ما الذي يحفزّ الأطفال على التعلّم؟

9 يناير , 2016

zedni-new-artical

إذا كانت الرغبة في المعرفة والتعلم طبيعية لدى الطّفل، فإنها لا يمكن أن تُعطي ثمارها إلاّ تحت شروط معينة.

في التعليم

“قبل خمس عشرة سنة، عندما كان أحد التلاميذ يخبرني بأنه لا يملك أدنى رغبة في الركض مسافة 100 متر مع باقي زملائه في الصف كنت ألومه بشدة وأقول له: رغم ذلك سوف تركض!” يعترف “شارل مارتن-كروم”، أستاذ باحث في المعهد الجامعي لتكوين المعلّمين ببريطانيا، والأستاذ السابق لمادة الرياضة في الإعدادي.

ثم يواصل :”قبل عشر سنوات كنت أعتمد على نظام “المكافأة-العقاب”: “إذا لم تركض ستحصل على الصّفر”.

لكن لاحقًا، وبعد إحساسه بالخذلان بسبب عدم جدوى ذلك النظام، اعتمد الأستاذ على طريقة أخرى: “أقول لذلك التلميذ بأنني أفهمه، وأنه ليس من المضحك الركض تحت المطر، ولكن إذا قام بهذا بإيقاعه الخاص فسوف يساعده على البقاء بصحة جيدة طيلة اليوم وفي نفس المستوى مع باقي زملائه”.

التعاطف، التمكين، والقرب الاجتماعي، هذه هي الوسائل التي استعملها هذا الأستاذ لأجل تحفيز تلاميذه، إنها استراتيجية بعيدة كلّ البعد عن السياسة التقليدية “العصا والجزرة”، كما أنها مستعملة بكثرة في أبحاث علم النفس الإيجابي، خاصةً تلك التي يعمل عليها فريق الأستاذ “فيليب سارازين” الباحث في جامعة “جوزيف – فوريي” في مدينة غرونوبل الفرنسية، والذي يلاحظ في إحدى فقرات كتابه “Traité de psychologie positive“: “عندما يتلقى فرد يملك حافزًا داخليًا و طبيعيًا، مكافأة على إنجازه عملاً ما، فإنه يلجأ مع مرور الوقت إلى الفصل بين هذين الحافزين ومن ثم يعتبر أن السبب الخارجي أقوى من السبب الداخلي، أو بطريقة أخرى، يشعر تدريجيًا بأنه لم يعد “أصل” تلك الأعمال التي كان يقوم بها، وأن ما يحفزه على فعلها يقع خارج ذاته.” والنتيجة: يتعلم التلميذ فقط بهدف الحصول على نقاط جيدة وليس لإشباع فضوله. وبالتالي قد يختفي فضوله.

بالنسبة للتلاميذ “الخمسة من أصل خمسة وعشرين” الذين لا يسيرون وفق نظام “المكافأة والعقاب” يجب أيضًا لفت الانتباه إلى أهمية بعض المواد الدراسية في حياتهم الشخصية المستقبلية، يقول شارل مارتن-كروم: “في الفلسفة، على سبيل المثال، بإمكاننا تشجيع التلاميذ على القيام باختيارات من بين روايات أو مقالات ستفيدهم حين يكملون مسيرتهم الدراسية في الثانوية”.

هناك عامل آخر للتحفيز الحقيقي: تغيير نظرتهم لأخطائهم وفشلهم، ”لأجل إشباع الرغبة في الاستقلال لدى تلميذ ما، سوف نطلب منه أن يجد بنفسه طرقًا لتصحيح أخطائه، وبالتالي نعطي قيمة لأسلوب التعلم عبر “المحاولات والأخطاء”.

كما أثبتت أبحاث قام بها “فريدريك أوتان” أو “جون-كلود كروازي” من “جامعة بواتيي” و”مركز الأبحاث حول المعرفة والتعلم” أننا كلما سمحنا للطفل بارتكاب الأخطاء كلما جعلناه يتجنّب الاحساس بالسوء تجاه الفشل، وبالتالي نقوّي بداخله روح المبادرة والرغبة في التطور.

تجنّب المنافسة التي تؤدي للعزلة

يبدو من البديهي أن التحفيز الذي هو في آن واحد مصدر قوي للجُهود ومحرّك حسّاس قابل للتوقف في أية لحظة، لا يمكن أن يعطي ثماره إلاّ في مُحيط مُشبع لبعض الحاجات السيكولوجية للطفل، فما هي هذه الحاجات؟

قام “فابيان فينويلي” أستاذ علم النفس المعرفي في جامعة Nanterre Paris Ouest  وصاحب كتاب “التحفيز والنجاح المدرسي”  بتحديد ثلاثة حاجات سيكولوجية أساسية.

في المقام الأول “تقرير المصير الذاتي”: “يأتي الاهتمام بشكل أسهل عندما يتوفر الطفل على هامش حرية فيما يجب عليه القيام به من أعمال، وعندما يشعر بأنه هو من اختار ذلك” وأحيانًا يجب المرور بالحافز الخارجي (مثال: الوالدين اللذين يقومان بتسجيل ابنهما في دروس البيانو) قبل توليد الحافز الداخلي (يتمرن الطفل على البيانو لأنه يرغب في أن يصبح عازف بيانو في فرقة شهيرة).

من المهم أيضًا: “الاقتناع لدى الطفل بأنه قادر على مواجهة تحديات وصعوبات جديدة بما يملكه من مهارات شخصية” يضيف الباحث.

إذا كان المستوى مرتفعًا جدًا، أو إذا كنا ننتقد في كل مرة العمل الذي تم إنجازه، فإن الاهتمام سيتم فقدانه لأنه من الضروري أن يتمكن الطفل من تخيل مستقبل لما يتعلّمه.

وأخيرًا، المُعطى الثالث الذي لا يمكن نسيانه، حسب نفس الباحث: الإحساس بالاطمئنان داخل المجموعة. “الطفل بحاجة لمشاركة قيمه مع مجموعة من الأصدقاء، وحتى لو كانت هناك منافسات عالية المستوى فإن الطفل قادر على التطور بداخل المنافسات التي تصل لمستواه، وبالتالي من الضروري تفادي المنافسات التي تعزل الطفل عن باقي أفراد المجموعة، ومن المؤسف أن هذا النوع الأسوأ من المنافسة هو الأكثر انتشارًا في النظام التعليمي التقليدي.


المقال الأصلي 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك