نُظم المعرفة الأصلية: سكان ألاسكا الأصليون (1) -مترجم-

31 يوليو , 2017

مقال مُترجم من مقال: 

Schooling The World /Essays: Indigenous Knowledge Systems/ Alaska Native Ways of Knowing

 

بقلم: راي برناردت و أنجوايكاك أوسكار جواكلي

 

هذا المقال مُقطتف من ورقة بحثية بنفس العنوان، من موقع شبكة المعرفة الأصلية في ألاسكا، يُمكنكم زيارة الموقع لقراءته كاملًا والاطلاع على مصادر أخرى في نفس الموضوع.

قبل بضع سنوات تم تجميع مجموعة من شيوخ ومُربيين ألاسكا الأصليين لتحديد سُبل الاستفادة بشكل أكثر فعالية من أنظمة وطُرق المعرفة التقليدية في مجتمعات السكان الأصليين، لإثراء المناهج الدراسية وإحياء التجربة التعليمية لدى الطلاب.

بعد الاستماع لمدة يومين لمناقشات مطولة عن موضوعات مثل وجهات النظر العالمية الأصلية، وطُرق السكان الأصليين في المعرفة، وحقوق الملكية الفكرية والثقافية، أخيرًا قام أحد الشيوخ ليشرح عن طريق الاستعانة بمُترجم عن تجربته هو وشقيقه عندما قام والدهم بتعليمهم  كيفية اصطياد الوعول في صغرهم، في الوقت الذي لم تكن المسدسات أدوات شائعة في منطقة نهر كوبيك في شمال ألاسكا.

ووصف كيف كان والده صيادًا يحظى باحترام كبير لدى أهل القرية، عندما كان يعد بالغنائم من رحلات الصيد ويقوم بتقاسمها مع الآخرين في القرية.

في أحد الأيام أخبرهم والدهم بالتحضير للذهاب معه في رحلة صيد لحيوانات الرنة التي تقوم بالهجرة في الوادي على بعد أميال منهم، فقاموا بجمع ملابسهم وأدواتهم بفارغ الصبر لينضموا إلى والدهم في أول رحلة صيد وعول لهم، وعندما وصلوا إلى سلسلة من التلال المطلة على الوادي استطاعوا أن يروا قطيعًا كبيرًا من الحيوانات تتحرك ببطء بين السهول العشبية تحتهم، وأخبرهم والدهم بأن يستلقوا بهدوء على قمة التل ويراقبوه وهو ينزل حاملًا قوسه وسهمه لاصطياد الوعول.

شاهد الصبية والدهم وهو يسير باتجاه قطيع الوعول التي كلما اقترب منها بدأت في الابتعاد عنه وراء قائد القطيع ومع ذلك هو لا يتوقف عن التقدم ناحيتهم، مما أصاب الصبية بالدهشة من سر إصرار والدهم على مطاردة الوعول بعيدًا عنه، واستمر في التقدم حتى وصل للمنطقة التي يُرعى فيها الوعول، ثم توقف ووضع قوسه وسهمه أرضًا وبعدها انحنى وفرد ذراعيه ثم أخذ في تحريكها صعودًا ونزولًا في محاكاة لحركة طائر على وشك الإقلاع.

بعدها شاهد الصبية الوعل قائد القطيع وهو يتوقف وينظر لحركات والدهم الغريبة، وببطء تحرك باقي القطيع في شكل نصف دائري حوله لمراقبة هذا الطائر العملاق الغريب، وسرعان ما تحول هذا الشكل النصف الدائري إلى حلقة من الوعول تحيط بوالدهم، وبمجرد أن اقترب بما يسمح له بتحقيق هدفه، أمسك القوس وأطلق سهمًاُ سريعًا على أحدهم و أرداه صريعًا ثم أومأ لهم للنزول لمساعدته في إعداد اللحم الذي سوف يأخذونه للقرية معهم.

بينما كان يُكمل الشيخ قصة كيف كان هو وشقيقه يتعلمون بالمعرفة التراكمية طريقة صيد الوعول، أوضح أن العلاقة بين الصياد والفريسة كانت أكثر حميمية بكثير مما هي عليه الآن. مع تدخل أشكال التكنولوجيا الحديثة تتآكل المعرفة المرتبطة بهذا النوع من العلاقات التكافلية ببطء، لكن بالنسبة للشيخ كانت الدروس التي تعلمها مع شق يقه تنبض بالحياة تمامًا مثل اللحظة التي عاشها في غابات التندرا ذلك اليوم، لكنه بعد 70 عامًا، قد يجد بعض الصعوبة في اجتياز الاختبار النهائي.

كانت المعرفة والمهارات ومستويات التحصيل المطلوبة للتحول لصياد ناجح أمور بديهية متوفرة بشكل ضمني وصريح في الدروس التي يقدمها الأب.
بالإضافة لذلك كانت الرؤية التي قدمها لنا الشيخ من خلال رسومه في الصِغر ذات أهمية للمُعلمين في بحثهم عن سُبل لجعل التعليم ذا معنى في القرن الواحد والعشرين، فمثل هذا المقال وما شابهه من مواد يتم تفسيرها وفحصها بشكل دقيق لإيجاد السمات المشتركة بين نُظم المعرفة الأصلية في جميع أنحاء العالم، مع إلقاء نظرة فاحصة على بعض المبادرات التي تهتم بطُرق معرفة سكان ألاسكا الأصليين كعامل مُحفز لتجديد وتطوير طُرق التعليم والتربية.

حافظت الشعوب الأصلية في جميع أنحاء العالم على استدامة وجهات نظرهم للعالم ونظم المعرفة المرتبطة بها لآلاف السنين، حتى في أوقات الاضطرابات الاجتماعية الكبيرة نتيجة لتحولات خارجة عن إرادتهم، لتنجو الكثير من القيم الأساسية والمعتقدات والممارسات المرتبطة بهذه النظرة الخاصة تجاه العالم، ويتم التعرف عليها كأفكار أو أساليب حياة صالحة للعمل بها حاليًا كما كان منذ آلاف السنين.

يُمكننا القول أن عمق المعرفة الأصلية المتجذر في الاستيطان الطويل لمكان معين يُقدم الدروس التي يُمكن للجميع الاستفادة منها، ابتداء من المُعلم والمُربي وحتى العالم في رحلة بحثهم عن وسيلة مستدامة للعيش على هذا الكوكب.

الإجراءات الحالية التي يتم اتخاذها من قِبل السكان الأصليين في المجتمعات في جميع أنحاء العالم تظهر بوضوح أن هناك “نقلة نوعية” حول الطريقة التي يتم التعامل بها مع “طُرق المعرفة الأصلية” ليتم الاعتراف بها كنظم معرفية معقدة مع قدرة خاصة على التأقلم والتكيف مع مرور الزمن.


مع تطور هذا التحول في طريقة النظر لطُرق المعرفة الأصلية، جدير بالذكر أن المستفيد منها هم السكان الأصليون أنفسهم، حيث إن المشاكل التي يتم تناولها ذات أهمية متساوية في سياقات أخرى غير أصلية، فتتجلى العديد من المشكلات في ظل ظروف التهميش من المحيط إلى المركز في المجتمعات الصناعية، وبالتالي فإن الرؤى الجديدة (لكنها قديمة في نفس الوقت) التي تظهر من المجتمعات الأصلية قد تكون ذات فائدة مساوية للمجتمع التعليمي الأوسع.


كانت الكتابات الأولى في الأدب حول تعليم الشعوب الأصلية تميل إلى وجهة نظر غير أصلية، وركزت على محاولات السكان الأصليين مجاراة وجهات النظر الغربية/ العلمية للعالم (دارنيل 1972; أورفيك وبرناردت 1974).


حتى وقت قريب كانت هناك القليل من المساهمات الأدبية التي تناولت كيفية جعل العلماء الغربيين والمُعلمين يفهمون وجهات النظر للسكان الأصليين وطُرق معرفتهم كنُظم معرفة مستمرة في حد ذاتها، وحتى في أقل ما تعنيه عندما تتعايش هذه النظم المتباينة في نفس الشخص أو المنظمة أو المجتمع.

لذلك لا بد من التعامل في هذه القضايا باعتبارها طريقًا ذا اتجاهين، أحدهم يُمثل وجهة نظر الغرب للسكان الأصليين، والآخر يُمثل وجهة النظر السكان الأصليين للغرب، بدلًا من عرضها باعتبارها تحديًا في اتجاه واحد وهو “كيفية تداخل السكان الأصليين في النظام الغربي”.


قد يحتاج السكان الأصليون فهم ومعرفة المجتمع الغربي، ولكن ليس على حساب ما يعرفونه بالفعل وعلى حساب الطريقة التي وصلوا بها إلى هذه المعرفة. كذلك السكان غير الأصليين بحاجة لمعرفة أن هناك وجهات نظر وطُرقًا معرفية مختلفة، وعليهم تعلم التعايش وإيجاد طُرق لفهم العالم بأبعاده المختلفة ووجهات نظره المتعددة.


يُلاحظ بشدة نقص الحماس لدى العدد الأكبر من الطلاب في المجتمعات الأصلية في تجربة التعليم التقليدي والتي تُمثل لهم ثقافة تعليم غريبة ودخيلة، على الرغم من توفر الذكاء الفطري ومهارات الإبداع وحل المشكلات لدى هؤلاء الطلاب (باتيست 2002).

تستند المناهج وطرق التدريس واستراتيجيات التقييم في المدارس العامة بوجهة نظر لا تعترف بشكل كاف أو تُقدر الأفكار الأصلية وترابطها بالمجتمع والمكان (كواجلي، نورس تال 1998).


 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك