هل تساعدك الموسيقا حقًا على التركيز؟

20 نوفمبر , 2017

المقال الأصلي: ?Does music really help you concentrate

يتأفَّف العديد من المراهقين في وجه آبائهم قائلين “لن أكون قادرًا على التركيز إن أطفأت هذا”. فهل من الممكن أن يكونوا على حق؟

يستمع كثير من الناس إلى الموسيقا في أثناء أدائهم لمهامهم، وسواء كانوا يستذكرون استعدادًا لامتحان أو يقودون سيارة أو حتى يقرؤون كتابًا، فالموسيقا بجانبهم لا تنطفئ. ويقول كثير من هؤلاء الناس إنَّ تلك الموسيقا في الخلفية هي ما يساعدهم على التركيز.

لماذا إذن؟ عندما تفكر في الأمر، ستجد أنَّه ليس منطقيًّا؛ فلم قد يعزِّز وجود شيئين للتركيز عليهما تركيزك بدلاً من تشتيته؟ بيد أنَّ بعض الناس يذهب إلى أبعد من ذلك ليقول إن غياب الموسيقا يشتته، فما الذي يحدث إذن؟

رغم أن أدمغتنا تحب الموسيقا في المقام الأوَّل، فإن سرَّ هذا الحب ليس واضحًا، ومن المُثير للاهتمام، أنَّ الدماغ يُفضِّل مجموعة محددة من الخصائص الموسيقية؛ إذ تكشف تجارب ماريا ويتك وزملائها أنَّ هناك حاجةً إلى وجود مستوى متوسط من المزامنة في الموسيقا لإثارة محفِّزات المُتعة واستثارة حركة الجسم المرتبطة بها في الأفراد، أو في كلمات أخرى: على الموسيقا أن تكون غير تقليدية، ولكن ليس إلى حد الشذوذ، كي يحبها الناس بدرجة تدفعهم للرقص عليها.

ربما يُمكنك إثبات صحة ذلك من خلال تجربتك الخاصة، فالموسيقا البسيطة الرتيبة، كالاستماع إلى بندول الإيقاع، ليست مسلِّية، إذ أنَّ مستوى التزامن فيها منخفض وهو ما يجعلك بالتأكيد غير راغب في الرقص، وعلى النقيض من ذلك، فإن الموسيقا الفوضوية التي لا يمكن التنبؤ بها، مثل موسيقا الجاز الحرَّة، لديها مستويات عالية من التزامن، وهو ما يجعلها مُرهقة بشدة، ونادرًا، إن لم يكن مستحيلًا، ما تدفع الناس للرقص عليها.

يفضِّل الدماغ الحل الوسط (والتي غالبًا ما يرى المجرِّبون أنه يتمثَّل في موسيقا الفانك لجيمس براون على سبيل المثال) إذ يقتنص هذا الحل مكانة متميِّزة، فموسيقاه ليست متوقَّعة كما إنها ليست فوضوية. وبلا شك فإن معظم موسيقا البوب الحديثة تقع في مكان ما ضمن هذا النطاق.

إعارة الانتباه

إذن لماذا قد تساعدنا الموسيقا على التركيز؟ تتعلَّق أحد الحُجج بالانتباه.

لم يُطوِّر الدماغ، مع قدراته المذهلة، ما يساعده على استقبال معلومات مجردة أو ما يعينه على قضاء فترات طويلة في التفكير في شيءٍ واحد؛ فيبدو أنَّ لدينا نظامين للانتباه: نظام واعٍ يُمكِّنُنَا من توجيه تركيزنا نحو الأشياء التي نعلم أننا نريد أن نركز عليها، ونظام لاواعٍ يُشتِّت انتباهنا تجاه ما تراه حواسنا مُميَّزًا، وتلتقطه. نظام الانتباه اللاواعي هو الأبسط، والأكثر جوهرية، إذ يرتبط بالمعالجة العاطفية بدلًا من عمليات التفكير المنطقي، كما أنه يعمل بشكل أسرع؛ لذلك عندما تسمع ضجيجًا وأنت وحدك بالمنزل سيُلفت هذا الضجيج انتباهك قبل أن تستطيع حتى التفكير في سببه، ولا يمكنك تغيير تلك الطبيعة.

والمشكلة هي أنه في أثناء تركيز انتباهنا الواعي على المهمة التي بين أيدينا، لا يكف نظام الانتباه اللاواعي عن العمل؛ فهو دائمًا ما يعمل، ويبحث عن أي شيء ليلتقطه من خلال حواسِّك المحيطة. وإذا اتسم ما نقوم به بالرتابةِ أو الملل، سيتوجب عليك إجبار انتباهك للثبات على ما يقوم به، إذ أنَّ نظام الانتباه اللاواعي هو الأكثر قوة، وهذا يَعني أنَّ أي شيء سيشتِّت انتباهك، حتى وإن لم يكن مثيرًا.

هل سبق لك أن عملت على شيءٍ شديد الأهمية في مكتب مفتوح، وقادك إلى الجنون تدريجيًّا ذاك الزميل الذي يستنشق باستمرار، أو يحتسي القهوة، أو يقص أظافره؟

عندما تحاول التركيز في شيء لا يُمتع عقلك، تتحول الأشياء العادية من حولك فجأة إلى أشياء مثيرة للغضب.

وتُعَدُّ الموسيقا أداة شديدة الإفادة في مثل هذه الحالات، إذ أنها توفِّر الضوضاء التي لا تُشتِّت الانتباه، كما أنها تمُدُّنا بأحاسيس مُمتِعة لتحييد فعالية نظام الانتباه اللاواعي الذي يعمل على تشتيتنا؛ فالأمر يمكن تشبيهه بإعطاء طفلك الصغير لعبة جديدة لإلهائه بينما تحاول أنت إنجاز بعض العمل دون إزعاج.

نوع الموسيقا

الأمر لا يقتصر فقط على توفير ضجيج في الخلفية لتلافي المُشتِّتات. فقد حاوَلَت الكثير من الشركات استخدام الضوضاء الوردية – كبديل خفيف للضوضاء البيضاء – إذ بُثَّت في جميع أنحاء مكان العمل لزيادة الإنتاجية وللحد من التشتيت، ولكن الآراء قد اختلفت حول فعالية هذا النهج.

يبدو جليًّا أنَّ نوع الضوضاء، أو نوع الموسيقا، هو المهم. كما أنَّه من الواضح: أنَّ الاستماع إلى الموسيقا الكلاسيكية في أثناء العمل ليس غريبًا، ولكن في الواقع سيكون من الغريب أن يستمع الناس إلى موسيقا الميتال أثناء عملهم.

ففي حين أن طبيعة وأسلوب الموسيقا يمكن أن يُسبِّب استجابات مُحدَّدة في الدماغ (الموسيقا غير التقليدية تجبرك على الرقص، والموسيقا الحزينة تجعلك حزينًا، والموسيقا التحفيزية تزيد رغبتك في الحفاظ على لياقتك)، تُشير بعض الدراسات إلى أنَّ الأمر يرجع في الأخير إلى التفضيل الشخصي. فالموسيقا التي تحبها تُزيد من تركيزك، بينما تُعيق الموسيقا التي لا تحبها تركيزك.

ونظرًا للتباين الشديد في التفضيلات الموسيقية من شخصٍ لآخر، فإن تعريض أماكن العمل أو الفصول الدراسية لنوع واحد من الموسيقا سيأتي بنتائج مختَلَطة.

لدى الموسيقا أيضًا تأثيرٌ كبيرٌ على المزاج – فالموسيقا القاتمة من شأنها أن تُثبط حماسك. كما عليك أن تتجنَّب الموسيقا المصحوبة بكلمات أخَّاذة، إذ أنَّ القطع الموسيقية غير المصحوبة بكلام، هي خير رفيق في العمل، وسبب ذلك يرجع إلى أنَّ أدمغتنا تولي اهتمامًا خاصًّا بالكلام البشري والألفاظ.

الموسيقا التصويرية لألعاب الفيديو

يجادل بعض الناس بأن الموسيقا التصويرية لألعاب الفيديو هي واحدة من أفضل أنواع الموسيقا التي تساعد على التركيز، وبالنظر إلى غرض الموسيقا التصويرية لألعاب الفيديو فالأمر منطقي، إذ أنَّ الغرض هو: المساعدة في خلق بيئة غامرة، لتسهيل المهام التي تتطلَّب اهتمامًا وتركيزًا مستمرين، دون صرفنا عنها.

وقد فَرَضت التقنية البدائية على الموسيقا التصويرية للألعاب القديمة قيودًا جعلت منها موسيقا تميل إلى البساطة نوعًا ما في ألحانها، تأمَّل الموسيقا التصويرية للعبة تتريس أو ماريو. بيد أنَّ موسيقا ألعاب الفيديو قد تطوَّرت، بشكل دارويني إلى حد ما، وصُقِلت على مدى عقود لتغدوا مُمتِعة ومُسلِّية، دون أن تصبح مُشتِّتة. فقد تلاعب مؤلفو تلك الأنواع من الموسيقا التصويرية (ربما عن غير قصد) بنظم الانتباه في أدمغة اللاعبين منذ ذلك لحين إلى الآن.

وهناك دلائل على أن هذا النوع من الموسيقا التصويرية يتم التخلِّي عنه مع تقدم التقنية. إذ أنَّ منتجي الألعاب الآن يختارون موسيقا الهيب هوب عوضًا عن قطع الأوركسترا الكبيرة. وسوف يكون التحدي أن تُحافظ الموسيقا على التوازن الدقيق للقيام بالتحفيز دون الإلهاء، ولسخرية القدر، سيتعين على المُؤلِّفين التركيز لتحقيق ذلك.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك