ما شعور الشباب الحقيقي بتكنولوجيا اليوم؟

17 مايو , 2018

المقال الأصليHow Do Young People Really Feel about Technology?

 

لا يحب الشباب أجهزتهم بالقدر الذي نظن نحن أنهم يفعلون، كل ما في الأمر أنهم يحتاجون بعض المساعدة لفصلهم عنها فحسْب.

عندما كنتُ أُجري مقابلةً مع طلاب جامعيين عن التكنولوجيا، أخبرتني إحدى الفتيات، كيف أنه بعد أن تمَّ سرقة هاتفها في الحافلة في شيكاغو، بقيت تطارد اللصوص في الحافلة، وحتى بعد أن نزلوا إلى الشارع، وعرضت عليهم مبلغ 150$ مقابل إعادة الهاتف لها، فوافقوا وأعادوه.

بعد ذلك أخبرتها الشرطة أنَّ ما فعلته كان خطيرًا جدًّا، كان رأيي موافقًا لرأي الشرطة، وسألتها: ما الشيء الذي يجعلها تتصرف بهذا التهور، فأوحت: بأن هاتفها في ذلك الوقت كان أثمن من حياتها.

 

يظن الناس أن حياة الشباب تدور دومًا حول هواتفهم الذكية، وأنَّ هذه الأجهزة هي غاية شغفهم وحبهم، وإننا لنمزح ونقول: أنَّ هذه الأجهزة مرتبطة بهم بصفتها ملحقًا أساسًا.

 

شخصيًا افترضتُ أن هذا هو الحال أيضًا، عندما شرعتُ في إجراء بحثي، بقيتُ عامين في إجراء مقابلات مع ما يقارب من مئتي طالب ومسح 900 إضافيين عبر ثلاث عشرة كلية وجامعة في الولايات المتحدة الأمريكية، أسألهم عن مواقع التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية، أردتُ أن أعرف تأثير الهواتف الذكية على حياة الشباب، وهويتهم، وعلاقاتهم، وإحساسهم بكيانهم وإحساسهم بمكانهم في العالم والمجتمعات أو عدم إحساسهم به.

 

وجدتُ شيئًا مثيرًا للدهشة! حينما كان الطلاب يحبون أجهزتهم كانوا يكرهونها بقدر كبير أيضًا، أو حتى يشعرون بالتعقيد حين يتعاملون معها، ويبذلون جهدًا كبيرًا للسيطرة عليها، والحد من استخدامهم لها (تلك الأجهزة التي تعتبر أصلًا طريقة للتواصل الاجتماعي)

 

وما لم نبذل الجهد الكافي لفهمه هو كيفية ارتباط الشباب بهواتفهم، سنستمر بالمزاح وطبع القوالب وهذا لن يساعد، فهناك طرق أفضل لدعم الشباب وهم يبذلون جهدهم للحصول على علاقة صحية مع هواتفهم الذكية.

 

أحبك ..! (لا.. أكرهك!)

يبذل الشباب مجهودًا كبيرًا في تخيُّل حياتهم بعيدًا عن تلك الأشياء الجميلة والنحيلة ذات الشاشات السهلة التحطم، الهواتف الذكية تساعدهم في التنقل بشوارع لا يعرفون ماهيتها، وفي اتخاذ قرار أين سيخرجون الليلة؟ وفي البقاء على اتصال بأحبابهم أو حتى مَن ليسوا أحبابهم أو حتى العالم ككل.

 

حتى إن هناك امرأةً شابة كنت قد قابلتُها، ألصقت اسمًا على هاتفها؛ حيث إنها أسمته (ميج)، وتحدثت عن (ميج) كأنه شخصٌ حقيقي في حياتها، تكِّنُ له كل الْمَعزَّة.

 

وشاب آخر أجريتُ معه مقابلة، أخبرني أنه لو خرج من غير هاتفه، فكأنما خرج من غير قلبه أو دماغه، ثم ضحك من نفسه كما لو بدا ميلودراميا*.

 

لكن إذا ما نظرنا إلى الصورة كاملة لرأينا أن معظم طلاب الجامعات، يبذلون قصارى جهدهم ليعيشوا بدون هواتفهم الذكية، على الأقل في فترات قصيرة من حياتهم الأسبوعية أو اليومية.

 

معظم الطلاب حاولوا جاهدين وضع حدود لاستخدام هواتفهم الذكية، حيث يستغرقون أيامًا أو حتى شهورًا للتخلص من أجهزتهم أو من منصة التواصل الاجتماعي تحديدًا، يحضرون كل الطقوس التي بإمكانها مساعدتهم لنيل مبتغاهم.

 

كان هناك طلاب قد تركوا هواتفهم خارج غرفة المقابلة حتى لا تجذبهم إليها في أثناء محادثتهم معنا، وبعض الطلاب تركوا شواحنهم في المنزل وعدًا منهم لأنفسهم أنهم لن يستخدموها حال نفاذ البطارية ولبقية اليوم، سيدة أخرى أخبرتني أنها ترغب بالذهاب إلى الكنيسة لتكون حرة ولو ساعة واحدة من هاتفها النقال.

 

كثير من الشباب يَتُوقُون لإذن منا بالمساعدة لفصل أجهزتهم بالوقت الذي لا يستطيعون فعل ذلك بأنفسهم.

 

تحدَّثَ الطلاب عن كيفية تسليم أجهزتهم لشركائهم في السكن أو لأصدقائهم بشكل منتظم، وبتعليمات صريحة ألَّا تتم إعادته لهم حتى ينتهوا من المختبر أو العمل الذي بين أيديهم لليوم التالي.

 

وكان من الطبيعي تمامًا أن يترك الشباب هواتفهم في كومةٍ ما لا يمكن الوصول إليها عند الخروج مع أصدقائهم للعشاء.

 

ومثل أي شخص آخر أعلم، أنه من الصعب جدًّا على الطلاب مقاومة الاستيلاء على هواتفهم الذكية، حيث إنه أشبه بمقاومة الشوكولا أو رقائق البطاطس، خصوصًا عندما تكون موضوعة في أوعية ومصفوفة بشكل مغرٍ، لكنهم يحاولون ويحاولون أن يفعلوا ذلك، وعندما يفشلون تمامًا، أو يسقطون وعودهم أو توقعاتهم، إنهم يحاولون مجددًا باختراع طرق جديدة في مقاومة شغفهم وفضولهم.

 

وحقيقةً إن طلاب الكلية الذين تحدَّثْتُ معهم لم يستطيعوا تصور إعطاء هواتفهم الذكية بشكل كامل أو دائم. إذ كيف سيجد الناس طريقهم بدون نظام GPS؟ ماذا لو كانت هناك حالة طوارئ؟ كيف يمكن لوالديهم الوصول إليهم عشر مرات في اليوم إذا لم يكن لديهم هواتفهم باستمرار؟ كيف يمكنهم التقاط الصور؟ (لقد تخيل عدد قليل من الأشخاص هذا السيناريو، على الرغم من ذلك: أخبرني أحد الشباب أنه لا يستطيع الانتظار حتى يكبَر ويُصبِحَ العملُ من الماضي، ويتمكن من “التقاعد” من امتلاك هاتف ذكي.) ممكن أن يُحبِطَ بَعضَهم.

 

من الواضح أنَّ تعلق الشباب بهواتفهم ليس بالشيء المبهج والسعيد بالنسبة لهم، على الرغم من أن الاعتراف بذلك ممكن أن يحبِط بعضهم أو يضايقه، فالعديد يتمنون منا الإذن لهم بإغلاق أجهزتهم عندما لا يستطيعون فعل ذلك بإرادتهم الحرة، وبدلًا من أن نطلق الأحكام عليهم ، علينا أن نجد بعض الطرق لنكون حلفاء لهم ضد صراعاتهم التكنولوجية.

 

أبعده بعيدًا .. الآباء والمعلمين.

“معظمنا يحتاج المساعدة ليضع هاتفه جانبًا، ونحتاج مساندة فعلية في إزالته من شخصنا وألا نُعطى أي خيار في المسألة”.

 

وعلق عدد غير قليل ممن أجرينا مقابلات معهم على مدى تقديرهم عندما أخذ آباؤهم هواتفهم في رحلة عائلية، أو حتى في الليل في البيت.

 

حسنا إنهم أخيرًا قدّروا هذه الإشارة، معظم هؤلاء الطلاب أنفسهم تحدثوا عن كيفية أن الأيام الأولى للانفصال عن أجهزتهم كانت مؤلمة بشكل لا يصدق، لقد شعروا بانسحاب رهيب وشعروا بأنهم مدمنين، بعدها بدؤوا يشعرون بسلام وبهجة، وتواصلوا مع الآخرين بطريقة لم يفعلوها منذ سنوات، كانوا ممتنين لتلك الراحة التي حصلوا عليها، وأصبح لديهم هاجس التخوف من العودة إلى هواتفهم.

 

على الرغم من أن الأطفال بداية يبدون منزعجين ومقاومين، أو حتى مليئين بالغضب من مجرد إبعادهم عن هواتفهم، أو حتى وضع حدود لاستخدامهم لها.

 

ضمنيًا هم يشعرون بالامتنان لبذل هذا الجهد، أنا أرجح أن الأغلبية منهم سيشكرون إذا ما حللنا ذاك الاتصال قليلًا أو على الأقل ساعدنا على تخفيفه.

 

طريقة أخرى سهلة (ومجانية تمامًا) بحيث يمكن للأهل والمدارس والجامعات أن يساعدوا الأطفال بها بأن يتم توفير مساحات خالية من WiFi، بالإضافة لتلك المساحات المتصلة بالـWiFi. كل شخص قابلته بكل حرم جامعي يستطيع إخباري أين أجد مكان حر من الـWiFi، كما هو الحال في الزوايا أو الأماكن الضيقة والصغيرة حيث الـWiFi في الجامعة قد ضل طريقه إليها عن طريق الصدفة، هم يذهبون لتلك الأماكن للدراسة، معظم الطلاب يتمنون أن يجدوا مثل هذا المكان للتواصل الاجتماعي أيضًا.

 

لماذا لا نقوم بإزالة الـWiFi من مكان معين أو طابق المكتبة، أو كافيتريا أو استراحة في حرم جامعي كبير، غرفة مخصصة في المنزل، أو غرفة أو اثنين أو أكثر في مبنى مدرسي، وهذا يوفر للأطفال والبالغين فرصًا متنوعة من المعيشة والتعليم والتواصل الاجتماعي، بعضها متصل والآخر مقفل.

 

يمكننا أن نستخدم بعض المساعدة من أصدقائنا أو أهلنا أو معلمينا ومجتمعاتنا، في الانتقال إلى علاقة أكثر صحةً مع أجهزتنا.

 

تصالَحْ مع الذات.. أَطْلِق أحكامًا أقل.!

سبب أننا نحتاج مساعدة هو أنه من الصعب جدًّا علينا وضع أجهزتنا بعيدًا عن متناول أيدينا، الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي صُمموا لجعلنا نريد استخدامهم بشكل أكثر وليس أقل.

 

إن مصممي المنتجات يلعبون على نقاط ضعفك النفسية (بوعي أومن غير وعي) هم في سباق ضدك لجذب انتباهك، هذا ما قاله تريستان هاريس Tristan Harris -وهو خبير في أخلاقيات التصميم في جوجل- والذي حدد عشر طرق لتخطف التكنولوجيا عقلك.

 

وهذا لا يبشر بالخير بالنسبة لنا نحن الذين نبذل جهودًا للحد من استخدام هذه التكنولوجيا.

 

إن الذين قابلتهم كانوا مستائين من شعور غير صحي تجاه هواتفهم الذكية، وكانوا يشعرون بالخجل لكونهم لا يملكون القدرة على التحكم بها، وقد تكون هواتفهم الذكية شبيهة بأطباق الشوكولا التي بمتناول أيديهم باستمرار ويتوقعون أنَّ لديهم القدرة الكاملة على مقاومة أكلها كلما أرادوا ذلك، وأنهم لا يغشون أبدًا في النظام الغذائي الذي وضعوه لأنفسهم.

 

نحن بحاجة أن نكون أقل قسوة مع أنفسنا، لا بأس بأن نعترف بأننا نكافح وقد نفشل بأن نحقق مستوى من الاستخدام يكون صحيًّا نسبيًّا، علينا أن نطلب المساعدة ممن حولنا، ولا حرج بأن نعترف أننا بحاجة لهذه المساعدة.

 

لذلك علينا التصالح مع الذات .. وإطلاقا أقل للأحكام، هذا ما يجب أن يكون عليه شعارنا المتبع فيما يتعلق بهواتفنا.

 

المعرفة.. والمناقشة.. هي القوة.!

بالأخذ بعين الاعتبار أن التكنولوجيا ممكن أن تسبب الإدمان إلا إن ما علينا فعله ليس سحب الهواتف من أطفالنا، وإنما إنشاء حوار صريح وهادف عن الأمر سواء على مستوى العائلة أو حتى الفصول الدراسية.

 

نحن بحاجة أن نتناقش عن وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية، وأعني بذلك بعض التفكير النقدي حول هذه الأشياء، وتصميمها، ونوايا مصمميها، والشركات التي تديرها، وكيف تغير عالمنا، وحياتنا، وعلاقاتنا، وعن كينونتنا الشخصية والاجتماعية، وهويتنا سواء من أجل الخير والمرض.

 

ما مستوى الاستخدام الصحي لهذه الأجهزة؟ هل يختلف من شخص لآخر؟ ما المعيار الذي علينا استخدامه لنعرف؟ هل يمكن لبعض الناس ألَّا يَصلوا إلى التوازن الصحي؟ (لقد رأيت طلاب الجامعات يطرحون هذا السؤال بأنفسهم). كيف تعمل أدواتنا على تسهيل وتعقيد قدراتنا على التواصل والتحاور مع بعضنا البعض بنفس الوقت؟ هل بعض التقنيات الجديدة وطرق استخدامها أكثر أخلاقية؟ هذه أسئلة جيدة علينا التفكير فيها ومناقشتها.

 

إن التعلق المستمر بالهاتف الذكي ليس مسألة الشباب فقط وإنما هي مشكلة الجميع، الجميع (حتى أنت من يقرأ هذا المقال)، فالجميع يميلون إلى جعل هواتفهم جاهزة دائمًا، للبقاء في محادثة مفتوحة مستمرة وحاسمة حول ما نشعر به حيال أجهزتنا، وكيف نستخدمها، لا يتعلق الأمر فقط بمنح السلطة بذلك لأطفالنا باستخدام التكنولوجيا الجديدة فقط، ولكن يتعلق بنا أيضًا.

 

إحدى الفتيات التي أُجْرِيَتْ معهم مقابلة كانت قد أخذتْ إجازة طويلة (قرب العام) من جميع وسائل التواصل الاجتماعية. حيث إنها شعرت أنها تُستخدَم من قِبَلها، وقد أزعجها هذا كثيرًا وقد أخبرتني بذلك، لأننا من المفترض أن نكون نحن من نَستخدِم منصات مثل Facebook وليس العكس.

 

لذا فقد قدمتُ وعدًا لنفسها: لن تعيد الانضمام إلى Facebook أو تنزل أي تطبيق آخر لوسائل الإعلام الاجتماعية حتى تشعر أنها قادرة على البقاء في وضعية الْمُستخدِم، وتكون قوية بما فيه الكفاية بحيث لا تسمح لهذه الأجهزة بالسيطرة عليها. قبل وقت قصير من المقابلة، وصلت إلى هذا الهدف.

 

قدمتْ هذه الشابة تمييزًا بسيطًا في ظاهر الأمر، ولكنه مهم جدًّا بين الاستخدام وشعور أنك الْمُستخدِم أو المُستخدَم. إنه تمييز يدور العديد من الطلاب حوله في محادثاتنا، ويمكن ذلك أن يساعدنا جميعًا على التنقل بشكل أفضل عبر وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية، وذلك في محاولة لتطوير علاقة أكثر صحة معها، فهل نستخدم هذه التكنولوجيا، أم أنها تستخدمنا؟

 

*الميلودراما (Melodrama):

هي ذلك النوع من التمثيليات التي تزخر بالحوادث المثيرة وتتسم بالمبالغة في كل شيء. وشخصية البطل دائمًا يكون فيها كريم الخلق جميل الصورة، والبطلة دائما حسناء طيبة طاهرة النفس.

 

WiFi*:

(واي-فاي (بالإنجليزية : WiFi حيث Wi هي اختصار لـWireless وFi هو مقطع ليس له معنى أُضيف للتناغم مع هاي-فاي [الإنجليزية][1]) مصطلح يستخدم لتعريف أي من تقنيات الاتصال اللاسلكي في المعيار آي إي إي إي 802.11 وهي التقنية التي تقوم عليها معظم الشبكات اللاسلكية شبكة محلية لاسلكية اليوم.

 

GPS*:

نظام تحديد المواقع العالمي: هو نظام ملاحي مبني على الأقمار الصناعية، و يتكون من شبكة تحتوي على 24 قمر صناعي موجودة في مدار الفضاء من وزارة الدفاع الأمريكية.

 

 

المصدر:

https://greatergood.berkeley.edu/article/item/how_do_young_people_really_feel_about_technology

  Donna Freitas : تأليف



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك