نظرية الذكاءات المتعددة وتطبيقاتها في التربية والتعليم

24 نوفمبر , 2015

مع مرور السنوات بدأت تظهر نظريات مختلفة حول الذكاء، و منذ بضعة عقود ونحن نتحدث عن السّمعيين والبصريين، وعن التأثير الذي يمكن أن يُحدثه هذا على التعلم.

لقد كانت أيضًا – برغم عدم انتشارها بشكل كبير في الأوساط العامة – مسألة الحديث عن الوظائف المعرفية التي تميز أربعة أنواع من الأفراد: التسلسلي اللفظي، التسلسلي غير اللفظي، الاقتراني اللفظي والاقتراني غير اللفظي، بالنسبة لكل مجموعة من هذه الأربعة، تكمن الأهمية في فهم العلاقة التي تربط بين المُتعلم والتّعلم الذي يجب تحقيقه.

لكن غير المُرضي في هذه التصوّرات كلها هو أنها ثُنائية التّفرع، (Dichotomous ) أي أنه من الصعب علينا أن نجد أنواعًا نقية. الأكثر من ذلك هو أن النظريات التي يتم اقتراحها تُعتبر في أغلب الأحيان جزئية وبالتالي غير قادرة على تقديم رؤية شاملة. و لهذا السبب فإن تأثير هذه النظريات ضعيف جدًا على الواقع التربوي اليومي.

لقد كان هذا صحيحًا إلى أن بدأ تصور جديد عن الذكاء -من تطوير هوارد غاردنر- بالانتشار في الأوساط العامة مع إثارة انتباه الأوساط التربوية والتعليمية، هذه النظرية معقدة بما يكفي لتفسير العديد من السلوكات، وبسيطة بما يكفي للسماح بالعديد من التطبيقات على المستوى التربوي.

في النهاية يجب أن نشير إلى أنها نظرية بدل أن تقترح رؤية جديدة بالكامل، ارتكزت على العديد من الأعمال التي أثبتت الوظائف المتعددة للدماغ البشري. يمكننا أيضًا القول بأن هذه النظرية حول الذكاء تحاول أن تكون مُوحّدة (لها وللأعمال السابقة).

1- الوضع في السياق

1.1- ما هو الذكاء ؟
ما هو الذكاء؟ عندما تكون في علاقة مع شخص آخر، على أي أساس تقوم بتقييم ذكائه؟ على أساس معدّل ذكائه – Intelligence Quotient – IQ ؟ على أساس قدرته على حلّ بعض المشاكل أو الإجابة عن الأسئلة التي تصعب عليك؟ على أساس ثقافته العامة؟ على أساس قدرته على الحوار؟ على أساس تأقلمه مع محيطه؟ أم على أساس نجاحاته الدراسية؟ هل الذكاء هو نتيجة عوامل محيطية كالوسط الملائم والمحفز للتطور، أم أنه محدد منذ الولادة؟ هل مفهوم الذكاء هو مفهوم كوني ؟ أو بطريقة أخرى، هل الشخص الذي قد نعتبره في الغرب ذكيًا جدًا سيحظى بنفس التقييم والأهمية في قلب إفريقيا أو آسيا؟

يظهر أن إدراك الذكاء متعلق بعدد من المتغيرات التي تختلف حسب العصر والمجتمع الذي يتمّ فيه ذلك. وهكذا على سبيل المثال، فإن الأشخاص الذين يعانون من الصمم الخلقي تم التعامل معهم ككائنات غبية إضافة إلى تهميشهم خارج المجتمع إلى أن تم توظيف لغة الإشارات في فرنسا من طرف شارل ميشيل دو ليبي سنة 1775، وذلك فقط لأنه لم يكن باستطاعتهم التواصل.

في الواقع، إن أحد عناصر الإدراك العفوي للذكاء هو التوافق الاجتماعي، ويعتبر هذا صحيحًا دائمًا. يمكن اعتبار التوافق الاجتماعي مظهرًا أوّليًا للذكاء الذي يسمح بالبقاء على قيد الحياة.

يمكننا ذكر عدد كبير من الأمثلة لأجل إثبات هذا المضمون، لكن أهم ما يجب تذكّره هو أن الذكاء هو قبل كل شيء مرتبط بتصورات الأفراد المعاصرين للمجتمع الذي يظهر فيه.
وهكذا فإن “عبقرية” عدد من الفنانين لم تظهر إلا بعد وفاتهم، حيث يعتبر عيشهم في الهامش أحد أسباب عدم معرفة المجتمع بهم.

قد يحدث أيضًا أن نحكم على ذكاء الشخص بطريقة بَعدية، فالتاريخ يظهر لنا أمثلة عدد من العلماء الذين اشتهروا في عصورهم، ولكن هذه السمعة التي كانوا يحظون بها لم تمتد عبر الزمن، على عكس العديد من العلماء الآخرين مع معاصريهم، هؤلاء الأشخاص كانوا فقد قد قدّموا نظريات سخيفة ولكن في سياق المجتمعات التي كانوا يعيشون فيها فإنها كانت جدية وذات قيمة. هنا نذكر مثال “جورج كوفيي” مؤسس علم المتحجرات، وممن أثاروا مفهوم علم التشريح المقارن، كان متحدثًا مميزًا، وكان رجل سياسة وموظفًا كبيرًا، سواء في فرنسا الثورة أو فرنسا ما بعد الثورة، وكان في حد ذاته إنجازًا. كوفيي الذي كان معاصرًا لدارويين، و بالرغم من إسهامه الكبير في العلم، يظل مجهولًا لسبب بسيط هو أنه كان يدعو لفكرة ثبات الأنواع عكس داروين الذي كان يدعو للتطور.
1.2- مقياس الذكاء :
ظل مفهوم الذكاء مستقلًا عن العديد من المعايير الاجتماعية إلى حدود القرن العشرين، حيث بدأ التفكير في إمكانية قياس الذكاء. من لم يسمع عن معدل الذكاء الشهير IQ – Intelligence Quotient. !

مع مرور الأعوام بدأ يلاحظ أن هذه المقاييس تسمح بتوقع المستقبل الدراسي لشخص ما مع هامش خطأ ضعيف جدًا، دون القدرة على توقع المستقبل المهني للشخص الذي يتم قياس ذكائه. يُفسّر هذا ببساطة لكونِ أنظمة القياس المستعملة تماماً كالنظام التعليمي، تعطي أهمية كبرى للجوانب المتعلقة بالمنطق وبالرياضيات واللغة. الأشخاص المتميزون في هذه المجالات يقدمون في الواقع نتائج مناسبة.
لاحظنا أيضًا أننا عندما نُخضع أشخاصًا غير غربيين لهذه المقاييس فإنهم يبدون أقل ذكاء وملاءمة للمعايير، وبالتالي تتدخل عوامل ثقافية في تحديد هذه النتيجة.

يجب تسجيل اختبارات الذكاء في سياق سوسيو-تاريخي، المجتمع الغَربي مولع بالترتيب. نحن نقوم بقياس كلّ شيء، وما لا يمكن قياسه هو عمومًا دون قيمة. هذه القياسات تعطي أهمية للعديد من عناصر التقليد الغربي، كما تحاول صناعة تَسلسلات هَرمية تحدد شكلًا من أشكال النخبة. نتحدث في الغالب عن النخبة الفكرية أو عن “الإنتلجنسيا” الخاصة بمجتمعاتنا كي نقوم بتعريف تلك المجموعات التي توجد في الواجهة، أي تلك التي تقوم بالقيادة. نلاحظ أننا أعطينا لهذه المجموعات اسمًا يشير إلى وظائف التفكير أو الذكاء. في كل الأوقات وفي كل المجتمعات تواجدت هذه المجموعات، لكن الأحدث هو ظهور تلك الأدوات التي تسمح بقياس وتقديم شهادة على الذكاء والتي تسمح بعد ذلك بالولوج إلى بعض الأماكن الراقية.

إن تصوّر الذكاء الذي تهمسُ به هذه الطريقة في القياس يجعلنا نفهم أن الذكاء فطري ولا يتغير مع العُمر أو التجارب، لكن لا يوجد ما هو أكثر خطأ من هذه الفكرة. معظم الباحثين الذين يغوصون في هذا الموضوع يشيرون إلى أن الشباب الذين يحاولون تطوير ذاتهم في عدد من المجالات، ومع مرور العمر كما هو الحال على المستوى الجسدي، يشهدون فترات من التطور المتسارع، وفترات أخرى من الخمول. إن المفهوم التقليدي عن الذكاء خاضع لإعادة النظر فيه من ظرف علماء الأنثروبولوجيا، أو علماء الأعصاب الذين سلّطوا الأضواء على مفهوم “لُدونة الدماغ” التي تعني قدرة الدماغ على إعادة هيكلة شبكة عصبية تربط العديد من الوظائف بمنطقة جديدة في الدماغ بعد وقوع حادثة.

1.3- الأشكال الثمانية التي حددها “هوارد غاردنر” :
بدأ “هوارد غاردنر” مسيرته في مؤسسة تعالج قدماء المحاربين. الأمر الذي شكل صدمة لهذا الباحث هو كون بعض وظائف الدماغ تتأثر بعد الإصابة ببعض الأمراض أو الصدمات في مناطق محددة، دون أن تحدث أي ضرر على باقي قدرات الشخص. وقد كانت هذه الملاحظة هي ما دفع “غاردنر” إلى البحث في أنواع الذكاء. في البداية اعترف “غاردنر” بأنه يسيء استعمال مفهوم الذكاء، إنه مفهوم معقد للشرح، كما أنه يشير إلى مفاهيم أخرى مرتبطة بالبيولوجيا والكيمياء، وأيضًا إلى جوانب فلسفية وسيكولوجية. لقد استعمل مفهوم الذكاء لإثارة الخيال، حيث أنه مفهوم شائع ولكنه لا يملك معنى واحدًا حين يتم تغيير سياقات استعماله. يتم تعريف الذكاء بطريقة تقليدية على أنه صفة أو موهبة فطرية. إنه قدرة عملية لا تتغير إلا قليلًا مع مرور الوقت، والعمر أو التجربة. غير أن “غاردنر” حاول أن لا يقوم بتعريف الذكاء بطريقة فضفاضة. اقترح علينا الذكاء كمظهر يتخذ عدة أشكال، وعددها هو ثمانية حتى الآن، كما أنه في كل حالة من تلك الحالات، يتعلق الذكاء بالقدرة على حل مشاكل أو إنتاج أشياء، بمختلف الأنواع وبمعنى واسع، ذات قيمة في سياق ثقافي أو جماعي معين.

هذا التعريف غير مُرضٍ في حد ذاته بما أنه يمكن تطبيقه على آلة أداة. لهذا فإنها دقيقة جدًا. في الحقيقة فإن الذكاء يُنظر إليه على أنه ” إمكانية بيو – سيكولوجية”، هذا معناه أن كل فرد من مختلف الأنواع، قادر على ممارسة مجموع القدرات الفكرية المتعلقة بنوعه.

كل إنسان يتوفر لديه منذ ولادته مجموعة من الذكاءات التي تتطور كل واحدة منها حسب إيقاع مناسب لهذا الإنسان، إذا كان ظهور بعض الذكاءات واضحًا منذ سنّ مُبكرة، فإن أخرى، كالذكاءات الشخصية، تحتاج لوقت أكبر كي تنضج. كما يجدر بنا الإشارة أنه بصفة عامة، كلّ أنواع الذكاء لا تتطور في نفس المستوى. نلاحظ أنه في الغالب يُسيطر نوع واحد من أنواع الذكاء. وانطلاقًا من هذا النوع المسيطر يبدأ الإنسان في فهم العالم. حتى إن مستوى تطور كلّ نوع من أنواع الذكاء يفسّر الاختلافات بين البشر. وفيما يلي شرح مختصر لأنواع الذكاء:

الذكاء شرح خصائص
الذاتي القدرة على الوصول للمشاعر الشخصية وفهم الأحاسيس الذاتية، معرفة نقاط الضعف ونقاط القوة الشخصية. -يحب العمل الفردي الذي يركز على الذات أو ينطلق منها.

– يحب تعلّم كيفية التعلم

-التركيز وتأديب الذات

-حسّ النقد الذاتي، الفشل يشكل ألماً

– أفكار واستنتاجات مفصلية

– شكل الذكاء تكاملي متجه نحو الذات

– حالات وعي مختلفة (روحية، حدسية، داخلية..)

– قدرة على فهم الذات، على تشكيل صورة واضحة وصادقة عن النفس واستعمالها في الحياة.

-انطوائي بحاجة إلى الثقة

-العمل الانعزالي

 

الاجتماعي القدرة على فهم مزاج، تحفيز ورغبات الغير ومن ثمّ الإجابة عليها بشكل صحيح -يحب الحياة الاجتماعية

-العمل المشترك

-المصلحة العامة

-رؤية الأمور من زاوية نظر مختلفة

-تمييز العناصر

-التواصل اللغوي وغير اللغوي

-يصنع ويحافظ على الانسجام

-حساس تجاه مزاج الآخرين ومحفزاتهم

-شكل الذكاء تكاملي متجه نحو الآخرين

-القدرة على فهم والتفاعل مع الآخرين

-الحاجة إلى الغير للتعلم

 

الجسدي – الحركي القدرة على السيطرة على الحركات والجسد والتلاعب بالأشياء بحذر -التزام جسدي في حل المشاكل

-لا يقرأ التعليمات بل
يطبق

-يستعمل التعبير الجسدي

-يتعلم عبر الأحاسيس الجسدية

-الاكتشاف الجسدي (اللمس، التحريك، التلاعب..)

– التحكم بالحركات المقصودة

– الآلية في بعض الحركات

 

اللغوي حساسية تجاه الأصوات، البنيات، وتجاه معاني ووظائف الكلمات واللغة -التعلم عبر الكلمات والتفكير عبرها وليس عبر الصور

– يحب الكلام، الكتابة والشرح

-يفهم التعليمات

-ذاكرة جيدة

-حسّ الفكاهة

-حساسية تجاه تركيب الجمل وطرق استعمال الكلمات

-حساسية تجاه الأصوات وإيقاع الكلمات

-القدرة على الإقناع

– قاموس مصطلحات غنيّ

 

المنطقي -الرياضي حساسية تجاه النماذج المنطقية أو الرقمية والقدرة على تمييزها، القدرة على القيام ببرهنات طويلة -البحث عن النماذج أثناء حل المشاكل

-يصنع المعايير

-تفكير استنتاجي واستقرائي

-يفهم التجريد والرموز الرياضية

-تمييز العلاقات والارتباطات

-تفكير علمي

-الحسابات المعقدة

-فهم المشاكل المتعلقة بالمنطق

-كل شيء يجب شرحه بالمنطق

-صعوبة في فهم الحظ أو الصدفة

 

الموسيقي القدرة على إنتاج أو الإعجاب بالإيقاع – الاعجاب بأشكال التعبير الموسيقي -يدرس بشكل أفضل حين تكون الدروس موسيقية أو ذات ايقاع

-حدس مرتكز على الصوت والادراك الطبيعي

-حساس تجاه الأصوات وخصائصها

-يفهم البنية الموسيقية

-يبحث عن النماذج الموسيقية

-سمعي بشكل كبير

 

المكاني القدرة على العالم الفضائي البصري وإعادة تشكيله -يتعلم بالصور، الفن

-يصنع صور ذهنية

-يبحث عن التوازن والانسجام

-يفهم العلاقات بين الاشياء

-فهم صحيح للأشياء والفضاء من زوايا مختلفة

-خيال خصب، يشعر بالأحاسيس في غياب الأشياء

-يتموضع في الفضاء والمكان

– يتلاعب بالصور

– بصري بشكل كبير

 

الطبيعي القدرة على فهم تنظيم الأحياء

-يحب ربط الأشياء بالطبيعة والمحيط

-حساسية تجاه تغيرات المحيط

-إدراك حسي فائق

-مرتبط جداً بالطبيعة، الحيوانات والظواهر الطبيعية

-القدرة على فهم تنظيم الكائنات والطبيعة عموما، فهرسة وترتيبها حسب الأبعاد

– ذكاء أمكنَ الإنسان من البقاء على قيد الحياة

منذ سنوات يدرس “غاردنر” وفريقه إمكانية وجود نوع آخر من أنواع الذكاء، وهو الذكاء الوجودي الذي يقوم بتعريفه على الشكل التالي :
« … capacity to locate oneself with respect to the furthest reaches of the cosmos – the infinite and the infinitesimal – and the realted capacity to locate oneselfwith respect to such existential feature ofthe human condition as the signifiance of life, the meaning of death, the ultimate fate of the physical and the psychological worlds, ans such profound experiences as love ofanother person or total immersion in a work of art. »

بالرغم من وجود عدد من الأدلة انطلاقًا من تطبيق هذه الخصائص إلا أن غاردنر يتردد في إدخال هذا النوع في تصنيفه. وبالتالي يتحدث بدل ذلك عن القدرة على إنتاج تفكير حول الأسئلة الوجودية انطلاقًا من تجارب ذاتية مؤلمة، جمالية أو مؤثرة، وأيضًا عن التزام طائفي يسلط الضوء على أشكال روحية للتجربة. التفكير ينطلق من الذات كي يتوسّع، مثلًا، نحو شرط الوجود البشري، بمعنى الحياة أو الموت، بتفسير عمل فنّي أو تأثير اكتشاف علمي.
1.4- تطوير الذكاء
باستعمال محفّز stimulus مناسب يمكن تطوير كلّ نوع من أنواع الذكاء إلى مستوى مرتفع من الأداء. يرتبط المحفز بمساعدة، بمحيط وَ تعليم مناسب.
تطور أنواع الذكاء المختلفة لدى أي إنسان هو نتيجة خليط معقد. من البديهي أن المكتسبات الوراثية تحدد جزءً من قدرات الشخص. وإلى هذا نضيف عوامل إيقاظ و تحفيز الذكاء. المحيط الخاص بمجتمع معين هو ما يحدد هذه العوامل.
إذا كانت المكتسبات الوراثية بديهية جداً، فإنه من المهم أن نتوقف قليلاً عند العوامل القادرة على إيقاظ وتطوير الذكاء والمرتبطة بظروف كلّ مجتمع.
▪ التحفيز عبر الولوج إلى الموارد الفيزيائية أو البشرية (مثال: دروس تعلم البيانو، الولوج إلى الكتب، اللقاء بالأشخاص الناضجين المحفزين…)
▪ التحفيز الناتج عن العيش في عصر أو في ثقافة معينة (مثال: العيش في أوروبا قبل اختراع الآلة الطابعة، العيش في افريقيا في زمن الاحتلال…)
▪ التحفيز الناتج عن وسط العيش الآني (مثال: العيش في حي هامشي محيط بمدينة، العيش في مزرعة…)
▪ التحفيز المرتبط بإرادة عائلية (مثال: في المجتمع الكَندي في أواسط القرن العشرين، أحد الأطفال كان من الواجب أن يختار ديانة معينة، أو كان من الواجب أن يصبح طبيباً أباً عن جدّ…)
▪ سياق الحياة كمحدّد للتطور (مثال: العيش مع مريض عندما تكون شاباً قد يؤثر على بعض أنواع الذكاء، نفس الأمر بالنسبة للعيش وسط عائلة كبيرة في مساحة ضيقة…)
قد نتفق إذن حول فكرة أن العوامل التي قد تؤثر على تطور الذكاء متعددة جداً وأن تواجد ثمانية أنواع من الذكاءات التي تتطور بشكل فردي رغم أنها تتحرك بشكل عام ومتكامل، تجعل المشهد يبدو معقداً بشكل كبير. وعلى هذا الأساس لا يجب الاندهاش من اختلافات الكائن البشري.
ما يفرّق بين إنسان وآخر هو مستوى كلّ شكل من أشكال الذكاء، وبالتالي إذا كانت دراسة الطب تحتاج ذكاء منطقيًا-رياضيًا عالياً، فإن التخصصات الأخرى تحتاج أشكالاً أخرى من الذكاء. الذكاء الحسّي – اللّمسي مطلوب لدى الجرّاح، في الوقت الذي يعتبر الذكاء الاجتماعي مهماً لطبيب عام أو لطبيب نفسي.

2- أمثلة و تطبيقات لنظرية الذكاءات المتعددة

لا تظهر قيمة النظرية إلا حين يتم تطبيقها على أرض الواقع. وهكذا قد تم رصد العديد من التطبيقات لنظرية الذكاءات المتعددة في السنوات الأخيرة، حتى إن بعض المدارس الأمريكية قامت بوضعها تحت التجريب.
2.1 : الذكاءات المتعددة والتوجيه المِهني
تشكّل نظرية الذكاءات المتعددة نموذجاً بالإمكان تطبيقه في ما يخص التوجيه المِهني. حيث مكّنت بعض الملاحظات الميدانية من تحديد قائمة الوظائف المهنية التي ترتبط بنوع مُهيمن من أنواع الذكاء. الجدول التالي يحاول إظهار بعض النماذج المناسبة لكلّ نوع من أنواع الذكاء. كما يحتوي الجدول على خانة ثالثة تخص “الشخصية” والتي سوف ندرج فيها أسماء بعض الشخصيات التي كانت تتوفر على ذلك النوع من الذكاء كنوع مُسيطر من بين باقي الأنواع. وفي هذا الصّدد يجدر الإشارة إلى أن “هوارد غاردنر” قام بنشر مُؤلف درس فيه العديد من الشخصيات في نفس سياق نظريته. هذه المؤلفات المعنية هي :
Gardner, Howard. Creating minds : An Anatomy of Creativity as Seven Through the lives of Freud, Einstein, Picasso,
Stravinsky, Eliot, Graham and Gandhi. NY, Basic Books, 1993
Gardner, Howard et al. Leading Minds : An anatomy of leadership. New York, Basic Books, 1996.
Gardner, Howard. Extraordinary Minds : Portraits of Exceptional Individuals and an Examination of our
Extraordinariness. New-York, Basic Books, 1997

هناك طريقة أخرى للتفكير في المستقبل المهني لشخص ما، وهي تنصّ على تحديد أهمية نوع معين من الذكاء في مُجتمعنا ومن ثمّ محاولة تخيّل الأهمية المستقبلية الممكنة لهذا النوع من الذكاء، هكذا وعلى سبيل المثال، نحن نعيش الآن في مجتمع منغلق على نفسه حيث كلّ فرد يعمل ويفكر بنفسه بشكل كبير.
كما تتضاعف المقاربات العلاجية من كل نوع، نلاحظ أيضاً أن قيمًا كالمنافسة أصبحت تطغى على قيم التعاون. وبالتالي فإن هذه الإشارات كلها تبرز أهمية نوع من الذكاء هو الذكاء الاجتماعي. في الواقع فإن هذه الوظائف المهنية لديها مستقبل مؤكّد ما دامت هذه المجتمعات الحالية تحافظ على نفس الشكل الذي نراها عليه الآن.

نوع الذكاء مثال عن الوظائف المهنية الشخصية
الذاتي إداري، ممرض، بائع، عالم اجتماع، وسيط. الأم تيريزا

 

الاجتماعي عالم دين، عالم نفس، مُخطط، مُقاول إيميلي ديكنسون

 

الجسدي – الحركي ميكانيكي، مدير الرقص، محترف التدليك، بائع مجوهرات، مدرب رياضي،جرّاح توماس اديسون

إيزادورا دونكان

 

اللغوي مدير مكتبة، كاتب، مُحامي، سكرتير، كوميدي، مترجم ويليام شكسبير

 

المنطقي الرياضي محاسب، خبير تأمينات، عالم اقتصاد، عالم حاسوب، مهندس ألبير أينشتاين

 

الموسيقي عالم موسيقى، شاعر غنائي، مهندس صوت، قائد أوركسترا، ناقد راي شارلز

 

المكاني معماري، ربان طائرة، مهندس مدني، عالم خرائط، فنان، رسام بابلو بيكاسو

فرانك لويد رايت

Le Corbusier

 

الطبيعي مهندس معادن، مكتشف، بيطري، عالم الأرصاد الجوية، صياد، عالم أحياء

جاك كوسطو

برنار فوايي

 

1.3 : تقييم التعلمات
تقييم التعلمات (أو المكتسبات) المستعمل حالياً في مؤسسات التعليم الإعدادي يعطي قيمة أكبر للذكاء اللغوي والمنطقي الرياضي، وهو الأمر الذي يسيء تقييم الطالب الذي لا يملك هذين النوعين من الذكاء بشكل مسيطر على الأنواع الأخرى.
لكن إذا استعملنا النموذج الذي أتى به “هوارد غاردنر” فإننا سوف نقوم بتوجيه طريقة التقييم نحو أساليب تسمح للطالب باللجوء إلى أدوات التعبير وَ أنواع الذكاء المهيمنة لديه. ومن هنا يجب التركيز على أدوات ك Portfolio أو محفظة الأدوات والإنتاجات الشخصية للطالب من رسومات وكتابات وغيرها… وأيضاً المشاريع الشخصية للطالب، الشيء الذي سيسمح له بالتعبير بحرية أكبر.
إن نظرية الذكاءات المتعددة بما تتركه من أثر على الممارسات التعليمية تتطرح العديد من الأسئلة فيما يخص ممارسات التقييم للأنشطة التعليمية أيضاً. وعلى سبيل المثال، هل من المنطقي أن يقوم برنامج تعليمي إعدادي يجمع تلاميذ نوع الذكاء المهيمن لديهم هو “الذكاء المكاني” بتقييمهم عن طريق الورقة والقلم والأسئلة ذات الاختيارات المتعددة؟
وهل من المقبول أن يتم دفع طالب يملك ذكاءً ذاتياً لإظهار مكتسباته في إطار عمل فردي غير محفز على الإطلاق؟
هل يمكننا أن نطلب من طالب يملك ذكاء رياضياً منطقياً مهيمناً أن يصفَ في نصّ من مئات الكلمات موقفاً يمكن بالنسبة إليه اختصاره في بضع عبارات وفي تخطيط (فعل / رد فعل ) ؟
وبالرغم من ذلك، هذا هو ما يحدث كلّ يوم في قاعات الدراسة.
سوف نتوقف عند المثال التالي لبعض الوقت: بعد قراءة رواية، عن شيرلوك هولمز مثلاً، نطلب من الطلبة في إطار اختبار بأسئلة متعددة الإختيارات، الإجابة عن سؤال ما إذا كان البطل الرئيسي في الرواية :
1- حسّاساً
2- مُبدعاً
3- ذكيّ
4- مُحباً للتواصل
5- منطقياً
الجواب المُنتظر، والتقليدي هو (لأجل أهداف المثال) : ذكيّ . وهذا معناه أن باقي الأجوبة كلها خاطئة. ولكن هذا غير صحيح. الجواب الذي سيعتبر صحيحاً يتوقف على نوع ذكاء القارئ – المصحح. إذا كان لهذا الأخير نوع ذكاء مهيمن مُختلف عن الأول، فإن الجواب سيكون مختلفاً أيضاً. بالتالي هل يمكن أن نربط كلّ جواب ممكن بنوع من أنواع الذكاء؟
هذا الرّبط هو كما يلي:
– مُبدع = ذكاء مكاني
– ذكي = ذكاء لغوي
– محب للتواصل = ذكاء ذاتي
– منطقي = ذكاء رياضي منطقي
وهكذا فإن القراءة تتم حسب الميزة الأساسية للقارئ وفهمها يتم بشكل مختلف من قارئ لآخر. لهذا لا يجب أن يفاجئنا كون الإجابات مختلفة من شخص لآخر. وفيما يخص دراستنا الحالية، فإنه من المهم أن نطلب من كل طالب أن يشرح لماذا اختار ذلك الجواب من دون باقي الأجوبة. لكن هذا الحلّ أيضاً يطرح بعض المشاكل التي تخصّ العلاقة التي تربط كلّ طالب بالنّص والتفسير الذي سيكتبه. من الواضح أن الطالب الذي يملك ذكاءً لغوياً متطوراً يُحتمل أن يكون متميزاً في هذا التمرين أكثر ممن يملك ذكاء مكانياً مثلاً.
2.3 : المساعدة على التعلم
فيما يخص المساعدة على التعلم، نميل إلى رؤية الأشياء من زاوية معرفية فقط. غير أن التعلم هو ظاهرة أكثر تعقيداً من ذلك. تُمكن نظرية تعددية أشكال الذكاء من وضع سياق لهذه الظاهرة وبالتالي الحصول على تصور أكثر إيجابية لصعوبات التعلم.
هنا نتصور أن الشخص يملك قوى ترتبط بشكل الذكاء الذي قام بتطويره. وبالتالي حين تكون هذه القوى غير مناسبة للأشكال المهيمنة على النظام التعليمي فإننا نتحدث عن صعوبات في التعلم. في حَركية المساعدة التقليدية، يقوم النظام التعليمي بالتدخل عبر أنشطة إضافية لتعويض ما يسّمونه “النقص” أو “التأخر”. لكن الباحثين الذين يطبقون نظرية الذكاءات المتعددة يقترحون أسلوباً جديداً للمساعدة الدراسية. هذا الأسلوب هو ببساطة أن يتم توظيف القوى الموجودة سابقاً لدى الطالب لتسهيل التعلم في الأنشطة التي تمّت ملاحظة النقص على مستواها.
على سبيل المثال: سوف نطلب من الطالب الذي يملك ذكاء موسيقياً أن يضع إيقاعاً موسيقياً لقاعدة لغوية، ونطلب ممن يملك ذكاء حركياً متطوراً أن يربط تلك القاعدة اللغوية بحركات للجسد.

3 : بيداغوجيا الذكاءات المتعددة :

في المرحلة ما بعد الثانوية، وبالخصوص في الميدان التقني وفي الجامعة، تظهر الذكاءات المتعددة في اختيارات التكوين التي يقوم بها الطالب. وبالتالي يمكننا بسهولة أن نضع جدولاً للمهن المرتبطة بكل تكوين جامعي أو تقني، كما في الحالة السابقة. في الواقع، يجب أن تتمحور البيداغوجيا حول الخصائص الأساسية لكلّ شكل من أشكال الذكاء. وهذا النوع من الدراسات والأبحاث قائم بالفعل منذ سنوات في المؤسسات الجامعية الأمريكية. وأحياناً يتم تجربة الذكاء المتعددة بداخل كلّ قاعة درس على حدة.
على هذا النحو يمكننا أن نقول أن تخصص الهندسة الميكانيكية مرتبط بالذكاء الحَركي. وفي سياق كهذا من المفترض أن تقوم البيداغوجيا التعليمية بإعطاء قيمة كبرى للاكتشاف، التجريب، والمحاولة، الأخطاء، أكثر من أن تكون بيداغوجيا تقليدية تنحصر في دروس مكتوبة ثم تطبيقات فقط. يمكن هنا أيضاً تطوير المقاربة التعليمية باستعمال المشاريع الفردية لكلّ طالب. وإذا رغبنا في الإبقاء على المقاربة التقليدية المتعلقة بالدروس والتطبيقات العادية فإنها يجب ان تكون آخر مرحلة من مراحل هذا التعليم.
إذا أخذنا بعين الاعتبار نوع البرامج الدراسية في المرحلة الإعدادية فإن بعض المواد التعليمية المتعلقة بالتكوين العام، يجب أن تضمّ جميع المتعلّمين لأنها مواد أساسية ويجب على الجميع الخضوع لتكوينها. وبالتالي فإنه من الصعب جداً تخيل طريقة تعليمية ترتكز على القوى الفردية لكلّ طالب في المرحلة الدراسية العامة.
فالفلسفة مثلاً مرتبطة بالذكاء الاجتماعي (أو الذكاء الوجودي، آخر مقترحات غاردنر فيما يخص أنواع الذكاء). الدروس الفلسفية المرتبطة بالأخلاق مثلاً يجب أن ترتكز على مفهوم ” الأنا”. والدروس المتعلقة بالعقل تبدو أكثر ارتباطاً بالذكاء المنطقي الرياضي والذكاء اللغوي، في حين الدروس الفلسفية المتعلقة بالتكوين البشري ترتبط أكثر بالذكاء الطبيعي. وفي أنواع التمارين المطلوب إنجازها من طرف الطلاب يمكن أن تظهر مختلف أشكال الذكاء.

سوف نواصل الآن الحديث عن أفكارنا التي تخص التعليم وأنواع الذكاء. قام غاردنر بتحديد سبعة أنواع للولوج إلى التعلم. يقوم الجدول التالي بتلخيصها مع ربط كلّ نوع بشكل الذكاء المرتبط به:

نوع الولوج شرح مختصر الذكاء المرتبط به

 

الإنتباه إلى ..
النوع الرّوائي أو الحِكائي هو النوع التقليدي: نقوم برواية قصة اللغوي مستوى اللغةـ تغير مستويات الصوت

 

النوع الكمّي، الرقمي النوع المرتبط بالحساب الرياضي المنطقي التحفيز على الذهاب أبعد من الأرقام

 

النوع المنطقي النوع المرتبط بالإستنتاج المنطقي الطبيعي هيكلة الزمن

 

النوع المُؤسس نوع الأسئلة الأساسية المرتبطة بأصل الأشياء والأسئلة الفلسفية الإجتماعي اقتراح اختيارات وبدائل

 

النوع الجمالي النوع المرتبط بالعناصر الحسّية، البنية والتناسق الموسيقي – المكاني التنظيم الفيزيائي، الديكور، البعد الصّوتي.

 

النوع الاجتماعي النوع المرتبط بالتعاون لأجل التعلم الذاتي التركيز على التعلم وأدواته

 

النوع الاختباري النوع المرتبط بالإندماج والتطبيق المباشر الحَركي

تقديم فُرص للتحرك والتفاعل

 

يحاول هذا الجدول شرح طريقة فهم الواقع حسب نوع الذكاء الذي يحظى به كلّ طالب. وبما أن الأفراد نادراً ما يحظون بنوع واحد من الذكاء فإن هذه الأبواب التي يمكن ولوجها للتعلم غالباً ما تكون مستعملة بدرجات متفاوتة حسب المُتعلم.
إنها ليست مسألة تعليم الطلبة كلّ شيء بثمانِ طُرق مختلفة، كما إنها ليست مسألة تعليم عن طريق الإلحاح على سبعة طرق للولوج للتعلم وفهم الواقع. ما يهم هو فهم هذه الحقيقة والانتباه لها لأن مضاعفة طرق التعلم تؤدي إلى جعل المعرفة ذات أبعاد مختلفة.
يتطور الذكاء البصري-المكاني عن طريق أشكال مختلفة من التحفيز، في عالم يحتوي على كمّ هائل من الصّور (اكتساح عدد القنوات التلفزية، الإعلانات..) يجعلنا نفهم أن الشباب الذين ينتمون لهذا الجيل يحتاجون الصّور بشكل كبير للتعلم كشكل وسيط بين الأستاذ، المعرفة والطالب. نحن نعيش في عالم تسوده الصور. يمكن لصورة أن تبني أو أن تهدم فكرة أو إنساناً. وهذه الاستراتيجية مستعملة بشكل كبير من طرف علماء البيئة والطبيعة.
معظم الطلبة الذين ينتمون لهذا الجيل خاضعون لهذه القاعدة، خصوصاً مع ارتفاع الوسائل التي تقع بين أيديهم: الحواسيب، الفيديوهات وغيرها… هم يستعملون أدوات ذات أبعاد متعددة، وحين يدخلون لقاعة الدرس يفاجؤون بحقيقة التربية والتعليم التي تعتمد مواداً تقليدية وأدوات تعليمية تقليدية، وبالتالي نادرون أولئك الذين يستطيعون التأقلم مع هذا الوضع، وفي الغالب يفشل الآخرون.
لهذا من المهم جداً أن يتم فهم هذه النظرية وتطبيقاتها وما تؤدي إليه من تأثيرات في العلاقة بين الطالب والمعرفة والأستاذ.

المقال الأصلي



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك