ما يجبُ معرفته عن التعليم في سنغافورة

25 يونيو , 2016

Students-of-Singapore-International-School-enjoy-a-well-rounded-education

عرف النظام التعليمي بسنغافورة اهتمامًا دوليًا كبيرًا في العشرين سنةً الأخيرة، ويعود هذا الاهتمام إلى النجاح الكبير الذي حققه الطلبة السنغافوريون في الاختبارات العالمية للنجاح المدرسي، مثلاً اختبار PISA. أشادت العديد من الأنظمة التعليمية العالمية بالتعليم في سنغافورة كما قامت باعتباره مرجعاً لها.

الجذور التاريخية لتميّز التعليم بسنغافورة

يعود هذا التفوق السنغافوري لعدد من الأسباب التاريخية، منها الفوز الساحق الذي حققه حزب العمل الشعبي منذ سنة 1959 بعد 140 عامًا من الاحتلال البريطاني الذي خلّف وراءه عددًا من المؤسسات التعليمية التي تعمل باللغات الأربعة: الإنجليزية، الصّينية، الملايو، ولغة التاميل. كان التعليم في تلك الفترة بعيدًا جدًا عن العالمية، والمؤسسات التعليمية السنغافورية كانت تنقصها الأهداف المشتركة، كما لم تكن لديها امتحانات أو برامج مشتركة.

من بين أهداف حزب العمل الشعبي نجدُ : الرفع من نسبة التلاميذ المسّجلين في المدارس الابتدائية الذي تم تحقيقه في سنة 1966 بتسجيل جميع التلاميذ في شريحة أعمار معيّنة في المدارس، كما نجد أيضًا هدف توحيد المناهج، الامتحانات، التكوين و رواتب المعلمين.

في سنة 1965 التي شكّلت فترة الاستقلال بعد اتحاد سياسي طويل مع ماليزيا، تطوّرت الرغبة في تحديد هدفين تعليميين شاملين هما:

  1. تعزيز التطور الاقتصادي الوطني.
  2. تشجيع التماسك الاجتماعي في وسَط متعدد الأعراف والديانات.

إضافة إلى ذلك، تمّ تخفيض عدد المؤسسات الخصوصية لأجل التمكن من التحكم المركَزي بتحديد السياسة التعليمية التي يجب اتباعها، التنظيمات والقوانين التعليمية وأيضًا التمويل.

لتحقيق هدف التطور الاقتصادي تمّ التأكيد على المؤهلات الخاصة باللغة الإنجليزية، الرياضيات والعلوم، الشيء الذي سبب نوعًا من التهميش للمواد التعليمية الأخرى في المرحلة الابتدائية، الثانوية وما قبل الجامعية.

في نفس الوقت تمّ فرض عدد من العادات اليومية في المدارس لأجل ترسيخ التماسك الاجتماعي والهوية الوطنية. من بين هذه العادات هناك إجبارية تكرار إعلان الولاء للوطن، رفع العلم الوطني وإنشاد النشيد الوطني.

لا يزال هذين الهدفين قائمين في سنغافورة رغم محاولات التغيير التي طالت البلاد في الستين سنة الأخيرة.

المميزات الأساسية للنظام التعليمي بسنغافورة 

لأجل فهم جيّد للنظام التعليمي السنغافوري، يجب ذكر أهم مميزاته التي تتلخص في التالي:

  1. نظام الجدارة أو الاستحقاق: هذا النظام قام بتبنّيه حزب العمل الشّعبي وجعل منه أسطورة راسخة في الأذهان. يدّعي الخطاب الرّسمي أن نظام الجدارة والاستحقاق يمنح لكلّ تلميذ وطالب حظوظًا متساوية في مجال التعليم، كما يعتبره الوسيلة الأنجح لتحديد المواهب المبني على العمل الشخصي والاستحقاق.
  2. الإيمان بتنوّع في التخصصات بناءً على القدرات: وهذا يتوقف في حد ذاته على القناعة بأن الاختلافات الفردية في القدرات تفرض مناهج تعليمية مختلفة. تمّ الاعتراف دستوريًا بنظام التخصصات بالمرحلة الابتدائية في نهاية سنة 1979 وفي التعليم الثانوي سنة 1980. حسبَ معدّلاتهم في الامتحانات الوطنية، كان يتم توجيه الطلبة إلى تخصصات مختلفة، للتمكن من الولوج لعدد مختلف من المواد الدراسية، كما تختلف أيضًا الصعوبات المتعلقة بها.
  3. تحقيق التوازن بين مركزية السّلطة الحكومية في التعليم وَ النقل التدريجي لهذه السلطة إلى المسؤولين على المؤسسات: تم ترسيخ استقلالية كبيرة للمدارس منذ سنة 1980 على شكل مدارس مستقلة ومدارس متمتّعة بالحُكم الذاتي، وصلت حاليًا إلى مرحلة متطورة من الحرية المتعلقة بالإدارة وتدبير الموارد البشرية والمناهج التعليمية.

مرحلة ظهور التناقضات والمفارقات 

خلال السنوات العشر الأخيرة ظهر بشكل جيد أن هدف الوصول إلى نظام تعليمي موحّد لم يتحقق بعد، كما أنه في الواقع، نظام الجدارة والاستحقاق كما هو مطبّق في سنغافورة، أدّى إلى ظهور النخبوية التي تقوم بتفضيل التلاميذ والطلبة الموهوبين والمؤسسات التعليمية الراقية. وبعد ارتفاع اللامساواة الكبيرة في توزيع المداخيل، وجدت الحكومة نفسها مضطرة للاعتراف بهذه النتيجة التي آلت إليها.

وكردّ فعل على هذا، حاول النظام خلال العشر سنوات الأخيرة تغيير نظام التخصصات وتحويلها إلى أقسام حسب المستويات الإدراكية للتلاميذ في المرحلة الابتدائية، كما حاول تقليص هذه الفروقات بين المستويات والأقسام في المرحلة الثانوية.

من المؤسف أن اللامساواة والفروقات الكبيرة فيما يخص المداخيل ترتبط بالاختلافات العرقية. على هذا المستوى يُلاحظ أن الأقلية العرقية الكبرى في سنغافورة التي هي الملاويون (بنسبة 14% من السكان)، وبنسبة أقلّ، الأقليات الهندية، لا تنجح بشكل مساوي لنجاحات الأغلبية الصّينية في الامتحانات الوطنية. حاول النظام الحكومي خلال الثلاثين سنة الأخيرة كاملة دعم الأقليات العرقية لأجل تسهيل نجاحها التعليمي بشتّى الطرق، لكن النجاح في هذه المهمة لا يزال نسبيًا وغير مكتمل.

خلاصة 

إن ما يمكن الخروج به كنتيجة من هذه الملاحظات جميعها، هو كون النظام التعليمي السنغافوري، رغم اعتباره نموذجًا لمثالية التعليم بالعالم، إلاّ أنه يظل حبيسَ عدد كبير من المشاكل الاجتماعية التي يصنعها أحيانًا، والتي هي في أحيان أخرى متعلقة بتكوين المجتمع السنغافوري في حد ذاته.

 

المعلومات الواردة في التقرير مُترجمة بتصرّف عن دراسة فرنسية منشورة على هذا الموقع:

https://ries.revues.org/3852

اقرأ أيضًا

كيف صنعت شنغهاي أفضل تلاميذ العالم؟



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك