالبة مسرعة وقالت “لقد نسيت هاتفي تمامًا بعد وضعه في الجراب، أعتقد أن الجراب يفي بالغرض”.

ربما كانت تحلم بالقيام بشيء آخر أو كانت ترسم في كراستها رسمًا مبتكرًا ورائعًا، لكن ثمة فرص بأنها كانت منخرطة حقًا في الصف.

 

عندما سألتهم ما إذا كان المجتمع سيستفيد من تقليل استخدام الهاتف، أجاب 15 % فقط بالنفي. وأجاب ثلثا الطلاب (65 %) بالإيجاب، في حين قال 19 %: “أعتقد ذلك”.

 

وقد ذكر نصف الطلاب (50 %) أن فوائد تقليل استخدام الهواتف قد تأتي في شكل تواصل أفضل وتفاعلات وجهًا لوجه أكثر. وكتب أحد الطلاب:

“بدأت ألاحظ كيف كان هاتفي المحمول يسيطر على حياتي، فأنا أقدّر بشدة وقت الاستحمام لأنه يجبرني على قضاء بعض الوقت بعيدًا عن هاتفي، فأنا في هذا الوقت أفكر بدلًا من أن أمرر شاشة الهاتف لأسفل بلا عقل”.

 

كان هدفي من هذه التجربة هو حث الطلاب على التفكير في عاداتهم، بدلاً من تغييرها بالإلزام فعلى الطلاب مسائلة السلطة، بما في سلطتي.

من السهل بالنسبة لي، وأظن أن الأمر كذلك لكثير من الأجيال الأكبر سنًا، أن نبحث عن أدلة تدعم فكرة أن الحياة كانت أفضل قبل الهواتف الذكية. ويعترف طلابي أنهم لا يستطيعون قراءة الخرائط، وأنهم يجدون القراءة والكتابة على ورق شيئًا عتيق، وأنهم لا يحفظون المعلومات التي يمكن معرفتها عن طريق موقع غوغل، بل أن هذه حقائق وليست اعترافات.

بعض التغييرات هي ببساطة تغييرات، فلا يحتاج كل شيء إلى أن يكون حكمًا ذا قيمة، لكن الطلاب يوافقون بشكل عام على أن استخدام الهاتف في الفصل الدراسي غير مناسب – حيث يعتقد 11٪ فقط أن سياسة هاتف الصف ليست ضرورية.

 

في بداية الفصل الدراسي، قال 48 % إن خلو البيئة من التشتيت يساعد على التعلم. وعليه، سألتهم لماذا لا نزال نحيط أنفسنا بالهواتف في الفصل. استخدم الخمس (20 %) كلمة “الإدمان” في ردودهم – وهي كلمة غالبًا ما يتجنبونها. ذكر الكثير منهم كلمة “الملل”، إذ تشير المعايير الاجتماعية للأسف إلى أن استخدام الهاتف هو استجابة مقبولة للملل. ولكن كما جادل فلاسفة مثل سورين كيركيغارد وبرتراند رسل، فإن الملل أمر ضروري – فهو يشعل الخيال والطموح وليس شيئًا يحتاج الطلاب للهرب منه.

 

أعرب أحد الطلاب عن تفسير مختزل: “نحن أغبياء ولا يمكننا التحكم بسلوكنا”. بينما أقدر تلك الملاحظة الفصيحة، فإن صرامة هذه التصريحات يزعجني. إن جزمنا بأننا أغبياء فلماذا إذًا نحاول دراسة الطريقة التي نعيش بها؟ وإذا لم يكن لدينا سيطرة على سلوكنا، فما فائدة محاولة التغيير؟

التكنولوجيا هي جزء لا يتجزأ من رواية الإنسانية، وهو الأمر الذي لا يُعد جيدًا ولا سيئًا بطبيعته، فالمضمون يعود لنا. وفي حين قال 39٪ من طلابي أن دراسة آثار استخدام الهاتف لم تغير أفكارهم أو سلوكهم، فإن 28.5٪ حاولوا استخدام هواتفهم بشكلٍ أقل و21.5٪ الآن يحاولون أن يكونوا أكثر وعيًا بكيفية ووقت استخدامهم لهواتفهم. الآن يفكر نصف طلابي بشكل أكبر في دور الهواتف، وهذه هي الخطوة الأولى في توجيه علاقتنا بالتكنولوجيا، بدلاً من السماح للتكنولوجيا بتوجيهنا.

 

لم يقتصر الأمر على ذلك فقد كنت أرغب في إدراك إلى أين سيأخذ جيل طلابي هذه القصة، فسألتهم ما إذا كانوا يوافقون على زراعة هواتفهم في أجسامهم (كما توقّع قادة الصناعة في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في عام 2016)، وإليك ما قالوه:

7 %: نعم! لطالما كان من الأفضل أن أكون أقرب لهاتفي.

 7 %: نعم – إنه أمر لا مفر منه، لذلك ربما أوافق.

 7 %: يعتمد الأمر على التكلفة.

 11 %: يعتمد الأمر على عدد الأشخاص الآخرين الذين فعلوا ذلك.

 36 %: يعتمد الأمر على المخاطر الجسدية.

 32 %: مستحيل.

 

سيفكر ثلثا طلابي على الأقل في جعل هواتفهم جزءًا من أجسادهم، مما يعني قبول كل عواقب الشاشات والإشباع الفوري والاعتماد على المعلومات. ولكن كما هو الحال مع جميع الأسئلة الافتراضية، ربما عندما يتحول الافتراض لحقيقة سيختار البعض أن يحافظوا على قدرتهم على إغلاق هواتفهم. ربما سيتذكرون ذلك الوقت مع شعور النوستالجيا الذي أشعر به تجاه تجارب الطفولة التي لم تعد موجودة.

 

في رواية إسماعيل (1992) التي كتبها دانيال كوين، يُخبر القرد إسماعيل تلميذه البشري أنه خبير في الأسر.

إذ يقول التلميذ: “لدي شعور بأنني أسير، ولكن لا يسعني شرح السبب”.

فيجيبه إسماعيل: “أنت عاجز عن إيجاد قضبان قفصك”.

 

لطالما أعود إلى هذه الفكرة عندما أفكر في تجربة YONDR، إذ يتحدث إسماعيل عن تدمير البيئة لكن ملاحظته تنطبق على الاستخدام البشري للتكنولوجيا أيضًا. لا مفر من التكنولوجيا، وبخاصة الهواتف الذكية، للمشاركة في الحضارة الحديثة. فنحن ندفع الفواتير ونتواصل مع الأصدقاء والعائلة ونحصل على الأخبار ونتقدم للوظائف والكليات والرعاية الصحية عبر مواقع الويب والتطبيقات فالطرق القديمة لم تعد سارية الآن، لذا علينا التكيّف.

 

ولكن لا تزال كيفية هذا التكيف متروكة لنا فهل ستقف في صفٍ لتدفع أكثر من 999$ في جهاز iPhone الجديد؟ هل نتراسل نصيًا عبر الهاتف مع شخص ما في الغرفة أو نحتفظ بهواتفنا على الطاولة أثناء العشاء؟ هل نختار التفاعل مع البشر الآخرين بأقل قدر ممكن ونعتمد على التكنولوجيا باعتبارها الوسيط؟

 

في النهاية، ما تمثله أجربة YONDR هو “الاختيار”، إذ من الممكن ألا يؤدي التفويض إلى سردٍ مختلف، ولكنه قد يقدم للطلاب حلًا ملتفًا. وإن كانوا سيزرعون الهواتف الذكية في أجسامهم، آمل أن يفعلوا ذلك ليس لأنه الطريق الأقل مقاومة، بل لأنهم قد فكروا في ذلك ولأنهم يريدونه حقًا. وإذا أوقفوا هواتفهم، آمل ألا يكون السبب في ذلك (دائمًا) هو طلب الأستاذ.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك