ما هو دور التعليم في صناعة السعادة؟ (ورقة بحثية مُترجمة)

28 نوفمبر , 2019

ورقة بحثية مترجمة لـ باتريك بليسنجر، عن السعادة في التعليم.
العنوان الأصلي
: What role should education play in creating happiness?

 

مُلخص

خلال التاريخ البشري، تأمل كبار المفكرين في فكرة السعادة وما الذي يجعل الناس سعداء؟
وفي التاريخ الحديث أصبح التركيز أكبر على فكرة السعادة بصفتها واحدةً من أهم الصفات البشرية المرغوبة على المستوى الوطني والتنظيمي والفردي.

على سبيل المثال في سنة 1972 قامت دولة بوتان باستبدال حساب قيمة الناتج القومي الإجمالي بمقدار السعادة الوطنية الإجمالية، كمقياس رئيس لتقدم الدولة.

يناقش رئيس جامعة هارفارد السابق ديريك بوك في كتابه (سياسة السعادة) العديد من العوامل التي حددها الباحثون على أنها تنتج سعادة دائمة وهامة (غير العوامل الوراثية) مثل الزواج، والعلاقات الاجتماعية، والتوظيف، والصحة، والدين، والعمل التطوعي، وكفاءة الحكومات.

بما أن التعليم يؤدي دورًا محوريًا في الحياة الاجتماعية للبشر، فيبدو من المناسب أن تلعب الجامعات دورًا أساسيًا في الجهود المبذولة لزيادة السعادة.

 

إذن على وجه التحديد، ما الدور الذي يمكن ويجب على المؤسسات التعليمية أداءه لتهيئة الظروف اللازمة لصناعة السعادة في المدارس؟

يوضح هذا العرض النتائج البارزة لـ أبحاث السعادة المتعلقة بالتعليم العالي، واستنادًا إلى هذه النتائج يعمل العرض على حجة كون الجامعات والمدارس مسؤولين عن خلق بيئة للسعادة. بالإضافة إلى أدوارها التقليدية في إنتاج المعرفة (مثل الأبحاث والتعليم وما إلى ذلك) وتطوير قدرات الطلاب ليصبحوا أفرادًا نافعين في المجتمع (مثل الأهداف المهنية)، فهم كذلك يؤدون دورًا حيويًا في مساعدة الطلاب على خلق حياة ذات معنى شخصي والحصول على السعادة الدائمة.

 

مقدمة

إن البحث عن السعادة البشرية هو جزء جوهري من التجربة الإنسانية، فبغض النظر عن الثقافة التي ننتمي إليها، يبدو أن الحاجة لكوننا سعداء هو أمر أساس في النفس البشرية.

على مر السنين بذل البشر جهود كبيرة للبحث عن السعادة واختبارها، ونجد هذا البحث في أساطيرنا، وحكايتنا الشعبية، وعقائدنا الدينية، وتاريخنا، جنبًا إلى أشياء أخرى مثل المعنى، والحكمة، والفضيلة، والروحانية.

مع ذلك وفي الوقت نفسه، يبدو أن السعادة بعيدة المنال وغير محددة بطريقة ملموسة.

ربما لا ينبغي أن يصبح هذا أمرًا مفاجئًا! حيث إن السعادة مطلب شخصي وفردي للغاية، وفي نهاية المطاف يتم اختبارها على مستوى فردي كذلك، على الرغم من تحصيلها يعتمد بشكل كبير على جودة علاقاتنا الاجتماعية.

لا يوجد ما يضمن حصولنا على السعادة الدائمة في رحلتنا الحياتية، ولكن شيئًا ما في وجودنا يدفعنا إلى البحث عنها رغم ذلك.

منذ عهد الفلاسفة اليونانيين لم نشهد مثل هذا الانبعاث لفكرة السعادة الإنسانية والدور الذي يؤديه التعليم في تحقيقها.

 

ما دور السعادة وطبيعتها في التجربة الإنسانية؟

رأى الفلاسفة مثل أرسطو وأبيقور أن السعادة البشرية هي الغاية والهدف الأعلى، وحاولوا الإجابة على بعض الأسئلة الأساسية مثل: هل يمكننا تعريف السعادة؟ هل السعادة الدائمة قابلة للتحقق؟ هل يجب أن تضع الاعتبارات الأخلاقية والعدالة قيودًا على السعادة؟ وإن كان الأمر كذلك، فما هي طبيعة تلك الاعتبارات؟ وما هي قيود هذه الحدود؟ (بوك، س، 2010)

هل ينبغي أن تكون حدودًا لسعادة شخص واحد، إذا كان السبيل لتحقيق هذه السعادة هو تثبيط سعادة شخص آخر؟ بعبارة أخرى، أتحقيق السعادة حق مطلق أم حق مشروط؟

هذه مجموعة من الأسئلة العقلانية التي تفترض أن في واقع الطبيعة البشرية تمتلك دافعًا نحو الحفاظ على الذات والسلوكيات الذاتية.

إذن إلى أي مدى يحق للإنسان السعي وراء سعادته الشخصية حتى لو كان هذا على حساب سعادة شخص آخر؟

وجهات نظر متنوعة

هناك العديد من وجهات النظر المختلفة حول مفهوم السعادة، منها على سبيل المثال وجهات النظر النفسية والاجتماعية والدينية والفلسفية والشاعرية والفنية.

بعض الكتاب يأخذون الأمر من منظور تحقيق واسع ويطرحون أسئلة مثل: ما علاقة السعادة بالفضيلة؟

وبعض المؤلفين يدرسون الأمر من منظور تاريخي وفلسفي شامل (مثل كوينل، 1988) وآخرين يدرسون الطبيعة الجمالية للسعادة (مثل ماكجيل، 1967)، وبالطبع فإن الأدب الشعبي (مثل كتب التنمية الذاتية) مليء بالعديد من الكُتَّاب الذين يقدمون الوصفات والنصائح حول تحقيق السعادة.

للوراثة والثقافة والحظ دور في كيفية تجربة الناس للسعادة وإلى أي درجة. لكن بصرف النظر عن وجهات النظر المختلفة التي يرى بها هؤلاء المؤلفون المتنوعون السعادة، وبصرف النظر عن الوسائل التي يختارونها لدراستها، فإن التشابه الذي يجمعهم كلهم هو محاولتهم الإجابة على السؤال الأساس: كيف يمكن للإنسان تحقيق السعادة؟ (بوك، س، 2010).

يبدو أن بعض التعبيرات عن المشاعر مثل الفرحة والغضب، هي مظاهر عالمية وتظهر بغض النظر عن الثقافة التي ينتمي لها الفرد (داروين، 1998؛ إيكمان، ودافيدسون 1994) ومع ذلك فإن اللغات المختلفة تشير إلى ظلال وأنواع متباينة من المعاني (ذاتية وموضوعية) للفكرة (الفهم المعرفي) للسعادة والتجربة الظاهرية لها، مما يجعل من الصعب تحديد وصف شامل ودقيق للكلمة (دنكان 2007؛ ويرزبكا 2007). لذا بالنظر إلى مجموعة واسعة من الأدلة من بيانات المسح والبحث الفلسفي والروايات والبيانات العلمية، ربما يمكننا الحصول على رؤية أكثر شمولًا ونظرة أعمق على ظاهرة السعادة المعقدة، كيف نفكر بها ونفهمها؟ كيف نختبرها عاطفيًا واجتماعيًا؟ لماذا نعتبرها واحدة من أعظم أهداف الحياة؟

 

تعريفات ودرجات السعادة

إذا كان على المرء طرح سؤال عن تعريف أو معنى السعادة على الناس، من المرجح أن يتلقى العديد من الإجابات المختلفة لأن السعادة هي ظاهرة فردية وشخصية للغاية، ويوجد العديد من العوامل التي تؤثر في نتائجها.

كما أن درجة السعادة على الأرجح ستعتمد بشكل كبير على المزاج الموروث والظروف الفريدة للتنشئة الاجتماعية للفرد. (بوك، د، 2010).

لذلك فإن محاولة البحث عن تعريف عالمي واحد ملموس هو أمر مستحيل! لدى العديد من الفلاسفة والكتاب وعلماء الدين المختلفين عبر التاريخ رؤى مختلفة لمعنى أن يكون المرء سعيدًا، من خلال منظورات مختلفة منها على سبيل المثال، المعنوية والسياسية والإنسانية.

مع ذلك واستنادًا إلى أبحاثهم فإن الباحثان داينر سوه، وأويشي (1997 صفحة 25) يعرفان السعادة باعتبارها حالة من الرفاهية حيث يشعر المرء بالرضا عن حياته والفرح المتكرر، ولا يجابه إلا القليل من المشاعر غير السارة مثل الحزن أو الغضب.

 

لماذا تمثل السعادة السعي الأكبر والهدف الأسمى عند البشرية؟

تمثل السعادة كما هو الحال مع بعض الصفات الأخرى المرغوبة مثل الفرح والسرور والبهجة، الحالة المُفضلة لدى البشر لكونها شرطًا أساسًا لتحقيق تجربة إنسانية إيجابية، وهناك العديد من الفوائد التي تعود على المرء كونه سعيد. فهي تساعد على توفير الطاقة النفسية والعاطفية لعيش الحياة بشكل كامل وبكل قدراتنا، ودعمنا لمواجهة الشدائد والتعامل معها على نحو أفضل.

 

ناقش جيمس (1902) الطرق المتعددة التي يختبرها الناس للبحث عن السعادة (مثل الصلاة والتأمل والحياة الفاضلة)، وكان يعتقد أن السعي وراء السعادة هو الدافع الرئيس لكل ما يفعله الناس.

 

الأدلة التجريبية الأخيرة

لاحظ جيمس (1890) في عمله الأساس عن مبادئ علم النفس، أن على المرء الاعتماد على التأمل الشخصي والاستبطان لفهم المعنى الشخصي للتجربة الإنسانية، بما في ذلك تجربة السعادة. لذلك فإن الاستبطان إلى جانب الأدلة التجريبية يمكن أن يكون بمثابة وسيلة قابلة للتطبيق لفهم معنى أعمق للسعادة.

من المفترض أن الناس يختبرون السعادة بطرق مختلفة منها الممارسات الدينية والطقوس الشعائرية والفلسفات الشخصية حول كيفية قيادة الذات لحياة سعيدة.

معظم التفكير في السعادة قبل القرن العشرين كان يتم من خلال البحث والنظر عبر منظور فلسفي وأخلاقي، بالإضافة إلى فحص تجارب الآخرين ورواياتهم.

مع ذلك فإن في عصرنا الحديث، ومع تقدم العلوم الاجتماعية وطرق البحث الطبي، يمكننا الاعتماد على الأبحاث التجريبية للمساعدة في فهمنا لمعنى السعادة، وتستند معظم هذه الأبحاث التجريبية عن السعادة على مسوحات التقويم الذاتي حيث يشير الأفراد إلى مستوى سعادتهم في الحياة (بوك، د، 2010).

لذا وبالإضافة إلى كتابات الخبراء في هذا المجال، يمكننا فحص إجابات الأفراد المُجمعة بشكل علمي لمساعدتنا على فهم أفضل لظاهرة السعادة سواء مكوناتها الاجتماعية والنفسية أو المعرفية واكتساب وجهات نظر أكثر دقة بالنسبة إلى مجموعة متنوعة من العوامل مثل الثقافة والعرق والجنس والطبقة الاقتصادية ومستوى التعليم.

على الرغم من كل هذا، فإن إحدى الصعوبات الرئيسة التي تواجه هذه الدراسات هي تحديد العلاقة بين السبب والنتيجة، وبينما أن بعض هذه الدراسات قادرة على تحديد الارتباطات الخطية بين المتغيرات، فإن هذه الارتباطات لا تمثل العلاقة بين السبب والنتيجة. على سبيل المثال يظهر دايتون (2007) أن متوسط السعادة في أي دولة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمستوى دخل الفرد، وهذا ينطبق في الغالب على كافة الدول، لهذا تميل البلدان الأكثر نموًا من الناحية الاقتصادية إلى تحقيق مستوى سعادة أكبر في المتوسط مقارنة بالبلدان الأقل نموًا. لكن المزيد من الدراسات في البلدان ذات الاقتصاد المتقدم تظهر أن مستوى سعادة الفرد لا يتغير كثيرًا مع تقدم الناس في مسيرتهم المهنية على مدار حياتهم.

هذا يشير إلى أنه ربما يكون الناس الأثرياء أكثر سعادة عند البدء، وبعد ذلك يملكون حافز طبيعي لتحقيق المزيد في مسيرتهم المهنية وأنشطتهم التي تؤدي إلى تحقيق ثروة أكبر، ليس لأن المال (إما امتلاكه أو السعي له) يجعل الإنسان أكثر سعادة (دينر، سوه، لوكاس، سميث، 1999).

يبدو أن من المنطقي أن المال بصفته وسيلة للتبادل وقدرته على توفير المزيد من الحرية في الخيارات، لكن ذلك لا يعني أن السعادة هي النتيجة الحتمية لامتلاكه.

بعبارة أخرى الناس الأكثر سعادة يميلون لامتلاك الصفات التي تجعلهم أكثر احتمالًا في تحقيق مستوى أعلى من الدخل، ويمكن إتباع الحجة نفسها عن خريجي الجامعات، فعادة ما تروج الجامعات لفكرة أن خريجي الجامعات أكثر دخلًا في المتوسط من الخريجين غير الجامعيين.

في حين أن هذا الأمر قد يكون صحيحًا، إلا أن الشهادة الجامعية في حد ذاتها لن تؤدي تلقائيًا إلى سبب في زيادة دخل الفرد بعد التخرج. قد يكون التفسير المنطقي لهذه الفكرة هو كون الأشخاص الذين يدخلون الكلية يملكون بالفعل تلك السمات مثل الطموح، وأخلاقيات العمل، والمثابرة، والقدرة الفكرية، التي قد تجعلهم أكثر احتمالًا للنجاح في الحياة، وبالتالي عند تسجيلهم في الكلية لديهم احتمالية أكبر للنجاح فيها (داين، بيسواسداينر، 2008).

إن كان هذا صحيحًا، فإن من المرجح أن هذا النوع من الأشخاص يملكون القدرة على النجاح في الحياة، بغض النظر عن الدراسة في الجامعة أو لا. لذلك هناك علاقة تصف الارتباط ولكنها ليست سببًا، وهذا السبب هو الدافع وراء ضرورى توخي الحذر عند تفسير نتائج هذه الدراسات.

عند فحص عدة دراسات بحثية مختلفة عن السعادة، وما العوامل المرتبطة بها، تم تحدد سبعة عناصر توضح بعض التباين بين الناس السعداء وغير السعداء، وهم: ١) الزواج، ٢) العلاقات الاجتماعية، ٣) التوظيف، ٤) الصحة الملموسة، ٥) الممارسات الدينية، ٦) التطوع، ٧) جودة الحكومة. (برونو وستوتزر، ٢٠٠٥؛ داين وبيسواس داينر، ٢٠٠٨؛ فيريس ٢٠٠٢؛ أنجلهارت، وفوا، وباترسون، ويلزل، ٢٠٠٨؛  جادج وواتنبي، ١٩٩٣؛ لايارد ٢٠٠٥؛ نيتليس ٢٠٠٥؛ ثيوت وهويت ٢٠٠١).

كما حدد أنجلهارت وآخرون (٢٠٠٨) النمو الاقتصادي، وحرية الاختيار، والتسامح الاجتماعي، وحقوق الإنسان كعوامل هامة في تحقيق السعادة، ولكن هذه العوامل الأربعة يمكن تصنيفها تحت فئة جودة الحكومة؛ لأن جميعها يتعلق بطبيعة ودرجة التعبير عن الذات الفردية وتقرير المصير التي تسمح بها الأنظمة السياسية والقانونية والاقتصادية لحكومتهم.

 

من بين هذه العوامل، ما هي العوامل الأكثر ارتباطًا بموضوع التعليم؟

لا يمكننا حساب مؤسسات الزواج والممارسات الدينية بسبب بعدها الكبير عن نظام التعليم الرسمي لنتناولها في هذه الورقة البحثية، أما أثر التعليم في الصحة والتطوع فيبدو غامضًا قليلًا ومبهم لمناقشته كذلك في هذه الورقة، إلا إذا كان التطوع مرتبطًا بالعلاقات الاجتماعية.

ولكن التعليم يمكنه الوصول إلى الحد الذي يؤهل فيه الطلاب ليصبحوا أفرادًا فاعلين في المجتمع ومؤثرين في القوى العاملة والنظام الاقتصادي، لهذا فإن عامل التوظيف ذو صلة كبيرة؛ لأنه يتعامل مع الهدف المهني للتعليم.

بالتفكير في الحد الأقصى الذي يمكن للتعليم بلوغه في تحضير الطلاب للمعيشة والمشاركة في النظام الاقتصادي، يمكن اعتبار عامل جودة الحكومة أحد العوامل الهامة لأنه يمثل أحد أهداف التعليم المهنية. أخيرًا فإن التعليم مؤسسة اجتماعية، وبالتالي عامل العلاقات الاجتماعية يمثل أهمية كبيرة، خاصة في علاقة المُعلم بالطالب، لأنه يعبر عن هدف التعليم من خلال التدريس، وبالتالي سوف تركز هذه الورقة على التوظيف، وجودة الحكومة، والعلاقات الاجتماعية بصفتها عوامل مهمة للمؤسسة التعليمية للنظر في تهيئة الظروف التي تعزز من السعادة. من بين كل هذه العوامل يُعد عامل العلاقات الاجتماعية الأهم إسهامًا في خلق السعادة. (بوك، د، ٢٠١٠)

 

التعليم والسعادة

أحد الأسباب الذي تجعل التعليم يُعرف بصفته مؤسسة اجتماعية هي بحكم امتلاكه تأثير كبير في المُعلمين والطلاب.

أحد الأسباب البارزة كذلك هو أن أحد أهم أهداف المؤسسات التعليمية هو تخريج طلاب قادرين على العمل بصفتهم جزءًا من النظام الاقتصادي، وكذلك جزءًا من المجتمع والنظام السياسي، وأيضًا يمثلون جزءًا من البنية المجتمعية. لذلك من المنطقي أن وضع الممارسات التي تعزز من السعادة في حياة المُعلمين والطلاب تقع في نطاق اختصاص المؤسسات التعليمية وصانعي السياسات الحكومية. وبما إن التعليم يستهلك جزءًا كبيرًا من حياتنا كأفراد، وجزءًا مماثل من الموارد الحكومية، فإن المؤسسات الحكومية هي الخيار الواضح على كافة المستويات لتحمل المسؤولية في تنمية المعرفة والسلوكيات التي تؤدي إلى مزيد من السعادة. (بوك، د، ٢٠١٠)

 

التوظيف

يعتبر إعداد الطلاب للسلك الوظيفي والمهني هو أحد الأهداف الرئيسة للتعليم. إن أهمية السلك الوظيفي ليست فقط في كونه مصدر للدخل، ولكن لأن الوظيفة التي تحمل معنى شخصي للفرد تعطيه الفرصة لتطوير علاقات اجتماعية مُرضية وكذلك تزوده بالوسائل التي تكسبه احترام الذات وتمنحه معنى للحياة.

لكن مصدرًا للسعادة لا تُعد الوظيفة نفسها هي العنصر الأكثر أهمية، لكن العلاقات الاجتماعية التي تنشأ، والشعور بالانتماء إلى مجموعة أو مجتمع وتنمية احترام الذات (راين، لاين، شتاينر، 1991).

هذا يشير إلى أن الاهتمام الرئيس للتعليم لا يجب أن يكون مهنيًا للغاية (كما يحدث في التدريبات) بل الأحرى به أن يكون مراعيًا الاهتمامات والمهارات والمعرفة عبر مجموعة واسعة من المواضيع والأنشطة التي تحمل معنى شخصي وفردي لكل طالب. كما يشير د. بوك (2010) إلى أن مهمة التعليم يجب أن تتمثل في إعداد الطلاب على نطاق واسع وكلي، وليس فقط في حدود ضيقة لتعلم المهارات لوظيفة محددة أو مجال وظيفي، وهذا لا يعني أن تعلم المعرفة الإجرائية والفنية لمهام العمل المحددة لا يجب تدريسها، بل بالأحرى يجب ألا يقتصر التعليم على هذه المهارات والمعرفة فقط.

الأهم من ذلك هو أن كون الطلاب الذين يملكون مهارات ومعرفة واسعة يمكنهم نقلها إلى أي مجال واستخدامها في أي موقف، بالإضافة إلى أن تطوير مهارات التفكير النقدي والإبداعي يستلزم تعلم كيفية تنمية العلاقات الاجتماعية والعمل بشكل جيد داخل مجموعة.

هذا يعني أيضًا أنه يجب تعريض الطلاب لمجموعة واسعة من الخبرات والمواضيع حتى يتم إثارة انتباههم وبالتالي يملكون حافزًا ذاتي أكبر ويتحملون المزيد من مسؤولية ويديرون عملية التعلم الخاصة بهم، والتي من المرجح أن من خلالها يتمكن الطلاب من معرفة مجالات اهتمامهم والمعنى الشخصي لكل فرد منهم.

إذا كان الهدف هو إنشاء تعليم مستدام واهتمامات مستمرة في مواضيع وأنشطة ذات معنى للطالب، إذن يجب أن يصبح أحد أهداف التعليم هو التشجيع على المشاركة في مجموعة متنوعة من المهارات والاهتمامات التي تحمل معنى للطلاب منها على سبيل المثال: الفكرية، والفنية، والمدنية، والأخلاقية (بوك، د،2010).
بعبارة أخرى فإن الهدف النهائي للتعليم هو إعداد الطلاب للحياة بكافة تعقيداتها، وليس فقط التدريب للحصول على وظيفة محددة. لكن للأسف تشير الأبحاث إلى أن المدارس لا تقوم بعمل لتطوير هذه الاهتمامات مدى الحياة، والتي تُعد أمرًا هام للتعليم المستدام عند الطلاب
(أرنولد، 1995).

 

جودة الحكومة

كما ذكرنا سابقًا فإن جودة الحكومة لها تأثير كبير على سعادة الفرد، وعلى وجه التحديد أظهرت الأبحاث أن هناك بعض العوامل التي تساهم بشكل إيجابي في سعادة الأفراد، وأحد أهم هذه العوامل هو الحياة في مجتمع ديمقراطي يتحلى بدرجة عالية من الحريات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

تُعد حماية حقوق الإنسان مثل حرية التعبير وحرية الصحافة وحرية الاعتقاد الديني أمور في غاية الأهمية جنبًا إلى جنب مع حق تقرير المصير، والذي يشمل على سبيل المثال الحرية في اختيار من نرتبط به، ومن نتزوج، وما نفعله من أجل لقمة العيش، وأين نقيم داخل الدولة. لذا فإن حماية الحريات الشخصية، وحماية الأقليات، ومساءلة الحكومة، وسيادة القانون، وانخفاض مستويات الفساد، واستجابة الحكومة لاحتياجات مواطنيها هي كلها عوامل هامة لخلق مجتمع سعيد (انجلهارت، فوا، بيترسون، ويلزل، 2008).

عندما تندمج الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتكاملة معًا على أسس ومبادئ ديمقراطية ليبرالية فغالبًا ما يرتبط بصفات مثل حرية الاختيار والتسامح وحماية الحقوق.

في البلدان التي توجد فيها الصفات بشكل جلي، يسهل على العملية التعليمية تعزيزها وتدريسها للطلاب ليتعلموا كيفية تحمل المسؤولية في ظل هذا النظام.

ولا يقتصر دور التربية المدنية على تزويد الطلاب بالمعرفة حول هذه الأنظمة وحسب، بل يمكنها كذلك تعليمهم كيفية الانخراط والمشاركة في هذه الأنظمة بطرق تمثل معنى وقيم شخصية لحياتهم.

يمكن أن تساعد أنشطة خدمة المجتمع والتطوع في ترسيخ فكر التعاطف والوعي بمحن الآخرين في المجتمع، ومن خلال هذه الطرق نستطيع استخدام التعليم كوسيلة أصلية وتجريبية لدمج المشاكل الواقعية بالمنهج الدراسي وخلق بيئة تعليمية أكثر تخصيصًا وذات معنى شخصي للطلاب.

هذا النوع من التعلم يسمح بتعزيز طرق أخرى لتطوير التفكير الإبداعي والنقدي ومهارات التفكير الأخلاقي، كما يسمح لهم بالتأمل بشكل أفضل في مسؤولياتهم بصفتهم مواطنين (بوك، د، 2010).

 

العلاقات الاجتماعية

لأننا مخلوقات اجتماعية، نحيا في إطار هياكل اجتماعية، فإن العلاقات الاجتماعية متضمنة في حياتنا وتحدد معظم ما نفعله ونفكر فيه، سواء كان ذلك حسب حياتنا بصفتنا طلابًا أو مواطنين أو موظفين أو أي دور نؤديه في المجتمع، فهي تحدد بشكل كبير طبيعة ونوعية هذا الدور.

تنطوي العلاقات الاجتماعية الجيدة على تطوير المهارات السلوكية والاجتماعية الإيجابية، والتي بدورها تنطوي على تطوير سلوك اجتماعي جيد مثل التسامح واحترام الآخرين.

ترتكز هذه السلوكيات على القيم التي نؤمن مجتمعيًّا بأهميتها وجدارتها وغرسها في جميع مستويات التعليم. هذه السلوكيات ليست مبنية على أسس أخلاقية شخصية أو دينية، بل تمثل قيم عالمية تحدد ما يعنيه أن يكون المرء إنسانًا يحيا في مجتمع متحضر.

لهذا بالإضافة إلى الأنشطة التي تم ذكرها سابقًا (مثل التطوع وتعلم الخدمة المجتمعية)، تستطيع المدارس تضمين أنشطة التعلم الاجتماعي في المناهج (مثل مجموعات التعلم، والخطابة العامة) بجانب الأنشطة اللاصفية.

هذه هي الأنشطة التي تتطلب من الطلاب التفاعل والتعامل مع الآخرين لتحقيق الهدف المطلوب، ومن خلال هذه العملية يتعلمون درجات مختلفة ومتنوعة من المهارات والمعرفة الاجتماعية الهامة.

في النهاية ما يهم هو خلق أنشطة تعلم حقيقة وذات مغزى شخصي تميل إلى أن تكون مرتبطة بحياة أكثر سعادة، حيث يكون الطلاب أكثر عرضة للعثور على اهتمامهم والدافع الشخصي للمشاركة في هذه الأنشطة.

وهكذا بهذه الطرق يصبح التعليم أكثر تعزيزًا لفكرة التعلم المستمر طوال حياة الطلاب.

 

ختام

في هذه الورقة الموجزة استعرضنا بعض أحدث نتائج الأبحاث حول السعادة والعوامل المرتبطة بها.

واستنادًا إلى هذه النتائج وبعض المفاهيم والافتراضات حول دور التعليم في المجتمع، تؤكد هذه الورقة أن الهدف الرئيس للتعليم هو مساعدة الطلاب على النمو ليصبحوا كائنات بشرية ناضجة تمتلك شخصيات ناضجة ومتكاملة على صعيد إدراكي وفعال واجتماعي، قادرين على العمل في عالم يزداد تراكبًا وتعقيدًا وترابطًا.

يمكن للتعليم فعل الكثير في إطار إثراء حياة الطلاب والمساعدة على خلق مجتمع أكثر سعادة، لذا فإن الحل هو عدم إضافة مزيد من متطلبات الدورات التعليمية التي يفترض على الطلاب معرفتها قبل البدء في الدراسة، مما يزيد من الأعباء غير الضرورية على كاهلهم، ويدفعهم لبذل مجهود إضافي لتلقي المعرفة والتحضير للدراسة، بل بالأحرى يجب على التعليم أن يكون أكثر واقعية وأكثر تجربة وأكثر أهمية للطلاب.

يمكن تحقيق هذه الغايات، إذا تم تصميم وإدارة العملية التعليمية بشكل صحيح، وقتها يمكن أن يؤدي التعليم دورًا حيويًا بصفته وسيلة لزيادة سعادة الطلاب وتحفيزهم دراسيًا.

(يُمكن الاطلاع على المصادر البحثية والكُتب والمراجع العلمية المستخدمة في كتابة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من خلال زيارة صفحة الورقة البحثية على موقع Research gate)



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك