ما هي العمارة الإسلامية إذن؟ – مترجم-

2 مايو , 2020

المقال الأصلي: What is Islamic architecture anyway?

 

على مدى السنوات الحادية والعشرين الماضية حيث درَّست العمارة الإسلامية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، اجتذب فصولي بشكل عام نوعان من الطلاب.

أولئك الذين يرون في العمارة الإسلامية تراثًا لهم: الطلاب المسلمون من الخارج، والطلاب الأمريكيون المسلمون، والأميركيون العرب غير المسلمين.

وأيضًا أولئك الطلاب الذين يرون في العمارة الإسلامية غرابة وغموضًا وإثارة للفضول من الناحية الجمالية، باعتبارها تلك العمارة حاملة لنفحة الأراضي البعيدة. فجُل رؤيتهم لها كانت في الروايات الخيالية (سواء فيلم “Arabian Nights” بالنسبة للجيل الأقدم، أو فيلم ديزني “Aladdin” بالنسبة لهذا الجيل)، وهو الخيال الذي تسبب في جذب انتباههم ودغدغة مشاعرهم نوعًا ما.

هذان النوعان من الطلاب ليسا إلا انعكاسًا هزليًّا – وربما كوميديًّا – لمكانة العمارة الإسلامية في كل من الأوساط الأكاديمية والممارسات المعمارية اليوم.

إن الفصيلين المهيمنين في هذا المجال هما في الحقيقة متذوقو جمال تلك العمارة ومؤيدوها، على الرغم من عدم موافقة أي من الطرفين على هذه التسميات. كما أنه ما من فصيل فيهما يزعم كونه منفصلًا بالكلية عن الآخر أو يزعم التمثيل الحصري لهذا المجال.

وتعد قصة تكوُّنهما وصعودهما والمسارات التي اتبعوها طريقة أخرى لعرض تطور العمارة الإسلامية كمجال بحث منذ أن استُخدم مصطلح “العمارة الإسلامية” للمرة الأولى في أوائل القرن التاسع عشر. وهي قصة رائعة بحد ذاتها.

في السياق الحالي للمجلد المختص بتاريخ الفن الإسلامي والتاريخ المعماري، ساعدني أيضًا الرجوع لنشأة هذين الفرعين، أي دراسة وممارسة العمارة الإسلامية، في تطوير موقفي النقدي تجاه مجال الفن والعمارة الإسلامية مع الأخذ في الاعتبار كونه “صعب التطويع”، كي أستخدم الوصف الظاهر مؤخرًا المثير للجدل.

 

بادئ ذي بدء، كانت دراسة عمارة العالم الإسلامي مشروعًا أوروبيًا ينتمي لحقبة ما بعد التنوير. إذ بدأ الأمر بالمهندسين المعماريين والفنانين والرسامين الذين سافروا إلى “المشرق” في أعقاب التدخلات الأوروبية الأولى هناك، بحثًا عن المغامرة والوظيفة وإثراء الخيال المرتبط بتلك الأرض الغامضة. وزاروا المدن والمواقع – ابتداءً في إسبانيا وتركيا والأراضي المقدسة ومصر والهند – حيث قاموا بقياس ورسم المباني والحطام ونشروا كتالوجات مثيرة للإعجاب بدأت في تعريف أوروبا بالتراث المعماري الثري الذي لم يكن معروفًا حينها تقريبًا.

 

 

ولكن لعدم تزوّدهم بنموذج لفهم وتحديد موقع العمارة التي كانوا يتناولونها بالدرس، فقد استخدموا مصطلحات مختلفة أوروبية التمركز مثل “ساراسينيك-إسلامي/Saracenic” و”محمّدي/Mohammedan” و”مغاربي/Moorish”، وبطبيعة الحال “شرقي/Oriental” قبل الاستقرار على “العمارة الإسلامية” في وقت ما في نهاية القرن التاسع عشر.

وهكذا تهيأت الأمور لتطوير تخصص تاريخي معماري اعتبر العمارة الإسلامية تعبيرًا شكليًا عن الإسلام – في حين عدم كونه مُعرِّفًا ذاتيًا بشكل متجانس.

 

كانت هذه هي أول القضايا المثيرة للجدل في التعريف الذاتي لمجال العمارة الإسلامية. وهي لا تزال تشكل خلفية كل جدل رئيسي في هذا المجال، أو في التخصص الأوسع لتاريخ الفن حيث إن هذا التخصص يحاول تكييف بنيته وملامحه المعرفية مع عصر النقد ما بعد الكولونيالي والعولمة.

أما ثاني القضايا الخلافية في تعريف العمارة الإسلامية هي إطارها الزمني. قبل جيلين، نظر العلماء إلى العمارة الإسلامية بوصفها تقليدًا من الماضي أصيب بالعطب مع ظهور الاستعمار والظاهرتين المرتبطتين به، وهما التغريب والتحديث، في أواخر القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

بطريقة أو بأخرى، تم استيعاب درجة من المغايرة بين العمارة الإسلامية والحداثة، بحيث عندما وصلت العمارة الحديثة (وأعني بذلك عمارة كل من القرنين التاسع عشر والعشرين)، أفلت على الفور العمارة الإسلامية وتخلَّت عن مكانها لنظيرتها الحديثة.

وعليه لم تُعتبر العمارة التي شُيِّدت في ظل الاستعمار وبعد الاستقلال “إسلامية”؛ إذ كان ينظر إليها على أنها إما حديثة أو مهجّنة ثقافيًا. وهكذا اقتصرت دراستها على الحداثيين وعلى المختصين في دراسة المنطقة.\

ثمة توافق حدث بينهما لكن لم يكن أي منهما مهتمًا على نحو خاص بالعمارة المعاصرة أو شبه المعاصرة المشيّدة في مختلف بلدان العالم الإسلامي: الحداثي لأنه، وفي حالات نادرة لأنه يعتبر هذه العمارة بعيدة كل البعد عن الأصالة المطلوبة لجذب انتباه الباحثين؛ أما الاختصاصي فهو لم يكن مهتمًا لأن البيئة المشيدة لم تكن إلا الخلفية الثابتة التي حدثت في كنفها الأحداث الأكثر أهمية المستحقة للدراسة بحق.

 

وقد كان الأمر أن أصبحت “العمارة الإسلامية” هي عمارة إقليم شاسع، يضم اليوم حوالي خمسين دولة تعيش فيها، أو عاشت بها من قبل، أغلبية مسلمة، بامتداد زمني يغطي فترات الازدهار والهيمنة الإسلامية – تقريبًا منذ أواخر السابع إلى أوائل القرن الثامن عشر.

لم تكن هذه إلا المعالم الجغرافية والتاريخية للعمارة الإسلامية. إذ كان على الباحثين تطوير مجموعة من المعايير المعمارية الجوهرية التي ميزت العمارة الإسلامية وجعلتها معروفة على هذا النحو.

بحث هؤلاء الباحثون بشكل موسّع عن الصفات الشكلية المشتركة. التزم البعض، مثل Georges Marçais جورج مرسايس، بالمستوى الانطباعي، بحجة أن الفن والعمارة الإسلاميين يجب أن يكونا قابلين للتعريف بسهولة من خلال الوسائل البصرية وحدها.

لإثبات وجهة نظره اقترح مارسايس أن الشخص المتعلم ما إذا تفقد عدد كبير من صور مباني من جميع أنحاء العالم سيكون بوسعه التعرف بسهولة على الإسلامي من بينها.

آخرون، كما فعل Ernst Grube إرنست جروب في مقاله المؤثّر على قِصَره، استهدفوا تعريف العمارة الإسلامية باعتبارها تلك التي يظهر من خلالها مجموعة من السمات المعمارية والمكانية، كالتأمل على سبيل المثال، التي هي “متأصلة في الإسلام كظاهرة ثقافية”.

وآخرون كذلك جاءوا بتعريفات لا يمكن تسميتها إلا بالإجرائية، أو بشكلٍ أدق، إحصائية. أما Oleg Grabar أوليغ غرابار فعلى الرغم من أنه لطالما استعمل تعريفًا ثقافيًّا للعمارة الإسلامية طوال حياته، فقد كان هو الأكثر بلاغة بين هؤلاء البراجماتيين، إذ جادل في أكثر من مكان بأن العمارة الإسلامية هي العمارة التي شيدها المسلمون أو شُيدت للمسلمين أو في دولة إسلامية. البلد، أو في الأماكن التي توافر فيها للمسلمين فرصة التعبير عن استقلالهم الثقافي معماريًا.

وقد سمح ذلك بالطبع لدراسة العمارة الإسلامية بالتمدد بين أقاليم شاسعة وتقاليد فنية كثيرة وأساليب وفترات مختلفة، بما في ذلك العصور الحديثة والمعاصرة، لتتجاوز أحيانًا التقسيمات الدينية والثقافية مكتسبةً بذلك نوع من أنواع الوحدة الظاهرية.

 

لكن على الرغم من قبولها لأن تُعرّف بـ”العمارة الإسلامية”، فإن هذا التعريف الشامل لم يكن دينيًا بأي حال. إذ نحّى هذا التعريف الدين كمنزلة أنطولوجية أو كأساس تصنيفي، وسعت عوضًا عن ذلك لإدراك الوحدة من خلال المقاربات المشتركة ثقافيًا في علم الجمال والحساسيات المكانية (التي ربما لها أو ليس لها أصول في الأوامر والنواهي الدينية)، وهي المقاربات العابرة لجميع الحدود المذهبية والإثنية والقومية داخل العالم الإسلامي الأكبر، والتي أسفرت عن تعبيرات معمارية مماثلة.

أصبح هذا هو الفهم السائد للعمارة الإسلامية في الأوساط الأكاديمية الغربية، ما يؤكد على الجذور الإنسانية والعلمانية العقلانية لتخصصي الاستشراق وتاريخ الفن، حيث انبثق من هوامشهما مجال الفن الإسلامي والعمارة.

لم يكن في الأمر إشكال بالنسبة لطلبة تاريخ العمارة الإسلامية الذين كان انجذابهم للمجال أكاديميًا بشكل أساس أو قائم على الخبرة العميقة؛ أي، أولئك الذين كانت العمارة الإسلامية بالنسبة لهم مادة للتفكير أو للتقدير الجمالي أو التأمل أو التحليل. إلا أن ذلك لم ينل رضا أولئك الذين يعتبرون العمارة الإسلامية مادة يتمثلون بها أو يبنون عليها، أي هو تقليد حي ذو جذور متمايزة ثقافيًا.

 

إن عدم قدرة التعريف على مخاطبة “الإسلام” في العمارة الإسلامية لم تتبلور كمشكلة ملحة حتى سبعينيات القرن الماضي، عندما ظهر سعيان مترابطان في الوقت ذاته تقريبًا في مجالين منفصلين. الأول هو عدد طلاب العالم الإسلامي المتزايد الذي يدرس تاريخ العمارة الإسلامية في المؤسسات الغربية، ممن رأوا العمارة الإسلامية باعتبارها تراثهم الحي المستمر دون انقطاع بل الفعال باستمرار حتى يومنا هذا. أما المسعى الثاني فجاء من جانب المعماريين الممارسين في العالم الإسلامي – العديد منهم وليس جميعهم من المسلمين – ممن أعادوا اكتشاف العمارة الإسلامية التاريخية والعامية وسعوا إلى إعادة إدراجها في مراجع التصميمات الخاصة بهم كمادة معرفية تأسيسية، وليس كمرجع شكلي أو زخرفي عَرَضي.

 

بالطبع كان هناك طلاب للعمارة الإسلامية في العالم الإسلامي قبل عام 1970. في الواقع، ازدهر عدد كبير منهم في تركيا ومصر وإيران والعراق والجمهوريات الإسلامية السوفيتية، وبدرجة أقل، في الهند، منذ بداية أربعينيات القرن المنصرم.

درس الكثيرون في المؤسسات الغربية، وكان معظمهم في العواصم الكولونيالية الأوروبية مثل لندن وباريس، وكذلك في برلين وفيينا وموسكو ولينينغراد. ودرس آخرون مع باحثين غربيين يعيشون ويعملون في دول إسلامية. على عكس أساتذتهم الغربيين، رأى الباحثون المحليون في العمارة الإسلامية، أو في تبايناتها المحلية، تراثًا لهم، وهو ما تسبب في شعورهم بالفخر. لكنهم أبدوا ميولًا لموافقة الرأي السائد بأنه لم يعد تراثًا حيًا.

وهكذا، لم يختلف عملهم كثيرًا عن عمل أساتذتهم وزملائهم الغربيين في تصورهم لمجالهم باعتباره تاريخيًا ليس إلا. كانت مساهمتهم الرئيسة هي الدراسة الوثيقة للمصادر الأساسية بحثًا عن النكهات المحلية في العمارة الإسلامية لبلدهم أو لجماعتهم العرقية، ما مهد الطريق للتعريفات المتناقضة للعمارة الإسلامية الإقليمية والقومية.

الأمثلة عديدة، لكن التاريخ القومي الذي لا لبس فيه هو دراسات العمارة الإيرانية أو التركية التي أنتجها مؤرخون محليون أو غربيون بدعم من السلطات الوطنية في إيران وتركيا. لم يكن للاتجاه الإقليمي قوة تُذكر وسط عامة منتجات المجال، وظل هذا الاتجاه غير ظاهر في ضوء سطوع الدراسات التي تعاملت مع العمارة الإسلامية كمجال موحَّد ممتد عبر العالم الإسلامي وعابر للحدود القومية.

 

حفّزت رؤى العالم المختلفة مجموعة من الباحثين المسلمين الغربيين والباحثين المسلمين الذين تعلموا في الغرب ممن يميلون إلى التصوف في الستينيات والسبعينيات، والذين كانوا يبحثون عن فهم للفن الإسلامي والعمارة من داخل التقاليد الصوفية الإسلامية.

وقد تبنوا موقفًا شاملًا وعالميًا يرى الإسلام وحدة واحدة. كان من أهمهم الفيلسوف الإيراني Seyyed Hussein Nasr سيد حسين نصر والباحث المسلم السويسري Titus Burckhardt تيتوس بوركهارت، الذي نشر مجموعة متنوعة من الكتب التي قدمت الفن والعمارة الإسلاميين كتجسيد رمزي للإسلام باعتباره متجاوز وموحّد وفوق تاريخي.

لكن هؤلاء التعميميين لم يتجنبوا الإطار الذي ورثه التاريخ المعماري الإسلامي التقليدي عن أسلافه الغربيين وما لهذا الإطار من خصوصية. على العكس من ذلك، فقد عززوه فعليًا من خلال جعله جوهريًا و”متجاوزًا” بطريقة تحصنه من أن يوضع في سياق التاريخي أو أن يُنتقد.

 

العمارة الإسلامية في الممارسة الحديثة

اختلف المشهد قليلًا في عالم الممارسة المعمارية. جلب النصف الثاني من القرن التاسع عشر أول المهندسين المعماريين الغربيين إلى مختلف العواصم الإسلامية الكبرى مثل إسطنبول والقاهرة ودلهي وطهران، وبعد ذلك بقليل إلى عواصم أصغر مثل الرباط ودمشق وبخارى.

عمل هؤلاء المعماريين للحكام المحليين أو لطبقة التجار الدوليين الصاعدة، والتي عمل بدورها في كنف القوى الاستعمارية. قدم بعضهم الأساليب الجديدة السائدة في أوروبا، مثل التصميمات النيوكلاسيكية والنيوباروكية وتصميمات الأرت نوفو (Art Nouveau) والأرت ديكو (Art Deco) وحتى التصميمات الحداثية، وربما كان ذلك لتأكيد حداثتهم – والأهم من ذلك – لتأكيد حداثة أربابهم ولحاقهم بما هو جديد.

 

فيما حاول آخرون الحالة إلى العمارة التاريخية في تصميماتهم كوسيلة للتواصل مع ثقافة وتاريخ الأماكن التي وجدوا أنفسهم يعملون فيها. وطلبًا لإدراك هذه الغاية فقد استعاروا عناصر معمارية وزخرفية من عدد من التقاليد المعمارية التاريخية، بعضها إسلامي وبعضها وُجد قبل الإسلام، وأدمجوها في مجموعة من الأساليب الجديدة (neo-styles):

فهناك النيو مملوكية، والنيو مغاربية، والنيو إسلامية (أو الهندوسية-الساراسينيكية)، وكذلك النيو فرعونية والنيو ساسانية والنيو حثّية (نسبة إلى الحيثيين). لكن هؤلاء المعماريون، مثلهم كمثل الباحثين الذين كانوا على اتصال بهم، رأوا أن هذه التقاليد المعمارية، بما في ذلك العمارة الإسلامية، هي تقاليد عفا عليها الزمن إذ لم يُكتب لها أن تقفز بشكل أو بآخر إلى العصر الحديث. وبالتالي كان لا بد من توثيقها وتحليلها وتصنيفها قبل دمج أي من عناصرها الشكلية أو المكانية في مراجع تصميمات الأساليب الجديدة.

اتبعت عملية التحليل المعماري تلك المعايير الغربية المعمول بها، وبخاصةٍ عمارة الفنون الجميلة (Beaux-Arts) القادمة من روما واليونان. كانت الأساليب “الإحيائية” الناتجة مشابهة عمليًا لأعمال المعماريين الغربيين الإحيائيين، وربما كان الاختلاف الوحيد هو رجوعهم لمراجع “إسلامية”.

 

 

امتعض بعض المعماريين المحليين من الاقتراض والتقليد. وسعوا إلى تطوير عمارتهم الخاصة، فهي تمثّل ثقافتهم، إذ حاولوا دب الروح فيها مرة أخرى بعد عقود، وفي بعض الحالات بعد قرون، من الاستبعاد تحت الحكم الاستعماري. جاء بحثهم في أوج صراعات بلادهم من أجل الحصول على الاستقلال عن الإمبريالية الأوروبية، أو العثمانية في الواقع، والمطالبة بمكانتهم بين الأمم الحديثة.

أسهم الحديث الناشئ عن عمارة إسلامية حية وحاضرة، إلى جانب الأحاديث المتزامنة عن العمارة العامية والإقليمية، في تزويد هؤلاء المعماريين بتأييد لعمارتهم التقليدية النشطة التي تعود لما قبل الاستعمار والتي لم تنزو أبدًا، وفي تزويدهم كذلك بأساس لعمارة قومية ما بعد كولونيالية من شأنها أن تنبثق من تربتها الخصبة.

كانت هناك قيمة خاصة للعناصر المعمارية التي لطالما نُسبت بشكل دارج للعمارة الإسلامية، مثل الباحات وملاقف الهواء والقبب المدببة، والتي يمكن أن تجسد الخصوصية الثقافية والاجتماعية وكذلك الاستمرارية الشكلية. فقد رجعوا من انتكاسهم التاريخي أو العامي وذلك لكي ينخرطوا في خدمة تعبيرات معمارية جديدة للهوية الثقافية والوحدة الوطنية بعد إنهاء الاستعمار والاستقلال.

 

ربما كان أول من “نحى المنحى الوطني” عن وعي وعمق هو المهندس المعماري المصري حسن فتحي (1900–1989). وكان لتبنيه للعامية جذورًا أيديولوجية في النضال ضد الحكم الاستعماري البريطاني في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، وهو ما صاحبه صعود الهوية القومية المصرية.

وقد قدم تجاربه الأولى في الأربعينيات من القرن الماضي في عدد قليل من منتجعات بعض المثقفين المصريين، ثم في مشروعه في قرية القرنة الجديدة حيث جسّد المعمار المصري الأصيل، وإن كان قد مزج في أسلوبه بشكل غريب بين أسلوب القاهرة المملوكية وتقنيات البناء النوبية التي أُعجب بها.

 

حسن فتحي

 

فُسِّرت مبادئ التصميم التي قدمها باعتبارها تعبيرات جديدة عن المعمار المُطوَّر محليًا بالإضافة إلى بعض المرتكزات البيئية الواضحة مع إظهار الولاء للمكان.

لكن المراجع الثقافية والتاريخية في عمارة فتحي لم تبق على حالها، إذ توسعت بل تغيرت أيضًا بمرور الوقت. إذ انتقل من القومية إلى العربية الموحّدة وأخيرًا إلى الإسلامية المتجاوزة للقوميات، تتبعًا للهوية الثقافية المتغيرة لمصر نفسها بعد استقلالها واعتناقها للوحدة العربية في عهد جمال عبد الناصر، ثم صعود الإسلامية الشعبية في عهد أنور السادات.

 

استخدم فتحي نفسه عدة تفسيرات لعمارته في كتاباته، من كونها تجسيد لنموذج مصري بدائي إلى كونها نموذجًا عربيًّا في جوهره ثم بعد ذلك إلى كونها نموذجًا عربيًّا إسلاميًّا له قابلية تطبيق عالمية غامضة.

ربط فتحي بين المنزل العربي ذي الباحة المتسم بـ”رحابته” من ناحية، وتكيّفه المعماري مع البيئة الصحراوية القاسية من ناحية أخرى، كنموذج لهندسته المعمارية الخاصة.

بعد عدة سنوات، أصبح النموذج هو البيت العربي الإسلامي، وفي نهاية المطاف صار المفهوم إسلامي شاملًا للفضاء المحلي.

ثمة إحالات إلى بعض الأفكار أُضيفت إلى النماذج المعيارية لنموذج فتحي المعماري، منها الإحالة إلى مفاهيم الحياة الأسرية الساكنة والمُصانة، إذ استُنبِط ذلك من التشابه بين المصطلحين (سكينة) ومصدرها الثلاثي (سكن)، وكذلك حريم (نساء، أو الجزء المنفصل من المنزل) والجذر الأساس لها وهو حرام (مُصان أو محظور)، بالإضافة إلى فهرس أكثر رمزية يتناول مفهوم الإله الواحد الأحد وصور جنته الموعودة.

استمر تلاميذ فتحي العديدون في استخدام اللغة الرسمية التي ابتكرها، لكنهم لم يبنوا على مرتكزاتها الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. وبدلًا من ذلك، ركزوا على جاذبيتها الثقافية والإسلامية ووصفوها كنوع من الاستجابة المحلية لكل من غرابة الحداثة والمركزية الأوروبية لما بعد الحداثة الناشئة حديثًا، وفي بعض الحالات قاموا بتصديرها كنمط إسلامي تعبيري وتأريخي.

 

العمارة الإسلامية وما بعد الحداثة

كان التحول التاريخي الهام التالي في مجال العمارة الإسلامية هو التعبير عن أيديولوجية ترى “الإسلام” هوية.

وقد حثّ على هذه العملية المُساء فهمها والتي ما زالت قيد التطور ظاهرتان، على الأقل، مختلفتان اقتصاديًا وتاريخيًا وسياسيًا، على الرغم من كونهما يعضدان بعضهما بعضًا.

كانت الظاهرة الأولى هي ظهور حركات سياسية إسلامية مختلفة في سبعينيات القرن الماضي في معظم البلدان الإسلامية، بعد سكون واضح دام حوالي ثلاثين عامًا قبلها.

في أعقاب الثورة الإسلامية الإيرانية المظفرة عام 1979، سعت الحركات السياسية الإسلامية إلى العودة، بحسب زعمهم، إلى أسس أكثر أصالة للحوكمة في الأمة الإسلامية. وقد كان يُنظر إلى هذه الحركات كرد فعل على إخفاقات الدول القومية في مواجهة التدخلات الأجنبية والفساد الأخلاقي. ومع ذلك، رغم هجماتهم العنيفة والضارية على ما رأوا في جميع الواردات الثقافية الغربية من فساد، فإن هذه الحركات السياسية تجاهلت بشكل غريب الملامح المفاهيمية للعمارة، بما في ذلك العمارة الدينية التي شُيدت باسم العمارة الإسلامية.

 

على النقيض من ذلك، فإن المجموعة الثانية التي اعتنقت رؤية الإسلام كمؤطِّر للهوية، النخبة الحاكمة والدينية في منطقة الخليج، كان لها تأثير هائل في مسير العمارة في العالم الإسلامي في العقود الأخيرة.

لم يكن لهذه البلدان أي دور في التطورات المبكرة للعمارة الحديثة في العالم الإسلامي، وذلك لكونها بقيت مكفهرة على حافة الصحراء لفترة طويلة. وباستثناء المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، فإن هذه البلدان لم تحصل على استقلالها حتى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

لكن الأمور بدأت تتغير ببطء في أعقاب اكتشافات النفط في الأربعينيات، وبشكل أكثر إثارة للدهشة، بعد ارتفاع أسعار النفط في سبعينيات القرن الماضي.

مع هذا التدفق النقدي الهائل، وما صاحب ذلك من تمكين اجتماعي واقتصادي للمنطقة. ظهرت الرغبة في توسيع وتحديث المدن، وتجديد البنية التحتية لخدمة أعداد المواطنين والمغتربين المتزايدة، وذلك لإرضاء احتياجاتهم الاجتماعية-الثقافية وأذواقهم المُكتسبة حديثًا.

كان اجتماع عدد من العوامل هو سبب المطالبة بعمارة إسلامية معاصرة متمايزة بصريًا. تلك العوامل كانت ثروة رعاة الخليج الجديدة، ومظهرهم المتدين والمحافظ بشدة، والسعي الحثيث وراء هوية سياسية وثقافية بارزة في بحر الأيديولوجيات المتنافسة من حولهم.

استجاب المعماريون لهذا المطلب بصدق في القليل من الأحيان ولأغراض براجماتية في الكثير من الأحيان الأخرى.

وقد جاءت استجابتهم من خلال دمج مختلف العناصر التاريخية المسماة بـ”التقليدية” أو “العربية” أو “الإسلامية” في تصاميمهم، وقد استُخدمت هذه العناصر في الغالب كرسومات تخطيطية أولية لخططهم أو كزينة مُلقاة على الأسطح الخارجية.

وهكذا أصبحت ثمانينيات القرن العشرين هي عقد العمارة ما بعد الحداثية المتأسلمة التي يمكن بسهولة تمييزها في كل أنحاء العالم الإسلامي.

كان هناك ما بعد التقليديين الذين، مِثلهم مثل حسن فتحي من قبلهم، بحثوا عن الإلهام في العمارة العامية للمنطقة، كملاقف الهواء. كما كان هناك أيضًا مجموعات مهجّنة حرة، واعتباطية في أغلب الأحيان، لمختلف الأشكال والأنماط التاريخية المستقاة من مجموعة واسعة من الأساليب الإسلامية.

أما أكثر الأعمال تنوعًا فكان عمل هؤلاء المهندسين المعماريين الذين انغمسوا في وفرة ما بعد الحداثة لإنتاج تراكيب شكلية صاخبة. وهو الاتجاه الذي تُوج بالبنى الهائلة التي تنتجها الشركات العالمية الكبرى العاملة في الخليج.

إذ قام هؤلاء المصممون الأجانب بإعادة تفسير الرموز البصرية والزخارف التاريخية واستخدموها في تصميمات بالغة الأناقة، مثل صالة الحجاج العملاقة في مطار جدة، والتي صممتها شركة SOM في عام 1982، وهي مستوحاة من الخيمة البدوية.

 

صالة الحجاج في مطار جدة

 

أو مثل مبنى مجلس الأمة بالكويت الذي صممه Jørn Utzon عام 1982، والذي يذكرنا بإبحار المركب الشراعي التقليدي في لفتة لا تختلف كثيرًا عن مشروع Utzon الشهير في سيدني، أستراليا.

وكأحد الأمثلة في الآونة الأخيرة، نجد أيضًا متحف قطر الإسلامي الذي صممه I.M. Pei في عام 2009، إذ يتّخذ من فسقية مسجد ابن طولون الواضحة والبسيطة في القاهرة أساسًا لتصميمه المكعب (الشكل 6).

 

متحف الفن الإسلامي قطر

 

العمارة الإسلامية والأكاديميا

أذن ميلاد جائزة الآغا خان للعمارة الإسلامية (AKAA) عام 1977 بأن يكون هناك تعريف أكاديمي جامع لمؤيديّ العمارة الإسلامية، العالم الأكاديمي والعالم القائم على الممارسة.

وهي الجائزة التي أعقبها بعد فترة وجيزة إنشاء برنامج الآغا خان للعمارة الإسلامية (AKPIA) في جامعة هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في عام 1978.

كان للجائزة مهمة مباشرة: أن تعيّن العمارة المتميزة في العالم الإسلامي لتقف على تقييمها ومكافئتها.

ولكن نظرًا لأن تعيين العمارة “الإسلامية” المعاصرة، ناهيك عن الحكم عليها، كان مسألة مثيرة للجدل من بين أمور أخرى، فقد كان على AKAA أن تضع معايير للتعيين والتقييم كما تعيّن عليها مراجعة وتعديل تلك المعايير باستمرار بطريقة توفيقية تستوعب مختلف اتجاهات التفكير المعنية بالعمارة الاسلامية.

ما يعني أنه على مدار الثلاثين عامًا الماضية، كانت AKAA من المروجين الرئيسيين لـ “العمارة الإسلامية” التوفيقية والتوسعية التي لم تقتصر فحسب على أنواع المباني الإسلامية المعترف بها تقليديًا، بل شملت أيضًا التصميم الحضري والمناظر الطبيعية، والمشاريع الحساسة بيئيًا واجتماعيًا-اقتصاديًا، وتدخلات الحفظ والإصلاح.

 

أما AKPIA، من ناحية أخرى، فقد كان أول برنامج أكاديمي مخصص حصرًا لدراسة العمارة الإسلامية، وهو موجود في اثنين من أعرق مؤسسات التعليم المعماري في العالم، مع جميع مزايا الثقافات الراسخة والأساليب التربوية التي تمتاز بها هاتان المؤسستان.

كان المقصود من موقع AKPIA نفسه ضمنيًا أن يوقف الانقسام الاستقطابي بين تخصص العمارة (المستمد من التاريخ المعماري والتطبيق العملي الغربيين) والعمارة الإسلامية، والتي تُقمع بشكل روتيني لتظل في منطقتها الخاصة داخل أقسام تاريخ الفن.

 

كان أوليغ غرابار Oleg Grabar، ولد عام 1929 وتوفي عام 2011، أول أساتذة الآغا خان بجامعة هارفارد، وهو الأكاديمي الأول الذي قاد هذا الجهد، ليشرعن في نهاية المطاف العمارة الإسلامية كحقل للبحث التاريخي والإبداع المعاصر.

ويُعتبر كتابه المؤثر ( The Formation of Islamic Art 1973, 2nd ed. 1987)، بمثابة دراسة تاريخية قوية للفن والعمارة الإسلامية في القرون الثلاثة الأولى وعلاقتهما بالفن البيزنطي والساساني في إيران.

فحص الكتاب الوسائل التي اكتسبت بها التقاليد الإسلامية، وكذلك نشرت، أشكالًا ومعاني مميزة، اتصالًا بسياقاتها الثقافية والاجتماعية والأيديولوجية.

كان لهذا الإطار المفاهيمي دور قوي في تحديد أرضية جيل كامل من مؤرخي الفن والعمارة الإسلامية، إذ بدؤوا في إعادة تقييم الحدود الجغرافية والتاريخية والدينية والثقافية لتخصصهم، كما بدؤوا في تطوير أساليبه وملامحه النظرية.

على هذا النحو، أصبح الكتاب هو الأساس الذي اعتمدت عليه معظم التفسيرات التاريخية في هذا المجال حتى الآن.

لكن قيود النسب العلمي المرهق والمتحيز سياسيًا للعمارة الإسلامية لم تلق تحديًا حقيقيًا حتى الثمانينيات.

بفضل التطورات الحاصلة في الدراسات النقدية ودراسات ما بعد الاستعمار، خاصة بعد أن نشر إدوارد سعيد عمله الأهم “الاستشراق” في عام 1978، بدأ طلاب العمارة الإسلامية في التشكيك في الأساليب والتراكيب المفاهيمية لتخصصهم وشرعوا في توسيع مجال البحث، ليعودوا إلى الوراء زمنيًا إلى نقاط التقارب بين العمارة الإسلامية وعمارة الثقافات الأخرى، وللأمام إلى المشاهد الحديثة والمعاصرة للجهود الإحيائية ونقاط الاتصال الإبداعية.

بدأت مفاهيم النظامية والانطواء والخصوصية الثقافية والدينية التي سادت دراسة العمارة الإسلامية منذ زمن طويل في التآكل، حيث تحول المزيد والمزيد من الباحثين إلى النظريات الثقافية في مباحثهم.

بدأ البعض في سبر أغوار المساحات البينية بين الثقافات – أي، المناطق الواقعة في مجتمعات معينة في زمن معين والتي يتشاركها مجموعات ثقافية مختلفة مكونة لها – لإجراء تحقيق نقدي.

وهكذا، فإن مساهمات الطوائف الإسلامية المختلفة والطرق الدينية الباطنية والطوائف المسيحية واليهودية والزرادشتية والبوذيين والهندوس وغيرهم قد بدأت في أن تُرى تحليليًا باعتبارها عناصر أساسية في لغة معمارية مشتركة، وكذلك باعتبارها تعبيرات مميزة تربط بين العمارة الإسلامية وبين التقاليد الأخرى.

فيما ركز آخرون على تطور التلاقح الثقافي للعمارة الإسلامية، مع صلاتها الوطيدة بالثقافات القديمة المتأخرة، وجنوب الجزيرة العربية، والبحر الأبيض المتوسط ​، والثقافة الإيرانية، والهندوسية-البوذية في الفترات المبكرة، والثقافات الأوروبية والآسيوية والإفريقية في الآونة الأخيرة، على الرغم من أن معظم الدراسات بالطبع تركزت على الروابط التي جمعت العمارة الإسلامية العمارة الغربية.

 

تظل علاقة العمارة الإسلامية بنظيرتها الغربية هي في الواقع المشكلة الرئيسة التي لا يزال يتعين عليها حلها كي تحصل على مكانها الصحيح كعنصر نشط ومساهم في المعمار العالمي.

حتى ثمانينيات القرن الماضي على الأقل، لطالما كان السرد الزمني للمعمار الغربي، من أصوله الكلاسيكية المزعومة إلى ذروته المظفَّرة في العصر الحديث، هو ما يشكل النواة الحية للخطاب المعماري، دافعًا معمار الثقافات الأخرى إلى أماكن هامشية في تسلسله الهرمي المحدد مسبقًا.

علاوة على ذلك، فقد شجع التأريخ الرسمي للعمارة الغربية (وهي عادة ما تسمى عمارة فحسب)، نزرًا لتراثها الموقر وقوتها المؤسسية، بل طلب، دراسة التقاليد المعمارية الأخرى لحصرها في أزمنة ومساحات وثقافات محظورة بوضوح.

 

وهكذا اعتُبرت العمارة الإسلامية، مثلها مثل العديد من التقاليد المعمارية الأخرى غير الغربية (ويوضح المصطلح نفسه بجلاء المأزق التصنيفي لهذه التقاليد) نقيضًا للعمارة الغربية: فهي محافظة في حين كون العمارة الغربية تقدمية؛ أنواعها الشكلية ثابتة، مقارنة بأنواع العمارة الغربية ذاتية التطور؛ كما أنها تعكس الضرورات الثقافية لا الذاتية الفردية الإبداعية التي تُعزى إلى العمارة الغربية.

ولكن، أولًا وقبل كل شيء، فإن العمارة الإسلامية كان يُنظر لها باعتبارها تقليدًا ذا مسؤولية جماعية، يندر فيه المطالبة بالإبداع في التصميم، باستثناء الحالات القليلة المشهورة مثل المعماري العثماني الكبير سنان (1489-1588).

لذلك، فقد كانت العمارة الإسلامية عمارة من الصعب دراستها وفق الخطوط المفاهيمية للعمارة الغربية؛ ومع ذلك، فما من منظور منهجي آخر تم تطويره لاستيعاب مسارها الخاص أو تناسقها الداخلي مع مراعاة تنوعها الإقليمي أو الإثني أو الوطني.

 

أين نحن؟

أين نقف اليوم، إذن؟ وهل هناك اتفاق على ماهية العمارة الإسلامية؟ الجواب بالطبع هو لا.

في الواقع، على الرغم من أن عدد طلاب العمارة الإسلامية قد تضاعف عدة مرات، والعديد من الجامعات في الغرب والعالم الإسلامي قد أفسحت المزيد من الأماكن لدراسة العمارة الإسلامية، وعلى الرغم من أن غالبية المشاريع الكبرى الجديدة في مختلف بلدان العالم الإسلامي تطالب مصمميها باحترام مبادئ العمارة الإسلامية أو التكييف معها، لا يزال هناك الكثير من الأسئلة في الأوساط الأكاديمية وفي عالم الممارسة حول ما إذا كان هناك عمارة إسلامية أم لا.

يثير بعض المتشككين في صحة مصطلح “العمارة الإسلامية” التحدي الخطابي التالي: ما المسيحي في العمارة الأوروبية؟ والجواب الجاهز – والصحيح – عادة ما يكون، “القليل جدًا، باستثناء معمار الكنائس”. وهكذا يصبح الاستنتاج الموازي للعمارة الإسلامية هو أن “العمارة الإسلامية هي عمارة المساجد”.

لكن إن غيرنا مركز الثقل في السؤال الأول لنسأل، “ما الذي كان مسيحيًا في العمارة الأوروبية؟” سيكون الجواب “الكثير”. إذ لم تقتصر مساهمات المسيحية في العصور الوسطى على تشكيل الإيمان والشعائر بشكل واسع، فقد شكّلت كذلك أنماط الحياة المختلفة في أوروبا؛ كالعلاقات بين الجنسين، والتسلسل الهرمي (الهيراركية) العائلي، والسلوك الخاص والعام للأفراد والجماعات المشتركة، والعلاقات بين السلطات الدينية والمدنسة في حكم البلد والمدينة.

هذه، وغيرها من الصفات الثقافية والاجتماعية والسياسية، كانت مبنية على الدين، من بين عوامل أخرى، تمامًا كما كان الأمر في العالم الإسلامي.

كان لديهم أيضًا مظاهر معمارية على أشكال ووظائف الكنيسة والدير والمنزل والقصر والمدينة؛ مثل العالم الإسلامي أيضًا.

بدأت الأمور تتغير أولًا مع عصر النهضة، ولكن بالأخص مع صعود قيم التنوير، ليس لأن العمارة الأوروبية رفضت تأثير الدين القوي، بل لأن النظام الأوروبي والعادات الأوروبية وحتى نظرية المعرفة الأوروبية انفصلت عن المسيحية.

تشرّبت العمارة، كما كان متوقع، تلك التحولات الثقافية وبدأت أن تعكس العلمانية الجديدة، أولًا في العودة بوعي إلى الأشكال الكلاسيكية، ما قبل المسيحية، وبعد ذلك في الاستجابة للقيم الجمالية والمدنية للتنوير ثم الثورة الصناعية مع التقدم التكنولوجي المتسارع.

 

من ناحية أخرى، لم يشهد العالم الإسلامي قط انفصالًا تامًا عن الدين، ولم يمر بتنوير أو ثورة صناعية خاصة به.

إذ جاءت تجربته مع الحداثة العلمانية متأخرة، حيث تم استيرادها بالجملة من أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر، وكانت تفتقر إلى الجذور الفكرية المحلية التي من شأنها أن تضمن اعتمادها الكامل والسهل.

في الحقيقة، قاوم غالبية المفكرين في العالم الإسلامي الحداثة العلمانية. إذ رفضها البعض مباشرةً، في حين عمل الكثير منهم باجتهاد لتكييفها مع منظور الدين. وهكذا تم استيعابها في الثقافات المحلية، باعتبارها حداثة معتدلة مجردة من العديد من مرتكزاتها العلمانية ومزودة بصفات تضمن لها ألا تعترضها الميول الدينية لدى أغلبية المسلمين.

 

من الناحية الأخرى، فإن الإسلام قد تغير جراء مقابلته للحداثة لكنه لم يُهزم. إذ أنه ظل قوة رئيسة ليس فقط في إملاء أخلاقيات ومعتقدات المسلمين اليوم، ولكن أيضًا في تشكيل علاقاتهم الاجتماعية، وسلوكهم الفردي، وعيشهم الجمعي والتخيلي، حتى وإن اضطُر أتباعه إلى التكييف مع الوسائل والطرق الحديثة.

لا تزال الدوافع الدينية والتفسيرات والمحرمات تتجلى في العالم الإسلامي في العديد من جوانب الحياة الحديثة التي صارت بالغرب إلى العلمانية الكلية، للدرجة التي يكون تشريع ذلك العالم سببًا في الأغلب لحيرة المراقبين والمعلقين الغربيين وسوء فهمهم.

ليس هذا حكمَ قيمة؛ بل فهو ببساطة حقيقة تاريخية. لفهم وتفسير شخصية ثقافات العالم الإسلامي اليوم، المتسمة بالاختلاط، وربما التناقض، ولكن كذلك بالدينامية، من الضروري إذن مراعاة الطرق التي يتفاعل بها الدين مع/يعدل على الأثر الذي تحدثه الحداثة الغربية العلمانية في تلك الثقافات والعكس بالعكس.

هكذا يمكننا أن نفهم دور “الإسلامية” مُعدِّلًا في تأطير مصطلح “العمارة الإسلامية” في الوقت الحاضر. ما ينتجه الإسلام ليس بالضرورة هو السمات الشكلية والأسلوبية، لا سيما تلك التي تتخفى في عباءة التقاليد والأمثلة التاريخية الكبرى.

إنما ما ينتجه الإسلام هو بالأحرى استمرار الدين في تحديد العديد من جوانب الحياة في العالم الإسلامي، إما في المنافسة أو في الانسجام مع الحداثة وغيرها من القوى المعاصرة الاجتماعية والثقافية.

 

بالنسبة لي إذن، فإن العمارة الإسلامية هي بلا شك عمارة تلك الثقافات أو المناطق أو المجتمعات التي قبلت مباشرة أو عبر بعض العمليات الوسيطة الإسلام بوصفها مكونًا أساسًا في تركيبتها المعرفية والاجتماعية-الثقافية.

ومن هذا المنظور، فإن مصطلح “العمارة الإسلامية” يظل بمثابة تسمية صالحة للعمارة التي تُشيّد اليوم، وذلك لأن الإسلام لم يتوقف أبدًا عن كونه مكونًا أساسيًا، رغم أن الطرق التي يعبر بها عن نفسه قد تغيرت بشكل جذري عبر الزمان والمكان.

إن الأشكال المعمارية الفعلية التي تأخذها هذه التعبيرات، على أهميتها في تحديد العمارة الإسلامية، تعد عرضية في فهمها. فما من شيء يضفي على العمارة إسلاميتها إلا أثر الإسلام – قانونيًا وروحيًا ورمزيًا واجتماعيًا وسياسيًا ووظيفيًا وسلوكيًا ونعم شكليًا – على العمارة كما يراها ويستخدمها الناس، رغم أن الإسلام دائمًا ما تعين عليه التعايش مع ظواهر عالمية أخرى قوية وفعالة، مثل الأديان المنافسة في العالم والثقافات الأكثر تقدمًا في مراحلها التكوينية، والحداثة والعلمانية والرأسمالية وأذواق وتقنيات التمثيل المتشابكة عالميًا اليوم.

 

**********************************

ناصر رباط هو أستاذ بالآغا خان ومدير برنامج الآغا خان للعمارة الإسلامية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. نشر مؤخرًا “المدن الميتة” (دمشق ، 2010)، وMamluk History Through Architecture: Building, Culture, and Politics in Mamluk Egypt and Syria (London, 2010)، وحرّر The Courtyard House: between Cultural Reference and Universal Relevance (London, 2010).

[email protected]EDU



مقالات متعلقة