من التجربة العاطفية إلى التعلم

16 يناير , 2016

المدرسة هي المكان الذي يمكن للعاطفة فيه أن تشكّل “عائقًا، أو على العكس من ذلك، عنصرًا مساعدًا قويًا على التعلم”. و بالتالي تُصبح العاطفة مُتغيرًا أساسيًا في عملية التعلم والنجاح المدرسي.

في صفّ اللغة مثلًا، يشعر التلاميذ الذين يعانون من مشاكل تعليمية مُسبقة، بأنهم معاقبون بشكل مستمر أثناء الأنشطة اللغوية الشّفوية، وخصوصًا في سياق الاختبارات، هذه الأحاسيس تؤثر لديهم بشكل سلبي على فعالية التحصيل الدراسي.

لهذا فإن الإشكالية التي تُطرح هنا مرتبطة بكيفية خلق حالة عاطفية إيجابية تسمح برفع جودة التحصيل الدراسي لدى التلاميذ. كيف يمكن وضع الشّروط التربوية والتعليمية التي تسمح للتلميذ بالتقليل من العواطف التي تعيق تحصيله الجيد؟

تشكّل أبحاث عالم النفس الكندي “Bandura” (1997/2007) حول الشعور بالفعالية الشخصية (SEP) نقطة الانطلاق للتفكير في الحالة العاطفية للتلاميذ.

حسب نظرية “SEP” فإن إحدى متغيرات النجاح الدراسي هي التصور القَبلي الذي يملكه المتعلّم عن مهاراته والذي إما يسمح أو لا يسمح له بالالتزام في مُهمّة معينة: كلما ارتفع تصوّره عن مهاراته، كلما كان نجاح أدائه الدراسي مُحتملًا.

يضيف “Bandura” بأن هذا التّصور يتأثر بالحالات الجَسدية والعاطفية.

عمومًا، كلما تمكّن الفرد من فهم المهارات التي يُتقنها للوصول إلى هدف ما، كلما كانت عواطفه وَ حالاته الجسدية إيجابية، والعكس صحيح.

في إطار قاعة الدرس، حتى ولو كانت هذه الحالة العاطفية مصدرًا ذاتيًا لا يتدخل فيه المُعلّم، فإنه على الأقل بإمكانه التساؤل حول كيفية بناء مُحيط تعليمي يُطوّر الحالة العاطفية الإيجابية للتلاميذ.

يتعلق الأمر إذن بالتفكير في الطرق التي تتعلق بالمهمّات الواجب إنجازها وفي آن واحد تخفض من نسبة العواطف السّلبية التي تعيق إنجازها.

يوجد الحل في إطار علوم التربية الإبداعية. حيث أن الهدف في هذا المثال، هو دفع التلاميذ إلى إظهار العواطف المُساعِدة على التعلم والتي تخفّض من نسبة العواطف المعيقة والمرتبطة بسياق الانتاج الشّفوي، عن طريق الاعتماد على ملفّات إبداعية.

في نظريته المتعلقة بالعواطف، يعتبر “Vygotsky ” من أوائل من دعموا العلاقة الوطيدة بين مُحتوى فكرة ما والبعد العاطفي المرتبط بهذا المحتوى. بعد أكثر من 70 عامًا على ظهور نظرية “Vygotsky”، عمّقت أبحاث علم النفس التفاضلي هذا الرابط بين العاطفة والمفهوم.

حسب “Lubart” ، عندما ترتبط تجربة عاطفية بمفهوم معيّن، فإن هذين الاثنين لا يمكن أن يوجدا منفصلين أبدًا، يقول : “بكلّ مفهوم أو تمثّل في الذاكرة ترتبط آثار متعلقة بالتجارب العاطفية التي عاشها الفرد.”

كلّما تمّ استحضار مفهوم أو فكرة معينة أثناء عملية التعلم، يعود نفس الشّعور أو العاطفة المتعلقة به للظهور من جديد بشكل أوتوماتيكي.

وبالتالي يظهر الدور الأساسي الذي تلعبه العواطف، بسلبيتها (خوف، قلق، توتر..) وإيجابيتها (متعة، فرح..)، في سيرورة التّعلم.

إنه مبدأ “الذكريات الدافئة” الذي أكد عليه “Brewer” سنة 2006، والذي يعني أنه يجب إنجاز المهمة التي تساعد على تطوير الفكر الإبداعي والتعلم في لحظة مدروسة بشكل جيد من حياة التلميذ أو الطالب، وليس في لحظة عشوائية.

هذا يعني بأن إعادة استحضار مفهوم تمّ اكتسابه مُسبقًا يجب أن تسمح للتلميذ باستعادة نفس العواطف الايجابية المرتبطة به وبالتالي تُسهّل عملية تعلم مفاهيم جديدة ناتجة عنه. وبالتالي تنشأ فرَضية أن التلميذ سيكون أكثر إبداعًا بعد إتقان ذلك المفهوم.

 

المصدر



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك